الأخوان عرجون على ركح مهرجان الحمامات الدولي... موسيقى تولد من التراب وتعبر الحدود
لم تكن المقطوعة الافتتاحية التي استهل بها الأخوان نور وسليم عرجون عرضهما في سهرة الجمعة 17 جويلية ضمن الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي مجرد مقدمة موسيقية، فقد كانت مدخلا يختزل فلسفة مشروعهما بأكمله. فمن همسات المؤثرات الصوتية والأنغام الإلكترونية التي صنعت فضاء حالما وغامضا إلى التصاعد التدريجي للوتريات بقيادة الأوركستر السمفوني، تشكلت رحلة سمعية انتقلت بالجمهور من السكون إلى الحركة والإيقاعات الراقصة وكأنها تجسد ذلك "الأفق" الذي تحدث عنه الفنانان لاحقا، في الندوة الصحفية التي تلت العرض، بوصفه رمزا للتطلع الدائم نحو المستقبل.
وفي هذه المقدمة الأوركسترالية، لم يكن المزج بين الروح التونسية والتوزيع الموسيقي العالمي خيارا جماليا فحسب، فقد كان عنوانا لمشروع يقوم على البحث والاكتشاف. واحتفظت النوتات الموسيقية بألحانها الشرقية بينما أضفى التوزيع السمفوني بقيادة راسم دمق إلى جانب حضور يوسف سلطانة على الدرامز ومروان سلطانة على آلة الباص وهادي فاهم على الغيتار بعدا عالميا على العمل، لتتداخل الألوان الموسيقية في نسيج واحد يجمع بين المحلي والكوني.
كما بدا الحوار بين الآلات وكأنه ترجمة موسيقية للعلاقة التي تجمع الأخوين عرجون، فلكل آلة حضورها واستقلاليتها لكنها لا تكتمل إلا بتكاملها مع بقية العناصر. وهي الفلسفة نفسها التي لخصها الثنائي لاحقا حين وصفا مشروعهما بأنه لقاء بين شخصيتين مختلفتين ومتكاملتين في الآن ذاته.

ولم تكن هذه البداية المنفتحة على الخيال منفصلة عن بقية تفاصيل العرض، فقد مهدت لرحلة موسيقية ظل فيها الصوت والصورة والهوية البصرية تتكامل لتقديم تجربة فنية معاصرة ومتجددة وخارجة عن المألوف نابعة من تمرد الثنائي عرجون على السائد الموسيقي والفرجوي.
وأمام جمهور مكتمل العدد على مدارج المسرح، انطلقت الرحلة الغنائية عبر "يبان" ثم "حلمة" و"ليك سنين"، وهي أعمال ترجمت منذ بدايتها ملامح المشروع الفني للأخوين القائم على المزج بين البوب والجاز والأفروبيت وغيرها من الأنماط الموسيقية، مع الحفاظ على اللهجة التونسية بوصفها حاملا أساسيا للهوية. وقد بدا واضحا منذ الأغاني الأولى أن الجمهور وخاصة فئة الشباب كان على موعد مع أعمال يحفظها ويردد كلماتها ليتشارك الثنائي عرجون الغناء منذ اللحظات الأولى.
وتواصل العرض مع أغنية "صوفيا" التي سجلت مشاركة عازف الترومبات "أولريش"، قبل أن ينتقل الثنائي إلى تكريم الفنان الراحل ياسر الجرادي من خلال أداء رائعته "ديما ديما". وكان الحب أيضا السمة البارزة في العرض لا سيما مع "Forbidden Love" حيث بلغ العرض إحدى أكثر لحظاته شاعرية ورومنسية، ليُفسح المجال أمام سليم عرجون ويتسلطن في العزف منفردا على البيانو في مقطوعة "Valse of Love" فنسج من إيقاعاتها علاقة عاطفية مع الحاضرين.
ودخل العرض مرحلة جديدة مع تقديم أغنية "أطياف" في نسختها الأولى بمرافقة كورال "تونس 88"، قبل أن تتواصل هذه الأغنية في نسخة ثانية مع الفنان حمزة الطرابلسي "ظلمة" الذي اعتلى الركح ليشارك نور عرجون أداءها بمرافقة الكورال. وقد تفاعل الجمهور مع الأغنية بشكل لافت مطالبا بإعادتها ليستجيب الفنانون لهذا الطلب وسط تصفيق متواصل. واستمرت الاحتفالات مع أغنية "وايو" التي مزجت بين الإيقاعات التونسية والإفريقية وأنماط موسيقية عالمية. وقد ترجمت مرة أخرى توجه الأخوين عرجون نحو موسيقى منفتحة على ثقافات متعددة دون التخلي عن جذورها المحلية.
واختار الأخوان عرجون أن يختتما السهرة بأغنية "تراب"، التي تحولت منذ صدورها في ماي 2020 إلى إحدى أبرز محطات مسيرتهما قبل أن يرسخها مسلسل "حرقة 2" للمخرج الأسعد الوسلاتي في ذاكرة الجمهور العربي بعد عرضها ضمن أحداثه في رمضان 2022.
وهذه الأغنية، التي كتبت كلماتها هيام علوي وليلى جلال والدة الأخوين، حملت منذ بدايتها رسالة مفادها أن الموسيقى لغة كونية قادرة على تجاوز الحدود وتقريب المسافات بين الناس وهي الفكرة التي تأسس عليها المشروع الفني للأخوين. وسجلت أغنية "تراب" على مسرح الحمامات مشاركة كورال "تونس 88" الذي كانت ضمنه أيضا ليلى جلال. وبها اختتمت الثنائي عرجون سهرة حافظت على نسقها من البداية إلى النهاية وستظل دون شك راسخة في وجدانهما كواحدة من أبرز مسيرتهما الفنية.
ولم تقتصر العناية بالتفاصيل على الجانب الموسيقي وامتدت أيضا إلى الهوية البصرية للعرض. فقد خطفت نور عرجون الأنظار بإطلالة "أميرية" حملت توقيع المصممة التونسية فرح عبيدي وتجسّدت من خلال الفستان الأبيض المنساب الذي يرمز إلى الرقة والأنوثة في حين أضفت الدرع والحزام الجلدي تفاصيل القوة والتمرد، وذلك في تناغم بصري تام يترجم تنوع شخصية نور الفنية وطاقة موسيقاها الحماسية والمتمردة.

واستلهمت فرح عبيدي تصميم الملابس من الهوية التونسية من خلال اعتماد خامات وتقنيات تقليدية مثل "القمراية" و"الخيط" إلى جانب الحلي التراثية في تحية لأصالة مدينة الحمامات وذاكرتها الثقافية العريقة. واكتمل هذا التصور من خلال تناغم الزي مع إطلالة شريكها في العرض سليم، ليجسدا معا فكرة التكامل بين شخصيتين مختلفتين تلتقيان في انسجام فني على ركح مهرجان الحمامات الدولي.
وفي الندوة الصحفية التي تلت العرض، اعتبر نور وسليم عرجون أن الوقوف على ركح الحمامات وتقديم أعمالهما الأصلية بصيغة أوركسترالية يمثل تحقيقا لحلم راودهما منذ سنوات، مؤكدين أن هذا الأسلوب الفني ظل جزءا من رؤيتهما منذ انطلاق المشروع وأن هذا العرض يمثل خلاصة سنوات من البحث والتطوير.
وأوضح الثنائي أن مشروع "عرجون" يقوم على الجمع بين شخصيتين فنيتين مستقلتين وهوية مشتركة، وهو ما يعملان على ترسيخه بصريا وموسيقيا. كما أكدا تمسكهما باللهجة التونسية باعتبارها جزءا من هويتهما مع الاستعداد لإطلاق مشروع جديد سنة 2027 يجمع بين التونسية والفرنسية والإنقليزية في خطوة تهدف إلى الانفتاح على جمهور عالمي دون التفريط في الخصوصية الثقافية التونسية.
كما كشفا أن التوزيع الأوركسترالي الجديد لأغنية "تراب" الذي قدم في الحمامات أنجز خصيصا لهذه المناسبة بعد أشهر من العمل، وقد تم تسجيله وتصويره لإتاحته لاحقا للجمهور، مؤكدين أيضا استمرار تعاونهما مع كورال "تونس 88" والاستعداد لجولة فنية خارج تونس، في حين تبقى إعادة تقديم هذا الشكل الأوركسترالي الكامل رهينة توفر الإمكانات التقنية التي يتطلبها.