شكري بوزيان يحتفي بالأغنية التونسية في عيد الجمهورية
كان تاريخ 25 جويلية/ يوليو أكثر من مجرد موعد جديد في برمجة الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي، ففي الليلة التي أحيت فيها تونس الذكرى 69 لعيد الجمهورية، اختار الفنان شكري بوزيان أن يجعل الأغنية التونسية عنوان السهرة ومحورها. ولم يفتتح الفنان عرضه بأشهر أعماله أو بأغنية مضمونة التفاعل منذ اللحظات الأولى، وإنما اختار أن تكون البداية مع "تونسي ورافع راسي" في انسجام بدا واضحا بين روح المناسبة واختيار الأغنية، وكأن الموعد الوطني وجد صوته في هذه الأغنية أو أن الأغنية وجدت في هذه الذكرى فضاءها الطبيعي.
منذ ذلك الحين اتضح أن البرنامج أُعد ليحكي شيئا عن مسيرة صاحب السهرة لكنه يحكي في الوقت نفسه شيئا عن الأغنية التونسية ذاتها. أغاني عرفها الجمهور منذ سنوات وأخرى لم تنل الحظ نفسه من الانتشار اجتمعت في أمسية واحدة، بينما كان مسرح الحمامات يحتضن واحدا من الفنانين الذين ارتبط اسمه مطربا وملحنا بهذا اللون الغنائي منذ سبعينات القرن الماضي.
ولم يطل الانتظار حتى صدح شكري بوزيان بأغنية "صلي على سيدي النبي"، وهي الأغنية التي بقيت لعقود واحدة من أكثر أعماله حضورا في الذاكرة الجماعية. وقد جاءت هذه المرة بصيغتها التي يعرفها الجمهور ويحفظها قبل أن يواصل الفنان تقديم محطات أخرى من رصيده، متنقلا بين "ثمة بيت" و"تاج راسي بابا" و"ما صابني عصفور" في برنامج لم يكتف بالأغاني الأكثر شهرة وإنما استعاد أيضا أعمالا قلّ حضورها في الحفلات خلال السنوات الأخيرة.
ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا. فقد بدا بوزيان حريصا على تقديم صورة أقرب إلى مسيرته الفنية كاملة لا إلى الأعمال التي يطلبها الجمهور عادة في كل سهرة. وكان واضحا أن الرهان لا يتعلق باستعادة الماضي بقدر ما يتعلق بإعادة الاستماع إليه خاصة في مهرجان يعود إليه الفنان بعد عقود من أول ظهور له على مسرحه.
ولم يختر شكري بوزيان أن يبقى وحده في واجهة المسرح. فقد دعا الفنان فراس القلسي لأداء "في خاطري" و"يا ويلك مني"، ثم التحقت به الفنانة آمنة دمق لتؤدي "لا تحيرني" و"لمتى نصبر". ولم تبدو مشاركة الضيفين كأنها فقرة مستقلة داخل البرنامج، وإنما جاءت امتدادا لفكرة ظل الفنان يعود إليها طوال السهرة وهي أن الأغنية التونسية لا يمكن أن تستمر إذا بقيت مرتبطة فقط بالأصوات التي صنعت نجاحها في الماضي.
وواصل البرنامج تنقله بين أعمال مختلفة، فغنى "يجي لبالك" و"عيني عالليلة" و"آش كون كيفك". وقبل أن يقترب الحفل من محطاته الأخيرة، أبدع في أداء رائعته "محلاك يا أمي" و"ملا ليلة ملا"و"قالوا كلام" في تنويع حافظ على حضور الأغنية التونسية بمختلف ألوانها من الأغنية الاجتماعية إلى العاطفية ومن الأعمال التي كتب كلماتها شكري بوزيان نفسه إلى نصوص حملت توقيع شعراء آخرين.
ومع نهاية الحفل، عاش الجمهور لحظة مختلفة عندما صعد نقيب المهن الموسيقية والمهن المجاورة ماهر الهمامي إلى المسرح لتكريم شكري بوزيان. وقال إن المبادرة تأتي باسم الموسيقيين والفنانين التونسيين، تقديرا لفنان "أعطى الكثير للأغنية التونسية وما يزال قادرا على العطاء".
وفي الندوة الصحفية التي تلت العرض، بدا الفنان مرتاحا للإقبال الجماهيري الذي سجّله الحفل، معتبرا أن حضور الجمهور يظل أكبر دعم للفنان. وقال إن "هذه السهرة أكدت أن الأغنية التونسية ما تزال قادرة على الوصول إلى الناس حتى عندما يتعلق الأمر بأعمال لا يعرفها الجمهور على نطاق واسع"، مشيرا إلى أن تفاعل الحاضرين مع مختلف الأغاني كان دليلا على استعداد الجمهور لاكتشاف هذا الرصيد الغنائي متى وجد فرصة للاستماع إليه.
واستعاد بوزيان بداياته مع مهرجان الحمامات الدولي، قائلا إن هذا المسرح كان بوابة انطلاقه عندما اعتلاه لأول مرة وهو في الـ16 من عمره سنة 1978، إلى جانب مهرجان قرطاج الدولي. وأضاف أن اختياره منذ البداية كان التوجه نحو اللون التونسي المستند إلى أعمال رواد الأغنية التونسية، وفي مقدمتهم أحمد الوافي وخميس الترنان والهادي الجويني ومحمد التريكي.
ورأى أن هذا اللون الغنائي تراجع حضوره مع تنوع الأنماط الموسيقية، معتبرا أن دعمه كان ينبغي أن يتواصل حتى يبقى متداولا بين الأجيال الجديدة.
وتوقف أيضا عند مشاركة فراس القلسي وآمنة دمق في الحفل، مؤكدا أنه سلّمهما الأغاني قبل العرض، فعملا على حفظها وأدياها بإتقان، لأن الهدف كان منح جيل جديد فرصة للتعرف إلى هذا الرصيد الغنائي وتقديمه على المسرح.
وحول إعادة توزيع بعض أعماله، أشار بوزيان إلى أن الأولوية بالنسبة إليه تبقى تسجيل الأغاني التي ما تزال محفوظة في أرشيفه ولم تر النور بعد، لافتا إلى أن عملية الإنتاج أصبحت مكلفة.
وأضاف أن الأغاني التي حققت انتشارا سابقا ما تزال تجد طريقها إلى الجمهور حتى بصيغتها الأصلية، وهو ما يجعله يفضل في المرحلة الحالية إخراج أعمال جديدة إلى النور قبل التفكير في إعادة تقديم الأغاني القديمة بتوزيعات موسيقية مختلفة.