تكريم استثنائي ليونس ميكري يفتتح مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة

فنان مغربي أرسى نموذجا يجمع بين الأصالة والانفتاح الثقافي.
الاثنين 2026/06/01
تكريم مستحق لفنان مغربي شامل

في دورته السادسة والعشرين، لا يكتفي المهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة بالاحتفاء بالأفلام والتجارب السينمائية، بل يسلط الضوء على مسارات إبداعية استثنائية أسهمت في إثراء الثقافة البصرية الأفريقية. ويأتي تكريم الفنان المغربي يونس ميكري تقديرا لتجربة فنية فريدة جمعت بين التمثيل والموسيقى والتأليف، وجعلت من الحوار بين الصورة والصوت جوهر مشروعه الإبداعي.

يعدّ المهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة من أعرق الملتقيات السينمائية على الصعيد القاري، إذ بات منذ تأسيسه فضاءً للاحتفاء بالتجارب الإبداعية التي تعبّر عن خصوصية الهوية الأفريقية وتحاور في الوقت ذاته المشترك الإنساني الكوني.

وفي دورته السادسة والعشرين، الممتدة من الثلاثين من مايو إلى السادس من يونيو 2026، يُخصّص المهرجان تكريما استثنائيا للفنان المغربي يونس ميكري، تقديراً لمسيرة فنية استثنائية امتدت على مدى عقود من الزمن، وجمعت بين التمثيل والموسيقى والتأليف التصويري في نسيج إبداعي متماسك.

يشكّل مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة نقطة تقاطع حضارية بامتياز، إذ يجمع بين التجارب السينمائية الأفريقية المتنوعة في ملتقى واحد يشجّع على الحوار ويُحفّز على التبادل المعرفي والإبداعي. وتتجلّى أهمية هذا الملتقى في كونه يُولي عناية خاصة لتكريم المبدعين الذين أسهموا في بلورة هوية سينمائية أصيلة تعكس التنوع الثقافي للقارة وترفض النمطية والاستسهال.

ويعتبر تكريم الفنان يونس ميكري إعلانا عن أهمية النموذج الفني الذي يجسّده: نموذج الفنان الشامل الذي يرفض الفصل بين الموسيقى والصورة، وبين التراث الثقافي والحداثة السينمائية.

ميكري فنان يرفض الحدود الفاصلة بين أشكال التعبير ويتخذ من ثنائية الموسيقى والصورة لغةً شاملة للتعبير عن الإنسان

ويأتي هذا الاحتفاء معبّرا عن رغبة المهرجان في التركيز على نماذج فنية تجمع بين الأصالة التراثية والانفتاح على التجارب المعاصرة. فالمهرجان، بوصفه فاعلاً ثقافياً مؤسسياً، يُدرك أن الحفاظ على الذاكرة الفنية الجماعية يستلزم الاحتفاء بالرموز الإبداعية الحية التي جسّدت هذه الذاكرة على امتداد عقود.

وتُعدّ نشأة يونس ميكري الفنية في مدينة وجدة، ضمن مجموعة الإخوان ميكري الشهيرة، المنبعَ الأساسي لأسلوبه التعبيري المميّز. فقد تشرّب منذ صباه ثقافة موسيقية عميقة علّمته كيف يُحوّل الإيقاع والصوت إلى لغة درامية، ليحمل هذه الخلفية معه حين ولج عالم السينما، فأعطى أداءه التمثيلي بُعداً موسيقياً نادراً يُحوّل الصمت والنظرة والإيماءة إلى مقاطع تعبيرية ذات وقعٍ عميق.

ويقوم أسلوب ميكري على ما يمكن تسميته جماليات الهدوء؛ تلك القدرة الفريدة على الإيحاء بما هو أكبر مما يُقال، وعلى حشد طاقة درامية هائلة داخل أدوات تعبيرية في ظاهرها بسيطة. وهو ما جعل المخرجين الذين عملوا معه يعتبرونه ممثلاً يُغني السيناريو لا يقرأه فحسب، ويُضيف إلى الشخصية طبقات دلالية لم تكن حاضرة في النص المكتوب.

ويعد فيلم “السمفونية المغربية” للمخرج كمال كمال نموذجا بارزا لما يُتيحه التكامل بين الخبرة الموسيقية والأداء التمثيلي من إمكانيات سردية متجددة، إذ جسّد ميكري فيه شخصية ذات أبعاد نفسية مركّبة، مستثمراً معرفته الداخلية بعالم الموسيقى لمنح الشخصية مصداقية وعمقاً لا تُتيحهما قراءة السيناريو وحدها، فأسهم في رسم لوحة سينمائية تعكس تناقضات المجتمع المغربي بحساسية بصرية نادرة.

تستند قوة أداء ميكري في فيلم “علي ربيعة والآخرون” للمخرج أحمد بولان إلى حساسيته الاستثنائية في التعامل مع الديناميكيات العائلية والعلاقات الإنسانية المتشعّبة. فقد استطاع أن يُترجم الصراعات الداخلية للشخصية من خلال تفاصيل أدائية دقيقة، جاعلا من الصمت حوارا ومن النظرة خطابا، وهو ما جعل دوره في هذا الفيلم علامة فارقة في مسيرته ومرجعا نقديا في دراسات الأداء التمثيلي المغربي.

ويبرز فيلم “جوق العميين” للمخرج محمد مفتكر التجربة التي بلغ فيها ميكري الحدَّ الأقصى من الاندماج بين دوره التمثيلي وموهبته الموسيقية، إذ أدّى دور رئيس الجوقة الموسيقية بطريقة حوّلت الموسيقى من عنصر تصويري إلى محرّك درامي حقيقي. وقد أسهمت هذه الثنائية الإبداعية في منح الفيلم بُعدا إنسانيا غنياً يُعبّر عن طموحات الفنان ومكابداته في مواجهة قسوة الواقع الاجتماعي.

ويكشف فيلم “كان يا ما كان” للمخرج سعيد الناصيري عن بُعد آخر من أبعاد إبداع ميكري، هو قدرته على الإسهام في صياغة الهوية الصوتية للعمل من خلال توليه تأليف الموسيقى التصويرية، إلى جانب دوره التمثيلي. وقد أكسب هذا التراصف بين التأليف والتمثيل الفيلمَ طابعاً شعبياً أصيلاً يُوازن بين استحضار التراث الموسيقي المغربي ومتطلبات الكتابة الدرامية الحديثة.

وتشكّل ثنائية الموسيقى والصورة العمودَ الفقري لتجربة يونس ميكري الإبداعية. فعلى عكس كثير من الممثلين الذين يعاملون الموسيقى التصويرية باعتبارها معطىً خارجياً لا يعنيهم مباشرة، يرى ميكري في هذه الثنائية لغة فنية واحدة تعبّر عن الإنسانية بكل أبعادها. وهذا ما يُضفي على أدواره السينمائية إيقاعاً داخلياً فريداً يجعل حضوره على الشاشة أشبه بعزف منفرد في سياق سيمفوني أكبر.

ولا يقتصر هذا التكامل على المستوى الأدائي، وإنما يمتد إلى مشاركة ميكري الفعلية في تأليف الموسيقى التصويرية لعدد من الأعمال التي أسهم فيها، وهو ما يجعل حضوره في العمل السينمائي ثلاثي الأبعاد: حضورا جسديا تمثيليا، وحضورا صوتيا موسيقيا، وحضورا إبداعيا في التأليف يُشكّل البنية الإيقاعية للعمل ككل.

ويشكّل تكريم مهرجان خريبكة ليونس ميكري فرصة لإعادة التفكير في علاقة السينما المغربية بسياقها الأفريقي الأوسع. فميكري، بتجذّره في الموروث الثقافي المغربي وانفتاحه الواعي على التجارب الأفريقية المتنوعة، يُجسّد نموذجا حيا للفنان الذي يُحوّل الانتماء المحلي إلى رافد للتواصل القاري لا إلى سياج يحول دون هذا التواصل.

ويكتسب هذا البُعد أهمية مضاعفة في سياق العولمة الثقافية الراهنة، حينما تواجه السينمات الوطنية ضغوطاً متزايدة نحو التجانس والاستنساخ. إذ يُقدّم ميكري، بأسلوبه الفريد وهويته الإبداعية الراسخة، مثالاً على أن الأصالة الثقافية ليست هي شرط إمكانه وضمانة استمراريته.

تكريم

ويجسّد تكريم يونس ميكري في الدورة السادسة والعشرين من مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة أكثر من مجرد احتفاء بمسيرة فنية غنية، إنه أيضا تأكيد لقيمة النموذج الإبداعي الذي يمثّله: فنان يرفض الحدود الفاصلة بين أشكال التعبير الفني، ويتخذ من ثنائية الموسيقى والصورة لغةً شاملة للتعبير عن الإنسان في تناقضاته وطموحاته ومخاوفه.

وبينما تستمر السينما المغربية والأفريقية في البحث عن هويتها في زمن التحولات المتسارعة، يبقى يونس ميكري مرجعاً أساسياً وشاهداً حياً على أن الجمع بين الأصالة والإبداع ليس نقيضاً للانفتاح، وإنما هو طريقه الحقيقي. ويُفتح هذا التكريم في ذلك الباب أمام دراسات نقدية مستقبلية تتناول بالتعمّق والتحليل مجمل مسيرة فنان استحق، عن جدارة، أن يكون صوت الموسيقى وروح السينما الأفريقية.

واحتضن المجمع الحضاري محمد السادس في مدينة خريبكة، ليلة السبت الثلاثين من مايو، حفلَ افتتاح النسخة السادسة والعشرين من المهرجان الدولي للأفلام الأفريقية، المُقام تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، في مشهد ثقافي وإبداعي أعاد للمدينة مكانتها بوصفها من أبرز الحواضر الرمزية في خريطة السينما الأفريقية، حيث انطلقت الفعاليات في أجواء بهيجة ومتميزة جمعت شخصيات رسمية ومدنية وعسكرية، وفاعلين سينمائيين وثقافيين ودبلوماسيين من المغرب ودول أفريقية شتى، فيما تكتسب هذه النسخة دلالة استثنائية نظراً لتزامنها مع إتمام تسعة وأربعين عاماً على تأسيس المهرجان سنة 1977، وهذا يجعل منه سجلاً سينمائياً أفريقياً متجدداً وجسراً حضارياً يصل المغرب بامتداده الأفريقي، فضلاً عن محطات تكريمية أضاءت مسيرات إبداعية لامعة، في مقدمتها تكريم ميكري، والمخرج والمنتج الكاميروني باسيك با كوبيو تقديراً لعطاءاته في خدمة الفيلم الأفريقي وتعزيز حضوره على الصعيدين القاري والعالمي.

ويواصل المهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة، الممتد حتى السادس من يونيو المقبل، أداء دوره الحضاري بوصفه فضاءً للقاء والتواصل والانفتاح ومنبراً للتعريف بتجارب سينمائية أفريقية متعددة، وتنفرد دورة هذا العام باختيار جمهورية الكونغو الديمقراطية ضيفةَ شرف احتفاءً بتجربتها السينمائية الغنية بتنوعها وعمقها الخلاق، كما تتضمن برمجتها مسابقتين رسميتين للأفلام الطويلة والقصيرة، وورشا تدريبية وملتقيات فكرية ولقاءات مهنية ومعرضاً للمؤلفات السينمائية وأنشطة موجهة للأطفال والناشئة.

ويسعى المهرجان إلى ترسيخ ثقافة الصورة وإعداد أجيال قادمة مؤهلة لاستيعاب السينما باعتبارها لغة إنسانية وتربوية وجمالية، بينما تحضر السينما المغربية في المسابقات الرسمية والبرامج الموازية، لتتحول خريبكة طوال أيام المهرجان إلى عاصمة للسينما الأفريقية تحتفي بالصورة والكلمة والإنسان، مؤكدةً بعد ما يقارب نصف قرن من الديمومة أن هذا الملتقى لا يزال قادراً على التجدد والذود عن صورة أفريقيا المبتكرة المنشدّة نحو الأفق.

9