"تسخسيخة" مرآة جريئة لمعاناة المرأة المغربية وتحدياتها اليومية

الفيلم يفتح الباب أمام نقاش مجتمعي أوسع حول خطورة المخدرات وانتشار الجريمة المنظمة وتأثيرها المدمر على الأسر المغربية.
الأربعاء 2026/05/20
"تسخسيخة" يضاف إلى تجربة مخرج مهتم بقضايا وطنية

عُرض الفيلم السينمائي “تسخسيخة” للمخرج والممثل المغربي سعيد الناصري في عرض أولي خاص مساء الاثنين الماضي بقاعة ميغاراما كازابلانكا، وسط حضور لافت من النقاد والإعلاميين والجمهور الذي تفاعل مع العمل بقوة، في ليلة احتفت بالسينما المغربية وأثارت الكثير من النقاشات حول قضايا المجتمع التي يطرحها الفيلم بجرأة وصدق فني.

أكد الناصري أن فيلم “تسخسيخة” يمثل نقلة نوعية في مسيرته الإبداعية لأنه يجمع بين التشويق السينمائي والكوميديا الاجتماعية الذكية والدراما الإنسانية العميقة التي تبرز واقع المواطن المغربي بكل تناقضاته والصعوبات التي يواجهها يوميا، مشيرا إلى أنه أراد أن يقدم للجمهور تجربة سينمائية متكاملة لا تكتفي بالترفيه وإنما تدفعه للتفكير في قضايا مجتمعه بطريقة غير مباشرة ومؤثرة.

وأوضح أنه اختار قصة امرأة تواجه الحياة وحدها بعد فقدان زوجها في ظروف غامضة ليبني عليها حبكة مشوقة تجعل البطلة “راضية” تدخل في دوامة معقدة من شبكات الكوكايين والجريمة المنظمة، ثم تتعرض لأكبر مأساتها باختطاف ابنها وطلب فدية مالية ضخمة إضافة إلى كميات كبيرة من المخدرات، في تصوير واقعي يحاكي معاناة شريحة واسعة من النساء المغربيات اللواتي يتحملن أعباء ثقيلة.

وشدد الناصري على أن الفيلم يحمل رسالة إنسانية قوية تبرز قوة المرأة المغربية وصمودها أمام التحديات والمخاطر، مع الحرص على إدخال لمسات كوميدية خفيفة ومطاردات مثيرة ومفاجآت متتالية تجعل المتفرج يعيش حالة من التوتر والضحك في الوقت نفسه، وهذا يجعل “تسخسيخة” عملا متوازنا يحترم ذكاء الجمهور المغربي ويلبي رغبته في سينما هادفة ومسلية.

الناصري يشدد على أن الهدف من "الشلاهبية" لم يكن الإضحاك فقط، بل تقديم عمل يفتح النقاش حول الفساد وسوء التدبير

وأبرز المخرج المغربي أن تصوير الفيلم تم بالكامل في الدار البيضاء وضواحيها، في أماكن حقيقية تبرز التنوع الاجتماعي والمعماري للمدينة، وأنه استفاد من طاقم فني متميز جمع بين خبرة النجوم ومواهب الوجوه الجديدة، مشيدا بأداء حنان الإبراهيمي الاستثنائي في دور البطلة ومساهمات زكريا عاطفي وجواد العلمي وأمين بنجلون وكل الممثلين الذين أضافوا عمقا وصدقا للشخصيات.

وكشف الناصري أن الفيلم من إنتاج خاص لمصطفى الربادي الذي آمن بالمشروع منذ البداية رغم غياب الدعم الرسمي من المركز السينمائي المغربي، مؤكدا أن هذا الإنتاج المستقل منحه حرية كاملة في اختيار المواضيع الحساسة وطريقة معالجتها دون أي رقابة أو توجيه، وهو ما يبين تحديات وفرص الإنتاج الخاص في السينما المغربية المعاصرة.

وأشار إلى أن الفيلم يفتح الباب أمام نقاش مجتمعي أوسع حول خطورة المخدرات وانتشار شبكات الجريمة المنظمة وتأثيرها المدمر على الأسر المغربية، معتبرا أن الفن يجب أن يكون أداة للتوعية وليس وسيلة للترفيه، وأنه يأمل أن يساهم الفيلم في لفت انتباه المسؤولين والمجتمع لهذه الظواهر الخطيرة.

وانتهى الناصري مؤخرا من عرض فيلم آخر بعنوان “الشلاهبية” الذي يجمع فيه بين الكتابة والإخراج والبطولة، وقد أشار إلى أن هذا الفيلم يتناول الانتخابات والوعود الفارغة والاستغلال السياسي لجهل وفقر المواطنين بأسلوب ساخر وتهكمي عميق يجمع بين الضحك والمرارة.

ويراهن الناصري على فيلم “تسخسيخة” لاستعادة التوازن إلى مساره السينمائي بعد تجربة “الشلاهبية”، خصوصا أن موضوعه ارتبط بقضايا سياسية واجتماعية تلامس اهتمامات المواطن المغربي، غير أن الفيلم لم يتمكن من الحفاظ على حضوره طويلا داخل شباك التذاكر.

ويبرز الطابع السياسي والاجتماعي الذي سعى الناصري إلى تقديمه في “الشلاهبية” مجددا حجم التحديات التي تعترض السينما المغربية داخل القاعات، في ظل تراجع الإقبال على الإنتاجات المحلية، إلى جانب التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية على عادات المشاهدة لدى الجمهور.

وعمد الناصري، في محاولة للتحرر من النموذج التقليدي لتوزيع الأفلام، بعد فترة قصيرة من عرض “الشلاهبية” بالصالات، إلى توفيره عبر منصة يوتيوب بنظام “الدفع مقابل المشاهدة”، وهي خطوة اعتبرها كثيرون تجربة غير مألوفة داخل السوق المغربية، خاصة أنها استهدفت بلوغ جمهور المدن والمناطق التي تفتقر إلى قاعات سينمائية.

وتواجه هذه المبادرة واقعا مغايرا، بعدما أبانت التجربة محدودية تفاعل الجمهور المغربي مع الأداء مقابل المحتوى الرقمي، في ظل ارتباط المشاهد المحلي بمنصات اعتاد استخدامها بشكل مجاني. ولم يفلح الناصري في استمالة المتلقي لأداء مبلغ مالي لمتابعة الفيلم على يوتيوب، ما أدى إلى تعثر التجربة بسرعة رغم الضجة التي صاحبت إطلاقها.

◄ أعمال سعيد الناصري تتميز بطابع كوميدي بحت يعتمد على المفارقات اليومية والشخصيات الشعبية المغربية الأصيلة

وأمام تراجع نسب المشاهدة المدفوعة اضطر الناصري إلى إتاحة “الشلاهبية” مجانا على المنصة نفسها، ليحصد الفيلم أكثر من 5 ملايين و800 ألف مشاهدة منذ طرحه في يناير 2026، وهو رقم عكس حجم الفضول الجماهيري تجاه العمل، لكنه أظهر في المقابل استمرار إحجام شريحة واسعة من المغاربة عن فكرة الدفع مقابل المحتوى الرقمي.

ويستعرض “الشلاهبية” قصة شخصيات انتهازية تستغل مواقع النفوذ لخدمة مصالحها الخاصة والتلاعب بالصفقات العمومية ونهب المال العام، حيث سعى الناصري من خلال العمل إلى تقديم قراءة ساخرة للواقع السياسي والاجتماعي، معتبرا أن ما يقع في الفيلم يبقى أقل حدة مما يجري في الواقع الحقيقي.

ويحرص صاحب العمل على تمرير رسائل مرتبطة بتدبير الشأن المحلي والوعود الانتخابية التي يطلقها بعض المرشحين خلال الحملات السياسية، عبر معالجة تمزج بين الكوميديا والنقد المباشر، في محاولة لتحويل الفيلم من مجرد مادة ترفيهية إلى فضاء للتفكير في عدد من القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للمغاربة.

ويشدد الناصري على أن الهدف من “الشلاهبية” لم يكن الإضحاك فقط، بل تقديم عمل يفتح النقاش حول الفساد وسوء التدبير، مع الدعوة إلى تكريس ثقافة الوعي في اختيار المنتخبين وعدم الانسياق وراء شراء الأصوات والشعارات الانتخابية المؤقتة.

وتدور أحداث “تسخسيخة” حول امرأة تدعى راضية تجد نفسها أمام صدمة اختفاء زوجها في ظروف غامضة، لتلجأ إلى شقيقها قصد مساعدتها على تجاوز الأزمة، غير أن الأمور تأخذ منحى أكثر خطورة بعد تورطهما وسط شبكة مرتبطة بمافيات الكوكايين.

وتتفاقم التطورات بعد تعرض ابن راضية للاختطاف، حيث يشترط الخاطفون تسليم مبالغ مالية وكميات من المخدرات التي سُرقت منهم، ما يفتح الباب أمام سلسلة من المطاردات والصراعات والمؤامرات في قالب يجمع بين السخرية والإثارة.

وسعيد الناصري ممثل ومخرج وكاتب سيناريو مغربي بارز، ولد في مدينة الدار البيضاء يُعتبر من أبرز الوجوه الكوميدية في السينما المغربية المعاصرة، حيث بدأ مشواره الفني في أواخر الثمانينات وبدايات التسعينات، وظهر بشكل رسمي ولافت عام 1998. اشتهر بقدرته الفائقة على بناء المواقف الكوميدية الطريفة والمضحكة، مع لمسة إنسانية تجعل الجمهور يتعاطف مع شخصياته. يجمع أسلوبه بين الفكاهة الساخرة والنقد الاجتماعي الخفيف، مما ساعده على كسب قلوب ملايين المشاهدين المغاربة والعرب، وجعله واحدا من النجوم القلائل الذين يحققون نجاحا تجاريا كبيرا في السينما المغربية.

وشارك الناصري في العديد من الأفلام والسيتكومات التلفزيونية الناجحة، وغالبا ما كان بطلا رئيسيا ومشاركا في كتابة السيناريو أو الإخراج. من أشهر أفلامه التي حققت شعبية واسعة: “الباندية”، “لعب مع الذئاب”، “عبدو عند الموحدين”، “الخطاف”، “مروكي في باريس”، و”سارة”.

تتميز أعماله بطابع كوميدي بحت يعتمد على المفارقات اليومية والشخصيات الشعبية المغربية الأصيلة، مما جعله رمزا للفن الكوميدي المغربي الذي يجمع بين الترفيه والتعبير عن قضايا المجتمع بطريقة مرحة. ويظل الناصري حتى اليوم من الفنانين الذين يحظون بمتابعة كبيرة، ويُنتظر كل عمل جديد له بفارغ الصبر من قبل جمهوره الوفي.

9