ترامب يختار فن أميركا
قد تبدو إزالة لوحة من جدار أي سفارة حدثاً صغيراً لا يستحق ضجة كبيرة، فالأعمال الفنية تُنقل وتُستبدل باستمرار. لكن ما حدث أخيراً في السفارة الأميركية بجمهورية الدومينيكان حمل معنى مختلفاً، ودق ناقوس خطر لا مهرب من التوقف عنده.
أُزيلت لوحة للفنان الأميركي خيهيندي وايلي، وكانت الحكومة الأميركية نفسها قد كلفته بإنجازها عام 2013 ضمن برنامج «الفن في السفارات». وقبل إنزالها، غُطيت بصورة للعلم الأميركي. ثم خرج الحديث من السفارة إلى الصحافة، ووُصفت اللوحة بأنها شديدة الارتباط بثقافة «الووك»، وظهر احتمال ألا تُنقل إلى مخزن أو سفارة أخرى، وإنما أن تُباع.
هذه الحكاية تصبح أكثر غرابة عندما نعرف أن وزارة الخارجية الأميركية نفسها كرّمت وايلي عام 2015، ومنحته ميدالية تقديراً لإسهامه في الدبلوماسية الثقافية. أي أن المؤسسة التي احتفت بالفنان رسمياً وعرضت عمله ووصفته كوجه من وجوه الفن الأميركي، أصبحت بعد سنوات ترى أن اللوحة لم تعد تناسب الصورة التي تريد تقديمها عن أميركا.
المسألة هنا لا تتعلق بجمال اللوحة أو قبحها، ولا بما إذا كنا نحب أعمال وايلي أو نرفضها. ما نحاول مناقشته وفهمه هو اللحظة التي تدخل فيها السياسة إلى جدار السفارة، وتقرر أي عمل فني يجب أن يبقى معلقاً ومعروضاً، وأي عمل أصبح غير لائق، وليس أميركياً أو وطنياً، ولذلك يجب أن يُنزل.
ومن هنا تبدأ أسئلة شائكة: السفارة تمثل دولة، ولكن هل يجب أن يمثل الفن الموجود داخلها الحكومة الموجودة في السلطة حالياً؟ وعندما يأتي رئيس جديد، هل يحق لإدارته أن تعيد اختيار نوع الفن الذي يمثل أميركا، وتلغي أنواعاً أخرى؟ وماذا سيحدث للأعمال التي لم تعد تنسجم مع رؤية الرئيس ترامب؟
الأكثر إثارة أن هذه القضية قد لا تتوقف عند لوحة وايلي، فهناك حديث عن مراجعة شاملة ربما لكل الأعمال الأخرى داخل السفارات الأميركية حول العالم. وربما نكون أمام بداية تغيير أوسع سيجعلنا نسأل سؤالاً بسيطاً وصعباً: من يختار الفن الذي يمثل بلداً كاملاً، ومن يمتلك حق إبعاده عندما تتغير السياسة؟
ما الذي كان معلقاً على جدار السفارة؟
قبل أن نذهب بعيداً في النقاش، من المهم أن نعرف ما هذه اللوحة، لأن بعض الأخبار التي نُشرت بالعربية خلطت بينها وبين لوحة أخرى للفنان نفسه، وقيل إنها تصور الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، أو إنها أزيلت لأنها قدمته بصورة قبيحة. وهذا غير صحيح.
اللوحة التي أُزيلت تحمل عنوان «فنانون شباب بعد سياميساس 1960»، وأنجزها خيهيندي وايلي بعد تكليف من وزارة الخارجية الأميركية ضمن برنامج «الفن في السفارات». أما علاقته بأوباما فجاءت لاحقاً، عندما اختير لرسم صورته الرسمية التي عُرضت في المتحف الوطني للصور الشخصية في واشنطن عام 2018.
اللوحة الموجودة في سانتو دومينغو لا يظهر فيها أوباما، وإنما أربعة شبان دومينيكانيين وسط خلفية نباتية وزهرية كثيفة، وهي من العالم البصري المعروف في أعمال وايلي؛ شخصيات سوداء معاصرة يعطيها مكاناً كان يحتله في تاريخ الرسم الأوروبي الملوك والنبلاء وأصحاب السلطة.
لكن هذه اللوحة تحديداً تحمل علاقة بالمكان الذي عُلقت فيه. أمضى وايلي وقتاً في دراسة أعمال فنانين دومينيكانيين، هما سيليست ووس إي خيل وجيلبرتو هرنانديز أورتيغا، وعمل مع طلاب فن محليين. لذلك كان اختيارها للسفارة مفهوماً وفي صلب الدبلوماسية الثقافية؛ فنحن أمام فنان أميركي أسود معروف يدخل في حوار مع تاريخ الفن الدومينيكاني، ثم تُعرض النتيجة في السفارة الأميركية لتعبّر عن رؤية للتعدد وحوار الثقافات.
لهذا استغربت فرجينيا شور، التي كانت مسؤولة عن الاقتناء والقيّمة في برنامج «الفن في السفارات» وكلفت وايلي بالعمل، واعترضت على وصف اللوحة بأنها «ووك".
وقالت إن البرنامج كان يقوم على بناء الثقة والتعاطف عبر الحدود، وأشارت إلى أن هذا التوجه لم يكن مشروع حزب سياسي واحد، فقد حظي البرنامج بالدعم والتمويل في عهد إدارات جمهورية وديمقراطية.
صحيفة «واشنطن بوست» ذهبت أبعد من نقل الخبر. ورأى الناقد فيليب كينيكوت أن العمل الذي أُزيل في حد ذاته هادئ وغير هجومي، وأن اختيار وايلي قد يكون بداية طريقة جديدة في التعامل السياسي مع الفنانين.
أما «نيويورك تايمز» فتوقفت عند مفارقة يصعب تجاهلها، وهي أن الحكومة التي تريد اليوم معرفة إن كان بإمكانها بيع اللوحة هي نفسها التي طلبتها، ودفعت ثمنها من المال العام، ثم كرمت صاحبها عام 2015 لمساهمته في الدبلوماسية الثقافية.
ومن ناحية أخرى، فإن الإدارة الحالية تقول إن لها حجتها أيضاً. فالسفيرة ليا كامبوس قالت إنها تريد أن يعكس كل ما تقدمه السفارة جمال الولايات المتحدة وقوتها والتزامها بالحرية، وإنها تبتعد عن الأفكار «العولمية والووك» وتتجه إلى الوطنية الأميركية.
ووزارة الخارجية لم تحصر موقفها في هذه اللوحة، وإنما أعادت التذكير بتصريحات سابقة مثيرة للجدل لوايلي، وباتهامات اعتداء جنسي موجهة إليه، وهو ينفيها. وهنا تتعقد القضية أكثر: فهل نحاكم العمل المعلق على الجدار بما نراه فيه، أم نحاكم الفنان أيضاً بما قاله وما اتُّهم به في حياته؟
السياسة وتغيير الفن
وحتى الآن لم تبدأ احتجاجات واسعة ومنظمة من الفنانين الأميركيين بسبب هذه اللوحة تحديداً، كما لم يقدم وايلي نفسه رداً علنياً واضحاً في التغطيات التي تناولت القضية.
لكن القلق بدأ ينتقل إلى سؤال أكبر وأكثر خطورة، خصوصاً مع ظهور معلومات عن احتمال مراجعة أعمال أخرى في السفارات. وذكرت فانيتي فير أن أعمالاً لفنانين مثل إيمي شيرالد وجيفري غيبسون قد تصبح موضع تدقيق أيضاً.
وهذا يعني أن القضية قد لا تبقى خلافاً مع فنان واحد، وقد تشمل فنانين سوداً أو ملونين أو فنانين يعارضون الرئيس ترامب.
وربما لهذا تستحق الحادثة أن نتابعها دون الانحياز السريع إلى هذا الطرف أو ذاك. فالرئيس دونالد ترامب جعل الأسماء والرموز والهوية الوطنية الأميركية جزءاً ظاهراً من سياسته الثقافية، ووصل الأمر إلى وضع اسمه على واجهة مركز كينيدي للفنون، لكن القضاء أمر مؤخراً بإزالته. كما وُضع اسمه على مقر المعهد الأميركي للسلام، وظهرت محاولات ومقترحات أخرى لإطلاق اسمه على أماكن ومؤسسات عامة. والآن يصل هذا الصراع حول الاسم والرمز والهوية إلى اللوحات المعلقة على جدران السفارات الأميركية.
لكن تغيير اسم مكان أو مؤسسة بقرار سياسي يختلف كثيراً عن تغيير تاريخ الفن. فالفن التشكيلي الأميركي لم تصنعه إدارة واحدة ولا اللون الأبيض، وتاريخه يمتد إلى ما قبل قيام الولايات المتحدة نفسها. وبقراءة سريعة للتاريخ الفني الأميركي، وعبر قرنين ونصف من التحولات والصراعات والتجارب، سنجد أنه انتقل من الصورة التقليدية والمناظر الطبيعية إلى الواقعية والتجريد والتعبيرية وفن السود والمهاجرين والنساء، وعشرات الاتجاهات التي اختلف أصحابها حول معنى أميركا نفسها.
وهنا يكبر السؤال ويصبح أكثر صعوبة: يستطيع الرئيس تغيير ما يُعرض على جدار سفارة خلال سنوات حكمه المتبقية، ولكن هل يستطيع ترويض الفن الأميركي نفسه؟
وربما تكشف لنا الشهور القادمة إن كانت لوحة وايلي حادثة منفردة ستنتهي، أم أنها كانت أول لوحة أُنزلت من جدار، وأن مئات اللوحات التي قد لا يحبها الرئيس أو لا يفهمها قد يأتي دورها في الإزالة.