ترامب بين نقمة العالم ورجاء فلسطين
يظل دونالد ترامب واحدة من أكثر الشخصيات جدلًا في التاريخ السياسي الحديث. فبينما يراه البعض أسوأ رئيس مرَّ على الولايات المتحدة، يرى آخرون فيه من كشف زيف النظام الدولي وهشاشته. هذه المعضلة في التقييم تعكس أزمة أعمق في فهمنا للسياسة الدولية، حيث تتداخل الأفعال بالنتائج، وتختلط النوايا بالتداعيات.
يقول المنتقدون إن ترامب لم يكن رئيسًا عاديًا، بل كان “مدمّرًا” للنظام الدولي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية. فوفقًا لتقرير مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026، الذي وصف ترامب بأنه “الشخصية الأقوى التي تتحدى القواعد والمؤسسات القائمة”، فإن سياساته “تهدد بتفكيك التحالفات والأعراف الراسخة”. ويحذر التقرير من أنه “بعد أكثر من 80 عامًا على بدء البناء، بات النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بعد عام 1945 معرّضًا للانهيار”.
لم يقتصر الأمر على التهديدات النظرية، بل ترجم ترامب رؤيته إلى أفعال. فقد انسحب من معاهدات دولية، وفرض تعريفات جمركية عقابية على الحلفاء، وهدد بالاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، حليفته في الناتو. وفي الداخل، استهدف المؤسسات الفيدرالية والإعلام والصحة العامة، محاولًا إخضاع الجميع لرؤيته. أما في الشؤون الخارجية، فقد انخرط في حروب تجارية لا يعلم أحد متى ستنتهي، مهددًا بفرض رسوم جمركية على عشرات الدول. كما خلّفت هذه السياسات تداعيات اقتصادية ملموسة، حيث كلّفت التعريفات الجمركية الأسرة الأميركية المتوسطة 1700 دولار في عام 2025 وحده، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود. واللافت أن كثيرًا من أنصاره السابقين تحولوا ضده بسبب تناقض وعوده، فالرجل الذي وعد بالسلام وجد نفسه منخرطًا في حروب جديدة.
ترامب بين نقمة العالم ورجاء فلسطين شخصية تكشف تناقضات النظام الدولي بين من يراه مدمّرًا للتحالفات ومن يعتبره كاشفًا لزيف العولمة وهيمنة الغرب
لكن المدافعين عن ترامب يروون القصة من زاوية مختلفة تمامًا. ففي نظرهم، لم يكن ترامب مدمّرًا للنظام الدولي بقدر ما كان كاشفًا لحقيقته. ذلك أن النظام الذي قامت عليه العولمة وهيمنة الغرب لم يكن يومًا نظامًا عادلًا، بل كان أداة لفرض نموذج غربي واحد على العالم بأسره. وجاء ترامب ليهدم “المفاهيم الكلاسيكية للهيمنة الغربية” رافعًا شعار “أميركا أولًا”.
ويرى هؤلاء أن ترامب أدى خدمة جليلة للنظام الدولي بكشفه مدى النفاق الذي كان يعتريه. لقد أظهر أن المؤسسات الدولية التي يدّعي الغرب التمسك بها ليست أكثر من ستار تخفي خلفه المصالح الضيقة للقوى الكبرى. والأكثر من ذلك، أن سياسات ترامب كشفت هشاشة المنظومة الدولية التي لم تعد صالحة لحل أي مشكلة في هذا العالم، كما يقرر بذلك مؤتمر ميونخ للأمن نفسه حين يشير إلى “شعور متزايد بالعجز واليأس على المستويين الفردي والجماعي”.
بل إن بعض المحللين يرون أن ترامب ليس سبب الأزمة بقدر ما هو عرض لها. فهو، كما يرى باحثو معهد بروكينغز، “قد يكون الصورة الرمزية وصاعق العصر، لكنه عرض وليس سببًا”. فهناك قوى أخرى تعمل على تآكل النظام القائم، من روسيا التي تريد عالمًا ثلاثي الأقطاب، إلى الصين التي تسعى إلى نظام عالمي “بخصائص صينية”، إلى الهند والبرازيل اللتين تطمحان إلى أن تكونا قطبين في عالم متعدد الأقطاب.
غير أن هذا الجدل العالمي حول “الهدم” و”الكشف” يأخذ منعطفًا مختلفًا تمامًا عندما نضيّقه على الجغرافيا الفلسطينية وبقراءة مختلفة من داخل المعاناة. فما يهمني أنا هنا، بوصفي فلسطينيًا، ليس بقاء النظام الدولي أو انهياره، ولا حتى ما إذا كان ترامب قد هدم تحالفات أو أبقاها، بل ما فعله أو ما يمكن أن يفعله تحديدًا لحل القضية الفلسطينية، تلك القضية التي ظلت رهينة للانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل لعقود طويلة.
من وجهة نظري، قد يكون ترامب الرئيس الأميركي الأكثر قدرة على كسر الجمود، ليس لأنه يتبع الدبلوماسية التقليدية أو يحترم أعرافها، بل لأن شخصيته الاستثنائية وغير المتوقعة قد تكون وحدها القادرة على فرض وقائع جديدة، تقلب الطاولة على كل الثوابت السابقة التي رسختها إدارات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء. فبعد عقود من الانحياز الكامل لإسرائيل، نرى اليوم تحولًا كبيرًا وعميقًا في الموقف الأميركي، يجعل الأمور تتحرك نحو أفق مختلف؛ أفق نرى فيه تغير الرأي العام الأمريكي كحقيقة ماثلة أمام أعيننا، وهذا يعيدنا بالذاكرة إلى ما حدث إبان نظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا، حيث ظل العالم عاجزًا عن إحداث تغيير حقيقي، ولكن عندما تغير الرأي العام الأميركي، تغير معه كل شيء.
فمنذ وصول ترامب للحكم في كانون الثاني – يناير من العام الماضي، لم يكتفِ بالتصريحات، بل انخرط في ملف المنطقة برمّته وفرض وقفًا لإطلاق النار في غزة على جميع الأطراف، في حين لم يكن أحد قادرًا على فعل ذلك منذ بداية الحرب. ورغم أن الكثيرين يرون أن وقف إطلاق النار لم يحقق تغيرًا جذريًا بعد، وأن كل شيء ما زال على حاله، فإنني أرى أن الاستعدادات والترتيبات الجارية – والتي تغيب في معظم الأحيان عن متابعي الشكل بسبب انشغالهم المفرط في انتقاد الشخصية وملاحقة تناقضاته – تبشر بالكثير.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن مسألة إنشاء قاعدة عسكرية أميركية ضخمة بالقرب من قطاع غزة، لتكون مركز قيادة للقوات المتعددة الجنسيات التي ستشارك في تنفيذ خطة ترامب، إلى جانب الحديث عن استثمار ضخم في القطاع، كلها مؤشرات لا يمكن تجاهلها؛ فهي تشير إلى وجود رغبة حقيقية في تغيير المعادلة، بل وإرادة لا تقبل التراجع. وهذا يعني أنه في المستقبل القريب، وليس البعيد، قد نشهد تغيرات ملموسة على الأرض، تضع القضية الفلسطينية في مسار مختلف تمامًا عن مسار العقود الماضية، وهو ما يجعلني، بوصفي فلسطينيًا، أنظر إلى الجدل حول ترامب من نافذة تختلف كل الاختلاف عن النوافذ العالمية التي ترى فيه فقط مهندسًا للفوضى.
سيظل ترامب ظاهرة تاريخية موضع جدل، ليس لأنه كان شريراً أو بطلاً، بل لأنه كان مرآة عكست حقيقة سياسية كان الكثيرون يفضلون تجاهلها، وربما فتح – عن قصد أو غير قصد – نافذة أمل في زنزانة قضية ظلت لعقود خلف القضبان
ولا تقف قراءتي عند هذه الاستعدادات الميدانية، بل تمتد إلى ما هو أبعد منها؛ فأحد أبرز مخرجات الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هو أن ترامب بات اليوم يمتلك نفوذًا غير مسبوق في توجيه السياسة الإسرائيلية، وهو ما تجلّى بوضوح في الملفين اللبناني والسوري، وسنراه قريبًا وبشكل أكثر حسمًا في الملف الفلسطيني.
فخطة ترامب، التي قبلتها الأطراف المعنية وصادق عليها مجلس الأمن الدولي، تنص بوضوح على عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة “بعد إصلاحها”، وهذا الأمر الذي أراه يقترب يومًا بعد يوم يعني عمليًا إعادة توحيد النظام السياسي والجغرافيا الفلسطينية، وهي خطوة شكلت على مدار ما يقرب من عشرين عامًا معضلة أساسية في طريق أي حل سياسي، حيث كانت إسرائيل والغرب المنافق – ذلك الغرب الذي كشفه ترامب – يتخذان من الانقسام ذريعة لإدامة الاحتلال وإجهاض أي مسار حقيقي نحو السلام.
وهنا أرى إن الأكثر إيلاماً للحقيقة هو أن كل الشواهد، لمن أراد أن يرى، تؤكد أن ما يحدث اليوم ليس وليد صدفة أو مجرد إجراءات تكتيكية عابرة، بل ينبع من تغير كلي وجذري في جوهر السياسة الأمريكية على كل الصعد، وفلسطين ليست استثناء من هذا التحول، بل هي في صميم قلبه ومركز اختباراته.
وهذا كله هو ما يجعلني أنظر إلى الجدل حول ترامب من نافذة تختلف كل الاختلاف عن النوافذ العالمية التي ترى فيه فقط مهندساً للفوضى. ففي نظر الفلسطيني، قد يكون هذا الانهيار للمعايير القديمة هو بالضبط ما يفتح ثغرة في جدار الجمود، ويمهد لولادة وقائع جديدة لم تكن لتتحقق في ظل “النظام الدولي” المنافق الذي طالما تغذى على دماء الفلسطينيين بصمت.
وأختم بالقول إنه ربما يكمن جوهر الجدل حول ترامب في سؤال أعمق: هل كان ترامب سبباً في هدم نظام دولي كان صالحاً، أم أنه كان مجرد مرآة عكست حقيقة نظام لم يعد صالحاً؟ الحقيقة أن كلا الرؤيتين تحملان قدراً من الصواب. ترامب كان بالفعل مدمّراً، لكنه كان أيضاً كاشفاً. لقد هدم التحالفات والمعاهدات، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة نظام دولي ظل لعقود يتغذى على النفاق وازدواجية المعايير. وبينما ينشغل العالم بتقييم أفعاله على مقياس الاستقرار العالمي، تظل فلسطين مقياساً آخر مختلفاً تماماً. فهل كان هذا الانهيار مجرد فوضى عابرة، أم كان بالفعل مفتاحاً لجمود دام عقوداً؟
ما تبقى بعد ترامب هو عالم مختلف، لم تعد فيه القواعد الدولية أمراً مسلّماً به، وأصبح السؤال عن مستقبل النظام الدولي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وبين من يرثون هدمه ومن يشكرونه على كشفه، ومن يراهن على تغيير معادلة فلسطين رغماً عن الجميع، سيظل ترامب ظاهرة تاريخية موضع جدل طويلاً، ليس لأنه كان شريراً أو بطلاً، بل لأنه كان مرآة عكست حقيقة سياسية كان الكثيرون يفضلون تجاهلها، وربما فتح – عن قصد أو غير قصد – نافذة أمل في زنزانة قضية ظلت لعقود خلف القضبان.
وحدها الأيام القادمة ستكشف إن كانت هذه النافذة ستتحول إلى باب، أم ستعود لتغلق بقوة الريح ذاتها التي فتحتها.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.