"بنات لالة منانة" عودة مثيرة للجدل وسط انتقادات بسطحية المعالجة

بين "فخ البوز" والنوستالجيا.. هل فقد الجزء الثالث من المسلسل أصالته المغربية؟
الأربعاء 2026/02/25
عودة بعد غياب

يعود مسلسل "بنات لالة منانة" في جزئه الثالث إلى أزقة شفشاون، مثقلا بضعف الحبكة والارتهان لمنطق “البوز”، حيث يسقط هذا الجزء في فخ التسليع الدرامي، إذ استبدل العمق النفسي والتدرج المنطقي بصدمات مفتعلة، وإقحام سطحي لقضايا شائكة مثل التطرف والخيانة، مما حول العمل إلى منتج تجاري يفتقر للأصالة.

يعود مسلسل “لالة منانة” في جزئه الثالث بمدينة شفشاون، حينما أصبحت بنات لالة منانة أمهات يدِرن فرقة غنائية ويسعين لحماية أبنائهن من تحديات الجيل الجديد، وفي الوقت نفسه، تكافح الأم لترميم منزل العائلة، بينما تظهر تهديدات ونزعات انتقام من حميد وعائشة.

العمل من إخراج شوقي العوفير، ويضم سيناريو وحوار من إعداد الفريق الإبداعي للمسلسل، ويشارك في بطولته كل من سامية أقريو، نورا الصقلي، السعدية لديب، السعدية أزكون، ياسين أحجام وأنس كماني.

يفتتح المسلسل بمحاولة إعادة إحياء شخصية لالة منانة كرمز للصمود الأسري، وتمسكها بدارها المستولى عليها مع تدخل الأحفاد بالتظاهر لجذب الانتباه، لكن الاعتقال الفوري للجدة والأحفاد يأتي بشكل مفاجئ وغير مبرر دراميا، يفتقر هذا المشهد إلى بناء توتر تدريجي أو إيحاء نفسي يجعل الصراع مشحونا، بينما يتحول الوضع إلى كاريكاتير سطحي يعتمد على الاعتقال كحل سهل لتطور الأحداث، ويُضعف هذا التسرع الإحساس بالواقعية ويُفقد الجمهور التعاطف المطلوب، وهذا الافتتاح يعد محاولة فاشلة لاستعادة النوستالجيا دون جهد فني حقيقي.

ويدرج العمل قضية عودة ابنة شامة من سوريا بعد ارتباطها السابق بداعش، في محاولة لاستغلال موضوع حساس لإضفاء طبقة درامية متينة على السرد، لكنه يقتصر على صراع أمومي سريع ومحاولة تهريب بدائية غير مدروسة، إذ يغيب الاستكشاف النفسي للتطرف أو العواقب الاجتماعية للانضمام إلى التنظيم، كما يبدو التعامل مع القضية استغلاليا وغير مسؤول في سياق رمضاني عائلي، لأنه يحول موضوعا خطيرا إلى مجرد أداة لإثارة الجدل دون تفكير أسري تربوي. كذلك يدرج شجار المدني مع رحيمو والاشتباه بخيانتها مع السباك ضمن مشاهد إيحائية تُعرض بصور مبالغ فيها ومكرر في سياق رمضاني محافظ، ما يجعلها تبدو كمحاولة رخيصة لإثارة الجدل أو جذب الانتباه الإعلامي.

الجزء الثالث سقط في الدراما التجارية، ويعتمد على مشاهد مثيرة للجدل وتحولات متسارعة ففقد سحر الأجزاء الأولى

ويبرز مشهد اللقاء الخفي بين بهية وزوجها كلحظة عاطفية محتملة، حينما يدخل الابن فجأة ويتفاجأ برؤية والده بعد غياب طويل، فيتحول المشهد إلى كليشيه مكرر من الدراما العائلية السطحية، يفتقر إلى خلفية نفسية محبوكة للشخصيات أو بناء عقدة درامية تستحق الانتظار، ويغدو وجود الابن مجرد وسيلة لإثارة دموع سطحية دون أي تأثير حقيقي، فتكون النتيجة فقدان الجمهور القدرة على التعاطف مع الصراع العائلي المعقد، في حين يفرض قرار الأخوات الثلاث بتشكيل فرقة غناء شعبي تحولا دراميا مفاجئا، فينتقل السرد من الإطار المنزلي إلى فضاء فني دون أي مقدمات منطقية، ويفتقر هذا التحول إلى التدرج الذي يبرر قبول لالة منانة المحافظة لهذا المسار، ما يجعل القرار يبدو مفروضا لأغراض تجديد سطحي لا لخدمة الحبكة الدرامية.

ويُعاني الإيقاع العام من تسارع مفرط يقفز بين الأحداث دون ترابط، ويفتقر السيناريو إلى تهيئة عاطفية أو درامية كافية للصراعات، فهو يعتمد على صدمات سريعة ومشاهد مثيرة للجدل بدلا من البناء، ويجعل الحلقات تبدو متلاحقة وغير مترابطة بشكل فني، فيُضعف بذلك القدرة على متابعة التطور النفسي للشخصيات، وهذا دليل ضعف في الكتابة يُفسد أي إمكانية للعمق الدرامي، فيُحول العمل إلى سلسلة من المشاهد المتناثرة دون هدف واضح.

ويُواجه العمل انتقادات من سكان شفشاون بسبب تمثيله غير الدقيق للمدينة، حيث يُقدم اللهجة والعادات الاجتماعية بشكل سطحي وغير واقعي، ويحول المكان إلى خلفية زخرفية بدلا من فضاء حي ثقافيا، ما يُظهر إهمالا للدقة الثقافية مقابل الإثارة الدرامية، ويُضعف الإحساس بالأصالة الذي كان ميزة الأجزاء الأولى، كما يُسيء إلى الهوية المحلية ويُحولها إلى مادة استهلاكية، ليُكمل صورة العمل كإنتاج يفتقر إلى الاحترام الفني والثقافي.

ويبرز الجزء الثالث سقوطا واضحا في الفخ الدرامي التجاري، حيث يعتمد على مشاهد مثيرة للجدل وتحولات متسارعة، وفقد سحر الجزأين الأولين، وهو يحول النوستالجيا إلى ذريعة، ويُسيء إلى الجمهور الرمضاني بمحتوى غير لائق وغير مدروس، ويُظهر ضعفا في الكتابة والإخراج والاحترام الثقافي، ويبقى مجرد إنتاج يبحث عن البوز بدلا من الإبداع الحقيقي، كما يُثبت أن العودة بعد سنوات طويلة قد تكون خطأ فنيا كبيرا.

في الجزء الأول من المسلسل كان الصراع الأسري مبنيا بعناية فائقة على تمرد الفتيات الأربع ضد سلطة لالة منانة المستبدة، مستوحى من “بيت برناردا ألبا” لكن بطابع مغربي أصيل. تتطور الدراما تدريجيا من خلال حوارات حادة ومواقف كوميدية ذكية تعبر عن الضغوط الاجتماعية والنفسية داخل الأسرة المحافظة، وهذا جعل الجمهور حينها يتعاطف مع كل شخصية ويشعر بالانتماء الحقيقي للعائلة، بينما في الجزء الثالث يبدأ الصراع بالاعتقال الفوري للجدة والأحفاد دون أي بناء مسبق أو تهيئة نفسية، فيتحول المشهد إلى حدث مفاجئ سطحي يعتمد على الصدمة السريعة بدلا من التطور الدرامي، وهنا يفقد العمل القدرة على خلق تعاطف مستدام ويبدو كمحاولة تجارية متعجلة تفتقر إلى الجهد الفني الذي ميز الجزء الأول، وهذا الفرق الكبير يدل على انخفاض واضح في جودة الكتابة والإخراج بعد مرور السنوات الطويلة.

ونجح الجزء الثاني في توسيع القضايا الاجتماعية مثل الطلاق والعلاقات الزوجية والضغوط المالية بطريقة متوازنة ومدروسة، حين كان النقد بناء وممزوجا بكوميديا دافئة تحترم حساسية الجمهور الرمضاني، بينما الجزء الثالث يُدرج قضية عودة ابنة شامة من تنظيم داعش بشكل سطحي للغاية يقتصر على صراع أمومي سريع ومحاولة تهريب بدائية دون أي استكشاف نفسي أو اجتماعي عميق لأسباب التطرف أو عواقبه، كل هذا يجعل التعامل يبدو استغلاليا وغير مسؤول تماما، وهذا التباين يكشف انحدارا في المستوى الأخلاقي والفني، إذ كان الجزء الثاني يحافظ على تماسك الشخصيات ويفتح نقاشا راقيا، أما الثالث فيستخدم المواضيع الحساسة كأداة رخيصة لإثارة الجدل فقط دون أي قيمة مضافة حقيقية.

وكانت كوميديا الجزء الأول ذكية جدا ومبنية على المواقف اليومية والحوارات الثقافية الأصيلة دون الحاجة إلى إيحاءات جنسية أو مشاهد فاضحة، حينما كانت الفكاهة تنبع من التناقضات الاجتماعية والشخصيات نفسها، وهذا جعلها مقبولة ومحبوبة من الجمهور المحافظ، بينما في الجزء الثالث تظهر مشاهد مثل شجار المدني مع رحيمو والاشتباه بالسباك كإيحاءات مكررة ومبالغ فيها بشكل فاضح، فتبدو وكأنها محاولة متعمدة لإثارة الجدل أو “البوز” الإعلامي بدلا من خدمة الحبكة أو تعميق الكوميديا، وهذا التحول يُفقد العمل هويته الكوميدية الأصلية ويُحوله إلى مادة تُسيء للذوق العام في شهر رمضان، ويعبر عن ضعف الإبداع الحالي مقارنة بالذكاء الثقافي الذي صنع نجاح الجزء الأول.

◄ السقوط في الفخ الدرامي التجاري

وأضحت في السنوات الأخيرة العديد من الأعمال الدرامية المغربية خصوصا تلك التي تُقدم في رمضان، لا تطمح أساسا إلى تقديم رؤية فنية متكاملة أو نقاش اجتماعي عميق، وإنما تسعى بالدرجة الأولى إلى ضمان قبولها من طرف القنوات العمومية والخاصة والجهات المانحة للدعم المالي، ولهذا الغرض يلجأ بعض الكتاب والمنتجين إلى تسليع صورة المرأة بطريقتين متعاكستين ظاهريا لكنهما تخدمان الهدف نفسه: إما تصويرها كضحية دائمة مظلومة اجتماعيا، محاصرة بالتقاليد والعنف والتهميش، فيُقدم ذلك كـ”جرأة” و”التزام اجتماعي” يرضي الجهات الداعمة التي تبحث عن أعمال “توعوية”، أو تصويرها كامرأة ناجحة مستقلة تماماً، قوية، متمردة، وغالبا ما يكون الرجال في محيطها أشراراً جاهلين أو عنيفين أو فاسدين أخلاقياً، فيُباع هذا النموذج كـ”تمكين” و”حداثة” يتوافق مع خطابات التمويل الدولي والمحلي المهتمة بقضايا النوع.

في كلا الحالتين تتحول المرأة إلى أداة تسويقية درامية: إما لإثارة الشفقة والجدل الاجتماعي الذي يضمن المشاهدة، أو لإرضاء أجندات معينة تبحث عن تمثيل “إيجابي” سطحي يمكن تسويقه بسهولة، دون أن يقدم في معظم الأحيان نموذجا معقدا حقيقيا للمرأة المغربية بتضارباتها وتناقضاتها وواقعها المعيش.

ونتيجة هذا التسليع تفقد الدراما مصداقيتها الفنية وتصبح مجرد منتج يُصمم ليتناسب مع شروط التمويل والرقابة المسبقة، حين يُقاس نجاح العمل بعدد المشاهدات والجدل الإعلامي لا بعمق الرؤية أو احترام الجمهور، وهو ما يفسر انتشار هذه الصيغ المكررة (المرأة الضحية أو المرأة السوبر في مواجهة رجال الشر) في أغلب الأعمال الرمضانية الحديثة، بما في ذلك بعض خطوط الجزء الثالث من “بنات لالة منانة” التي تبدو وكأنها تتبع ذات الوصفة التجارية المعتمدة.

9