باراجانوف الملاك المنبوذ.. في مرايا سبعة وعشرين كاتبا عربيا

سينما براجانوف لامست في عمقها الانفعالي الجوهر كما فكّكت العلاقات الاعتيادية بين فكرة الدال والمدلول متخطية المألوف
الجمعة 2025/11/14
باراجانوف أحد أكثر المخرجين إثارة للذهول والأسئلة

يكمن التفرّد البصري في سينما سرجي  باراجانوف في قدرته على صياغة ما يمكن تسميته بالسينما الكليّة، تلك السينما التي تستدعي من ذاكرة الفن الإنساني أعمق رموزه وأشكاله، وتعيد توظيفها في خطاب بصري يتقاطع فيه التشكيلي بالمسرحي، والموسيقي بالطقسي، والشعري بالأسطوري.

من هنا، اعتبر تحليل عوالم باراجانوف البصرية السينمائية لا ينفصل عن دراسة علاقته بالفنون الأخرى الثرية المتنوّعة بشكل شامل متكامل مندمج، ولا ينفصل كذلك عن فهمه للسينما بوصفها حدثاً جمالياً مركّباً ينهض على التوليف بين الرؤية البصرية والخيال الميثولوجي والثقافة الإنسانية، في مواجهة سلطة النمط والرقابة والاملاء.

الملاك المنبوذ

هكذا اختار الكاتب العراقي محمود هدايت أن يحمل باراجانوف على محمل الكتابة والبحث عن تفاصيل الجمال وأثره في الفنون من خلال تجربة السينمائي المختلف باراجانوف، حيث نسّق طيلة سنتين ليجمع أقلاما عربية شغوفة في مجالات فنية نقدية متعدّدة على طاولة البحث والتمعّن في التجربة وفي تأثيراتها البصرية الفنية الفلسفية في مقالات كتبت براجانوف وقدّمته من الفن وإليه، ليكون ذلك الملاك المنبوذ في السينما، ذلك العبقري بجنونه الثاقب داخل رؤاه الجمالية وفلسفته البصرية في الفنون في الثقافات.

هذه الوليمة الكتابية البحثية صدرت مؤخّرا في طبعتها الأولى بعنوان "سينما باراجانوف الملاك المنبوذ" عن دار أهوار العراقية للنشر والتوزيع، من إشراف وتنسيق وتقديم الكاتب العراقي محمود هدايت، بمشاركة سبعة وعشرين كاتبا من الوطن العربي، يأتي الكتاب في 336 صفحة بتصميم غلاف أبدعه التشكيلي العراقي كريم سعدون وصمّمه الدكتور فلاح الخطاط.

يُعتبر سيرجي باراجانوف (1924–1990) أحد أكثر المخرجين إثارة للذهول والأسئلة في تاريخ السينما العالمية، ليس فقط لرؤيته الجمالية الغرائبية وتعمّقه الحسيّ والنفسي في الإنسان وتجذّره في أرضه، بل لأن أعماله تمثل نصوصًا مفتوحة قابلة للتفكيك والتأويل المتعدد وتؤمن بقيمة الفعل الجمالي النابع في الذات المتنوّعة.
فقد ملك جرأة الرؤية وطوّع العين التي ثبّتت الذاكرة بالاندفاع بها نحو الآلام والشغف، نحو سينما تجاوزت السرد الواقعي للأحداث المعاشة، نحو امتلاك عالم رمزي، بصري كانت له القدرة على محاورة الأسطورة والتاريخ، مكّنته من تحويل الفيلم من حكاية إلى قصيدة بصرية كتبها بالضوء واللون والحركة بالكولاج بالغرابة بالصراخ بالصمت بالحركة وبالسكون في كادرات عجائبية دمجت الخيال بالمجاز.

يكتب هدايت "في عمقها الانفعالي لامست سينما براجانوف الجوهر كما فكّكت العلاقات الاعتيادية بين فكرة الدال والمدلول من حيث البحث عن المعاني أو المقاصد فالصورة لا تشير إلى معنى محدّد موجّه بل تمضي أبعد نحو علامات لها معانيها المتنوعة وذاكراتها المختلفة كما حصل داخل فيلمه الأشهر لون الرمان، لا نجد قصة لها منحاها التصعيدي في فكرة الفيلم بل نجد حكاية الشاعر سايات نوفا وقد تبعثرت مثل حبات الرمان بين رموزها في تفاصيل الحياة والبقاء والخلود بين الرمان والماء والدم والحياة والكتب والأقمشة والأيقونات".

ويتابع "كل شيء له معانيه اللا نهائية تلك التي لا تقف عند دلالة واحدة ولا أزمنة واحدة نصوص مفتوحة وتفاصيل متفرّعة ثرية محمّلة ببوح متكامل الحضور، وهذا الأسلوب البراجانوفي استطاع أن يكتسبه ليكون المخرج الذي لا يحكي ولا يشرح بل يترك الفيلم يتسرّب أبعد، كل حسب فهمه ووعيه وانتمائه وتماهيه الإنساني، فيقبل أو يرفض، وفي كل الحالات يحمل موقفه البصري".

 هكذا يصف هدايت التفاعل الحر بين المخرج الذي وصفه بالملاك المنبوذ وبين الكتاب المشاركين وبين تجربته الشغوفة بجنون تلك التجربة العبقرية في تفاصيلها الحرة.

هذا ما ميّز تجربة براجانوف، هذه التفكيكية للبنية الزمنية وللمألوف البصري، لأن الزمن لا يسير بشكل خطي متماسك بل متشظ ومتقاطع ومندمج ومنبوذ، منفصل ومعزول يقف على واقع ورمز واسترجاع ومحاكاة غنائية، فالماضي والحاضر والخيال متداخلون ضمن مشهد واحد، فسيفساء تسرد الأزمنة شعرا وإيقاعا موسيقى وعواطف، لأنه لا يحكي ما يحدث بل يقدّمه رمزيا عبر انتشال الصورة من ذلك الإيقاع الذاتي لترقص داخل الفضاء.

وهو ما يحيل على المنظور السيميولوجي الذي يستعيد التراث الشرقي والفنون الشعبية والرموز الدينية هويته التي لا ينغلق بها عليه بل يفتحها على فضاءاتها كما في تجربته "ظلال الأجداد المنسيين" وظّف براجانوف الطقوس الشعبية الأوكرانية لا ليوثّقها كفلكلور، بل كعناصر رمزية قادرة على أن تتحوّل من المحلية إلى الكونية تلك التي تعالج البقاء والفناء كثنائية حتمية لمصير واحد للإنسان واقع بين مثلث القدر والموت والحب.

لحظة الجمال الخالدة

إن ما أراده هذا المرجع البصري وخلص إليه تقريبا أغلب الكتاب، لم يحشر براجانوف في خانة المخرج السينمائي المألوف في بحثه عن التفرّد بالصورة واحتوائها، فقد كان فنانا تشكيليا بصريّا، النفاذ إلى تجربته هو بمثابة رؤية أخرى فلسفة تجاوزت معاصريه من مخرجين لهم أيضا عبقرية الاندماج الحسي والثقافي، فقد حملت رؤيته دوما دهشة السؤال بين هشاشة الإنسان أمام قوّة الطبيعة وقدرته على تطويع تلك الطبيعة التي خلقت ملاحم وأساطير وصورا وحكايات استطاع التفرّد بها وترويضها.

براجانوف، المعاصر تقريبًا لبيير باولو باسوليني، الذي كان شديد الإعجاب بأسلوبه، يُقيم تشابهات بين السينما ومختلف أنواع الرسم، اللوحات الجدارية السينمائية وصور المنمنمات الأرمنية، وغيرها من الفنون النسيج والكولاج والألوان والتحف، فهو مثل باسوليني، يختار ممثليه بناءً على شخصياتهم، ويفضّل التعبير على التفسير.

ورغم الثراء الفولكلوري لأفلام باراجنوف، لم تُثر الواقعية الإثنوغرافية اهتمامه، ولم يركّز على تحويل وعيه المتنوّع بهويّته الى سعي لإثباتها، فهو لا يحبّ إقحام متلقيه في أسئلة الهوية لا للتراث ولا للانتماء الديني على عكس تاركوفسكي، إن السمة التي اتفق عليها أغلب النقاد عند الحديث عن براجانوف هي اعتباره "عبد الجمال والفن" في تجليات العمارة، والفخار والفنون التشكيلية، والآلات الموسيقية، وغيرها من الحرف المحلية.

يبتكر براجانوف طقوسه الخاصة في توظيف مراياه الساحرة بصريا، عند الوقوف في منتصف الطريق بين الخيمياء والشامانيا، فهو يعالج صوره الفنية بعوالم خارقة في طبيعة فكرة تنبع من ذاته إلى العالم، بوجدانية وحريّة بانطلاق كامل مهما تعثّرت أو توقّفت أو أُجبرت على التوقّف بتعسّف ومنع.

 إن ما جعل مشاهد وأفلام باراجانوف إلى اليوم تنعكس بجمالياتها على الإعلانات والأفلام الموسيقية في إعادة تدوير فنيّة لشعره وأعماله بلغته، هو اتكاؤه على لحظة الجمال الخالدة التي تضفي البصمة الفنية مُستفزّة الدهشة والتساؤل والحيرة، تلك التفاصيل كسرت حواجز التفكير النمطي سواء من خلال الطبيعة السينمائية أو التشكيلية لتكون أجمل الأشياء في منحى باراجانوف  الفني إضافة إلى شخصيته التي استطاعت أن تكون أيقونة أسطورية ورمزا ثابتا لفكرة المقاومة بالإبداع بالجمال بالفن بالإنسانية  بكل أشكال السيطرة الجمالية التي وقفت في وجه الابتذال والسيطرة منذ المرحلة السوفياتية وحتى اليوم.