المهرجانات السينمائية في المغرب.. بين الريع الثقافي وأزمة القاعات الفارغة
تحولت المهرجانات السينمائية بالمغرب إلى واجهة شكليّة تحكمها سياسات الريع وهدر المال العام، بعدما فشلت في تعويض إغلاق القاعات وبناء جمهور وفيّ. وأمام غياب الرؤية الشاملة وتكرار البرامج وشغور الصالات، بات التغيير الجذري، القائم على الشفافية وربط الدعم بالنتائج، ضرورة حتمية لإنقاذ المشهد الثقافي.
تراكمت المهرجانات السينمائية في السنوات الأخيرة حتى صارت الوجه الأساسي للسياسة الثقافية الرسمية في المغرب، إذ قُدّمت هذه المهرجانات كحل سحري وبديل شامل للقاعات السينمائية المغلقة التي انهارت فجأة. بينما السؤال الذي يفرض نفسه: هل نجحت فعلا في ملء الفراغ الثقافي، أم أنها بقيت كفضاءات احتفالية موسمية تفتقد للجمهور الحقيقي والحيوية الفنية؟ هل حققت التعويض الذي وُعدنا به، أم أنها عمقت الأزمة عوض أن تحلها؟
سيكتشف من يحضر أحد هذه المهرجانات بسرعة الفجوة الصارخة بين الخطاب الرسمي والواقع المؤلم، إذ إن معظم العروض تقام في قاعات شبه فارغة رغم الدعاية الواسعة والإعلانات المكثفة والبيانات الصحفية، بينما الحضور يقتصر على شريحة ضيقة منهم المنظمون والصحافيون والضيوف الرسميون والمدعوون بفعل التزامات إدارية. أما الجمهور العام الذي كان يملأ القاعات في الأيام الخوالي، فقد اختفى تقريباً من المشهد. ويبقى حاضراً فقط في الإحصائيات المزيفة والتقارير المكذوبة التي تنشرها الأجهزة الرسمية، وهذه الحقيقة تشير إلى فشل جذري في السياسة الثقافية المتبعة وغياب أي رؤية استراتيجية حقيقية، والأسوأ من ذلك أن لا أحد مهتم بالاعتراف بهذا الفشل أو محاولة إصلاحه جديا.
المهرجانات تراكمت خلال السنوات القليلة الماضية وقدمت كحل سحري وبديل شامل للقاعات السينمائية المغلقة التي انهارت فجأة
ويبرز هذا الفراغ سياسة ثقافية خاطئة، حينما تكرر البرامج نفسها بين مهرجان وآخر، دون أي محاولة جادة للتجديد أو فهم ذوق الجمهور المحلي، إذ إن الندوات والماستر كلاس لا تتواصل مع اهتمامات الناس الحقيقية وإنما هي شكل ظاهري مزيف، وفي حين يأتي الجمهور ليبحث عن تجربة سينمائية ذات معنى، يجد نفسه أمام عروض روتينية مملة وندوات مفرغة من أي مضمون حي أو نقد حقيقي وجاد، بينما تصاغ البرامج لتناسب النخبة الرسمية وبعيدة كل البعد عن خدمة الشعب والجماهير العريضة من المتلقين، وهذا التناقض الصارخ هو أحد أسباب الفشل الذريع للمهرجانات في تحقيق أهدافها المفترضة.
ويفضل الكثيرون المقاهي والملاهي، التي توفر ترفيهاً فوريًا وسهلاً وخالياً من التعقيدات والالتزامات. وهذه الخيارات الأخرى تطالب الناس ببذل جهد وحضور التزام ثقافي دون تقديم شيء حقيقي في المقابل. هنا تكمن الكارثة الثقافية الحقيقية وجوهر الأزمة التي تعاني منها المهرجانات في الواقع. ولم تنجح هذه التظاهرات في بناء جمهور وفيّ ومستمر عبر السنوات والفصول والعقود، وإنما بقيت تعتمد على نفس الوجوه الرسمية والمجاملات الإدارية المكررة والمملة.
والمطلوب بكل بساطة جعل الندوات والماستر كلاس محاور أساسية وحية للمهرجانات، والتذكير بأهمية الحوار المفتوح والجاد بين المخرجين والنقاد والفاعلين الثقافيين. فحضور هذه الفعاليات باهت والجلسات شبه فارغة من أي تفاعل حقيقي أو حي أو ندي. وكثير من الرواد والفنانين يغادرون القاعات بسرعة ملحوظة أو يخترعون أعذاراً ذكية للغياب.
ولم تستطع المهرجانات تحويل نفسها إلى فضاء حي ومتنفس للنقاش السينمائي الجاد والعميق والمفيد. وتشير المؤشرات إلى أن المشكلة ليست في الموارد وإنما في الإرادة والرؤية والتخطيط الاستراتيجي، بينما لجنة الدعم تكتفي بالصرف المالي دون أن تهتم بالنتائج الحقيقية والملموسة على أرض الواقع.
لكن ما الدافع الحقيقي وراء تنظيم هذه المهرجانات المتكاثرة بلا توقف؟ هل هو حب صادق للسينما والفن والثقافة، أم حب الدعم المالي والريع الثقافي الآمن؟ الريع الثقافي أصبح مصدر دخل ثابتاً وآمناً لعدد متزايد من الجهات الرسمية والأفراد المرتبطين بها. وهذا التشابك بين المالي والثقافي أفقد المهرجانات مصداقيتها وأهدافها الحقيقية والأساسية. فأصبحت أداة لتوزيع المال والامتيازات على نخبة معينة عوض خدمة الثقافة والجمهور. والدليل على ذلك هو اختفاء هذه المهرجانات فور توقف التمويل الحكومي لها نهائيا.
ويقول المنطق البسيط: لو كان الحب خالصاً للسينما، لاستمرت المهرجانات حتى دون تمويل حكومي. بينما الواقع يظهر العكس تماماً، فمعظم المهرجانات تختفي بمجرد توقف التمويل الحكومي عنها، وهذا الارتباط الوثيق والمريب بين وجود المهرجان واستمرار الدعم العام يروي القصة الحقيقية كاملة. إذ يشير إلى أن الدافع المالي يطغى ويهيمن على أي شغف سينمائي أصيل، فالفاعلون والمنظمون لا يعملون للسينما وإنما يستخدمون السينما كذريعة للحصول على دعم مالي دائم، وهذا تحويل مشين لمفهوم الثقافة والفنون من غايات نبيلة إلى أدوات للكسب السريع.
كل هذا يثير أسئلة جادة حول فعالية الإنفاق الضخم وجدواه الحقيقية في تحقيق أي أهداف ثقافية. ويثير تساؤلات كثيرة حول سوء إدارة الموارد الثقافية والاختيارات السياسية الخاطئة المتكررة، فالأموال التي تُصرف على هذه المهرجانات كان يمكن أن تُستخدم لأغراض ثقافية حقيقية ومفيدة. مثل دعم الإنتاج السينمائي المحلي أو بناء قاعات سينمائية حقيقية وليس 500 دار شباب شبه ثقافية في جميع المدن والأحياء، لكن الوزارة تفضل الصرف على المهرجانات التي لا تترك أي أثر حقيقي سوى الإحصائيات المزيفة.
ويشهد المغرب اليوم عدداً كبيراً ومتزايداً من المهرجانات السينمائية يثير الاستغراب والقلق معاً، فهل هذا العدد الكبير يخدم السينما والثقافة بشكل حقيقي فعلاً أم أنه يضعفها ويفتتها ويشتت الجهود والموارد والطاقات الثقافية الجماعية المحدودة جداً؟ هل هناك تعاون حقيقي بين هذه المهرجانات أم أنها تتنافس فيما بينها بشكل عقيم؟ الواقع يشير إلى أن هذا التكاثر العشوائي يوضح غيابا كاملا للتخطيط الاستراتيجي الوطني. فكل جهة تحاول أن تنظم مهرجانها الخاص دون أي تنسيق أو تشاور مع الجهات الأخرى. والنتيجة فوضى ثقافية وهدر موارد وضعف عام للحركة السينمائية الوطنية عوض تقويتها.
ويشير الواقع الفج إلى أن معظم المهرجانات تكرر الأفلام نفسها ولجان التحكيم ذاتها دائما. لا يوجد أي تمييز حقيقي بين مهرجان وآخر أو معايير واضحة وقابلة للدفاع والشرح. والتكريمات المقدمة غالباً ما تكون رمزية ورخيصة، دون تعويض مادي يليق بجودة العمل الفني. وينعكس هذا الواقع على سلوك الفاعلين والفنانين أنفسهم وطريقة نظرهم للمهرجانات، إذ بدأوا ينظرون إلى هذه التكريمات بعين الريبة والاستخفاف وحتى السخرية، بينما المبدعون الحقيقيون توقفوا عن الاهتمام بهذه المهرجانات وتكريماتها، ولم يبق في هذه المهرجانات إلا من يسعون للاستفادة المالية بأي طريقة ممكنة.
ويغيب تماماً ما يجب أن يكون أساساً لأي نظام ثقافي صحيح: التنسيق الوطني والرؤية الاستراتيجية، إذ لا توجد خريطة واضحة أو منطقية لتوزيع المهرجانات والتخصصات والأدوار المختلفة المطلوبة. والنتيجة تكاثر عشوائي وهدر منظم للموارد مع غياب معايير الجودة والاحترافية، ويتميز العدد القليل جداً من المهرجانات بمستوى حقيقي من الجودة والمهنية والاحترام. والباقي يعيش على الصورة الخارجية والدعم الحكومي المستمر دون أي إنجاز حقيقي يذكر.
ويتطلب التحول والإصلاح الحقيقي سياسة ثقافية أكثر صرامة ووضوحاً والتزاماً جاداً بالمحاسبة. إذ يجب أن يُربط الدعم الحكومي بنتائج واضحة قابلة للقياس والتقييم الموضوعي دون تلاعب، وأن يعتمد على عدد الجمهور الحقيقي وليس الأرقام المزيفة، وعلى جودة البرامج والأفلام المعروضة بصدق، واستمرارية التأثير الثقافي الفعلي على المجتمع وليس الادعاءات الكاذبة في البيانات الإعلامية. وبدون هذا الربط الصارم والفعال، سيبقى الإنفاق هدرا منظما للمال العام.
يجب أن يُلزم كل مهرجان بإصدار تقرير شفاف وتفصيلي عن حصيلته الحقيقية بدون تزييف لتسهل مراقبته
ويجب أن تصبح العروض الأولى للأفلام محورا أساسيا وليس هامشيا في أي مهرجان جاد. والدعوات يجب أن تقتصر على الفاعلين الحقيقيين: المخرج والممثل الرئيسي والمنتج فقط، لا على قائمات طويلة من الوجوه البراقة التي لا علاقة لها بالعمل الفني أو قد تضر به. وهذا يعني وجود أولويات واضحة؛ فمن لديه عمل جديد يأتي أولاً دون نقاش أو تفاوض، أما من لا ينتج ولا يواكب الحركة السينمائية الحية فلا مكان له في قاعات المهرجان نهائيا.
وتتطلب التكريمات مراجعة جذرية وشاملة بعيداً عن الدعاية والمجاملات والعلاقات الشخصية، إذ يجب أن نكرم من لديهم أعمال جديدة أو الأكثر نشاطاً خلال السنوات العشر الأخيرة، وأيضاً رواد السينما الذين تقاعدوا بعد مسيرة حافلة بالإسهامات والعطاءات الحقيقية المميزة. أما من لا ينتجون ولا يواكبون الحركة فيجب أن يرفع عنهم التكريم نهائيا.
ويجب أن تسود الشفافية الكاملة على المستوى الإداري بلا أي استثناء أو محاباة مخفية، بينما الفنادق يجب أن تُقسم على لجان التحكيم وأصحاب الأعمال المشاركة في فندق واحد، ويقيم المكرمون والمدعوون الرسميون والصحافة في فندق آخر دون أي امتزاج أو تداخل. وهذه الترتيبات يجب أن تُنشر بوضوح تام ودون أي تحيز أو محاباة مخفية أو غامضة.
ويجب أن يُلزم كل مهرجان بإصدار تقرير شفاف وتفصيلي عن حصيلته الحقيقية بدون تزييف لتسهل مراقبته. ويجب أن يتضمن التقرير عدد الزوار الحقيقي ونسب الحضور الفعلي في كل عرض، التكوينات والورشات المنفذة وعدد المستفيدين منها، وعدد الأفلام الجديدة المعروضة لأول مرة، إضافة إلى تقييم موضوعي وحقيقي لجودتها وأهميتها. وهذه التقارير وحدها قادرة على كشف المردودية الحقيقية للمهرجان بعيداً عن الخطاب التجميلي. وغياب مثل هذه التقارير يغذي الشكوك ويبقي الدعم الحكومي بلا محاسبة حقيقية أو فعالة.
والاستمرار على النهج الحالي لن ينتج إلا المزيد من القاعات الفارغة والوعود الكاذبة. ولا نطالب بإصلاحات هامشية أو سطحية بل بتحول جذري في طبيعة المهرجانات نفسها؛ من مناسبات احتفالية موسمية فارغة إلى فضاءات حقيقية لبناء الذوق السينمائي والنقد الفني. فالمهرجانات يجب أن تصبح أدوات فعالة لنشر الثقافة السينمائية في المجتمع بشكل حقيقي، لا طرقا لتوزيع المال والامتيازات على نخبة مرتبطة بالسلطة الرسمية والحزبية.
والتحول الحقيقي يتطلب الشفافية الكاملة والمحاسبة الصارمة والربط الواضح بين الدعم والنتائج الملموسة. وهذا هو السبيل الوحيد لاستعادة ثقة الجمهور والمهنيين في هذه المهرجانات بشكل حقيقي. ودون هذه الشروط الصارمة والحتمية ستبقى هذه التظاهرات احتفالات فارغة من المعنى، تهدر المال العام دون أن تترك أي أثر حقيقي على الحركة السينمائية الوطنية، أو أثرا حقيقيا أو ملموسا على الجمهور الذي من المفترض أن تخدمه وتثري حياته.