"الغريب".. تحية إلى أدب ألبير كامو العبثي

أوزون جذب حشودا كبيرة لمشاهدة فيلمه في صالات السينما وبالتأكيد سيزداد عدد قراء الرواية بعد مشاهدة الفيلم.
الجمعة 2025/11/14
بنجامين فوازين نجح في تقمص شخصية الغريب

عندما يقرر مخرج سينمائي تحويل رواية أدبية إلى فيلم فإن أول ما يفكر فيه هو الحفاظ على روح النص الأصلية، وخصوصا إذا كانت رواية ذائعة الصيت ولها الملايين من القراء حول العالم، فإن مهمته تغدو أصعب لأن كل قارئ للرواية بمثابة مخرج لها كما صورها له خياله. في حال نجح المخرج في نقل روح النص الأصلية والشخصيات كما هي وخصوصا في الروايات النفسية التي يسودها الصمت أكثر من الكلام، فإن المخرج يكون محظوظا ومتمكنا من موهبته ورؤيته الإخراجية.

هذا ما حدث مع المخرج الفرنسي فرانسوا أوزون حين قرر تحويل رواية “الغريب” لألبير كامو إلى فيلم سينمائي.

شارك الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي في دورته الثانية والثمانين التي عقدت هذا العام في أغسطس الفائت، ونافس الفيلم على جائزة الأسد الذهبي وكان من الأفلام الهامة في المهرجان.

إنسان بلا مشاعر

حالة هذا الشاب اللامبالي والخالي من المشاعر تجاه كل شيء.
حالة هذا الشاب اللامبالي والخالي من المشاعر تجاه كل شيء

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تحويل رواية “الغريب” إلى فيلم سينمائي، فقد سبق أن “أفلمها” المخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي في العام 1967 وأسند البطولة إلى الممثل الشهير مارسيلو ماستورياني والممثلة آنا كارينا لكن الفيلم فشل في حينها.

الفيلم الذي يبدأ بجملة مكتوبة تقول “أمي ماتت اليوم أو ربما بالأمس لا أدري”، يروي قصة مورسو (بنجامين فوازين)، هذه الجملة تلخص حالة هذا الشاب اللامبالي والخالي من المشاعر تجاه كل شيء.

إنه مورسو المواطن الفرنسي الذي يعيش في الجزائر في ثلاثينات القرن الماضي حيث كانت تحت حكم الاستعمار الفرنسي، وهو موظف مكتبي مرموق يحب صديقته في العمل ماري (ريبيكا مارد) وتربطه علاقة صداقة بجاره ريموند (بيير لوتين) الذي يحب جميلة الجزائرية، وجاره الآخر العجوز سلامون الذي يعامل كلبه معاملة سيئة، لا توجد لدى مورسو أي مشاعر تجاه كل من حوله، بروده لا حدود له ولا يرفض شيئا حتى حين تعرض عليه ماري الزواج لن يرفض ذلك ليس لأنه يحبها، بل لأن الموضوع لا يعنيه، فلو طلبت فتاة أخرى منه الزواج لوافق أيضا.

هكذا يخبرها لاحقا. وفي أحد الأيام تحدث مشكلة مع جاره وصديقه ريموند على شاطئ البحر حيث يجتمع عليه أخو حبيبته جميلة وعدة رجال آخرين ويقومون بضربه، الأمر الذي يزعج مورسو فيعود إلى الشاطئ ويطلق النار من مسدسه على أخي جميلة ويقتله بخمس رصاصات فقط لأنه عربي اعتدى على فرنسيين.

من هنا جاء اسم الرواية “الغريب”. تعتقل الشرطة مورسو وتقدمه للمحاكمة حيث تتم إدانته ويتم الحكم عليه بالإعدام دون أن تهتز له شعرة، فحتى الحكم عليه بالموت لا يعنيه ويبدو غير مبال تجاه كل شيء.

فوازين تقمص الشخصية باحترافية كبيرة وعبر عن صمتها ولامبالاتها بملامحه وانفعالاته فكان الأداء مبهرا واستحق عليه جائزة سيزار

هذه هي فلسفة العبث التي قدمها كامو في الرواية واستطاع أوزون إيصالها بأمانة كبيرة في فيلمه عبر أداء ممثله فوازين الذي تقمص الشخصية باحترافية كبيرة وعبر عن صمتها ولامبالاتها بملامحه وانفعالاته فكان الأداء مبهرا واستحق عليه جائزة سيزار.

سينما الأربعينات

يبدأ الفيلم الذي صوره أوزون بالأبيض والأسود، بتقرير سينمائي مصور يبين إنجازات الفرنسيين في مدينة الجزائر وكيف حولوها إلى باريس مصغرة ذات مبان تتألف من أربع أو خمس طوابق فقط، وتظهر في الشريط ملصقات على الجدران كتبت بالعربية منددة بالاحتلال الفرنسي للجزائر، بينما اعتمد اللقطات القريبة في تصوير شخصية مورسو مظهرا بروده ولامبالاته عبر الكاميرا.

كانت تشكيلات الكادر (إطار الصورة) آخاذة في اللقطات العامة، حيث حاول المخرج مقاربة سينما الأربعينات الجميلة بشريطه هذا، ونجح بنقل روح الرواية التي تعتبر ثالث أكثر رواية مقروءة في فرنسا مع روايتي “البحث عن الزمن المفقود” لمارسيل بروست و”البؤساء” لفيكتور هوغو.

وجذب فرانسوا أوزون حشودا كبيرة لمشاهدة فيلمه هذا الذي يعرض الآن في صالات السينما الفرنسية، وبالتأكيد سيزداد عدد قراء الرواية بعد مشاهدة الفيلم.

9