"الحياة ليست رواية".. ثلاثة أصدقاء جمعتهم الكتب وفرّقهم الحب
التداخل بين الخيال والواقع في الكتابة الروائية يمنح الأدب مساحة أوسع في تقاطعاته الكثيرة والضرورية مع الحياة، قرأنا أكثر من مرة لكتّاب قفزوا من خارج كتاباتهم إلى داخلها، فكانوا شخصيات روائية تكتب ذاتها، لكن أن يكون الكاتب شخصية في الخلفية دون تأثير في شخصياته فهذه صنعة كتابيّة أكثر إثارة، كما نجدها في رواية "الحياة ليست رواية".
وصلت رواية “الحياة ليست رواية” للكاتب اللبناني عبده وازن، الصادرة عن دار المتوسط في إيطاليا عام 2025، إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) حيث تتنافس مع ستة عشر رواية على هذه الجائزة.
تشكل حبكة هذه الرواية غير العادية ثلاثة شخصيات رئيسية تتاقطع مصائرها حيث تشغلها عدة أسئلة وجودية كالبحث عن الهوية والجذور في بلد مضطرب مزقته الحرب الأهلية عبر تاريخه وتركت ندوبا عند كافة أبنائه كما تجتمع هذه الشخصيات الرئيسية على ثيمات يبنى عليها عالم الرواية كالأدب والصداقة والحب والموت.
قارئ نهم
ليست هذه الرواية سوى حياة كاتبها عبده وازن نفسه استعرض من خلالها قراءاته خلال سنوات حياته كلها
الشخصية الأولى هي شخصية “القارئ” أو كما تسميه صديقته جوسلين وهو رجل ابن عائلة ثرية درس الآداب الفرنسية في الجامعة اليسوعية وتركها قبل التخرج منها، وليس لديه مهنة في الحياة سوى قراءة الروايات فهي “مهنة لا تتطلب لا دراسة ولا اختصاصا”، حسب رأيه حيث يقضي معظم وقته في منزله الذي حوله إلى مكتبة كبيرة يقرأ كل روايات العالم باللغة الفرنسية، فيقرأ بروست وموليير وفلوبير ووليم فوكنر وبول أوستن وهنري ميللر وهمنغواي وألبير قصيري ودوستويفسكي- الذي برأيه “عبقري ممسوس ونبي يرى مالا يرى”. كما يقرأ تولستوي الذي رغم أهميته إلا أنه ليس بمكانة صاحب “الأخوة كرمازوف” و”الأبله” وثربانتس وشكسبير.
يغوص القارئ في عوالم الكتّاب ويصادق شخصياتهم ويتحدث بلسانها ولا يقرأ باللغة العربية سوى لنجيب محفوظ وطه حسين والعقاد، وليس له أي حياة اجتماعية ولا يملك سوى صديقا واحدا هو جوزيف، صديقه منذ أيام المدرسة، أما الحدث الذي يحرك المياه الراكدة في حياته التي وهبها لقراءة الروايات فقط هو وصول جوسلين المرأة الفرنسية التي أتت لزيارة جدتها أنجل جارته، في محاولة منها للبحث عن جذورها وهي التي هاجرت إلى فرنسا أثناء الحرب الأهلية.
يتعرف على جوسلين ويصبحان صديقين، يقع في حبها ويعرّفها إلى صديقه جوزيف الذي تحبه لاحقا، فلا ينزعج من هذا الحب ولا يشعر بالغيرة، بل يحب حبهما لبعضهما البعض، مع أن النقاط المشتركة والتقاطعات في ماضيه وماضي جوسلين أكثر من الأشياء التي تجمعها بجوزيف، فهي مثله قتل والدها ذبحا على أحد الحواجز السورية في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 بينما والده هو قتل في الحملة التي شنها الجيش السوري على الأشرفية عام 1978، وسميت حرب العشرة أيام، حيث كان واقفا على مدخل البناء الذي يسكن فيه مع عدة رجال فسقطت قذيفة بقربهم وقتلته.
كلاهما أي القارئ وجوسلين درسا الآداب الفرنسية ونظريات النقد، الأمر الذي يفتح نقاشات عميقة بينهما فيناقشان كتابات الأدباء العرب الذين يكتبون بالفرنسية، كأمين معلوف والطاهر بن جلون، أما صديقهم جوزيف فقد اكتشف حين كبر أنه ابن بالتبني لأبويه الذي تربى في كنفهم (يقول “لا أعرف قد أكون ابن عاهرة”) ويقضي هذا الثلاثي كل الوقت مع بعضهم بعضا يأكلون ويشربون ويسهرون معا يتحدثون عن الروايات والكتب والفن التشكيلي.
حياة في رواية
“يجب أن تكتب رواية عن صداقتنا هذه” هذا ما يقوله القارئ في إحدى الجلسات، وصداقتهم هذه لا تمنع احتفاظ كل منهم بخصوصيته ومزاجه وقضاء أعماله، فجوسلين مثلا تبدأ بالبحث عن المرأة التي كان يحبها والدها قبل زواجه من أمها، وتدعى منى، حيث اكتشفت رسائل منها لوالدها وتصل إليها وتتكون صداقة بينهم، يتحدثون عن علاقة الحب التي جمعت منى بوالدها أما القارئ يستمر بقراءاته ويزداد مع الوقت حبه لجوسلين واشتهاؤه لها، لكنها تحب جوزيف الذي يحب جسدها فقط ويمارسان هذا الحب في منزل القارئ الذي يوفر لهما جوا مريحا لممارسة طقوس حبهما.
لكن هذا الحب لا يدوم حيث يتعرض جوزيف لحادث سيارة ويدخل في غيبوبة، وأثناء غيبوبته يجتمع القارئ وجوسلين في غرفته في المستشفى يقرآن له الروايات ويشربان النبيذ، لكن جوزيف يموت بعد فترة، الأمر الذي يحزنهم كثيرا، فتعود جوسلين المكلومة إلى باريس ويعود القارئ لوحدته. ترسل له جوسلين رسائل عبر البريد الإلكتروني تخبره بها أنها كانت تشعر بحبه لها ومشاعره تجاهها لكنها أحبت جوزيف، فيشكل موت جوزيف حدثا فارقا في حياة القارئ، فيقرر أن يكتب رواية للمرة الأولى يحلل فيها هذه الصداقة الغريبة التي جمعتهم هم الثلاثة وحبه لجوسلين، ويبوح بها بما لم يستطع قوله لها.
يخبر صديقته الروائية رنا تامر التي تربطه علاقة بها أنه كتب رواية، فتقترح عليه أن يعرضها على شاعر وروائي اسمه عبده وازن كي ينقحها له ويصحح لغتها، حتى تصبح جاهزة للنشر، وهنا يدخل الروائي في قلب روايته أي وازن، ونصبح إزاء ميتا سرد بدخول شخصية كاتب الرواية الحقيقي.
ليست هذه الرواية سوى حياة وازن نفسه استعرض من خلالها قراءاته خلال سنوات حياته كلها فأراد لها أن تكون مرجعا أدبيا أكثر من كونها رواية يتداخل فيها الخاص مع العام، وخصوصا حين أشار إلى الدكوانة المنطقة التي ينحدر منها، ويمتزج فيها الخيال مع الواقع وقد يكون هو ذاته القارئ لا ندري، فكانت روايته هذه عن الذاكرة والبحث عن الهوية والجذور في تاريخ بلد مزقته الحروب الصراعات الطائفية ورسالة امتنان وتكريم للأدب الذي شكل حياة كاتبها ومصيره.