الحجارة تتذكر في معرض سيرين بوبكر بإيطاليا

الفنانة التشكيلية التونسية تستنطق المادة والذاكرة لتحويل الخراب إلى فعل مقاومة ضد النسيان.
الثلاثاء 2026/06/30
محاولة فنية لحماية الذاكرة من التحول إلى مجرد خبر

حين تصبح المادة ذاكرة والذاكرة شكلا من أشكال المقاومة، تستعيد الروح المكان وتعبر نحو مسافات الحقيقة بالذاكرة بالتذكّر بالعبور من مسافات النسيان، وهو ما تشتغل عليه التشكيلية التونسية سيرين بوبكر في مشروع الإقامة الفنية التي قدّمتها مؤخرا في Villa Fabris إيطاليا والتي أنتجت معرضها التشكيلي “تذكرنا الحجارة” (Stones Remember Us).

تقدم سيرين بوبكر تجربة بصرية تتجاوز حدود التمثيل المباشر للقضية الفلسطينية نحو مساءلة أكثر عمقا لمفاهيم الذاكرة والهوية والأثر، فالمعرض لا ينشغل بتصوير الحرب أو استعادة مشاهد الدمار، بقدر ما يتأمل ما تبقى بعد كل هذا وما يفتح من ثقوب على الذاكرة وما الذي يظل عالقا في الأشياء بعد غياب أصحابها؟ وكيف تستطيع المادة أن تحفظ ما يعجز التاريخ أحيانا عن حفظه وهو يرصد الحدث كرونولوجيا ويتجاوز خط الحنين الفاصل بين الإنسان وذاكرة المكان واتساع البحث عن الذات من غبارها أو بين ركامها.

كلما أصغيت للحجر

يضع عنوان المعرض المتلقي أمام مفارقة فلسفية لافتة، تتضمن مفهوم “الحجارة”، وهنا لا تصبح الحجارة موضوعا للتذكر بين الفكرة والمادة، بل تحوّلها سيرين بوبكر إلى فاعل حيّ يتذكر، قادر على  تذكّر المكان والناس والأحلام والحياة وهنا تقول “انطلاقًا من تأملاتي في غزة، أتساءل عمّا يتبقى عندما لا تقتصر آثار الحرب على الناس والبنية التحتية، تمتد لتشمل أماكن تاريخية ومعالم دينية وتراثا جماعيا، ومن خلال أسلوبي في السيانوتيب والطباعة الزرقاء على الأقمشة والتطريز والحجارة والمخطوطات والمواد الخرائطية، سعيتُ إلى الحفاظ على شظايا الذاكرة المهددة بالزوال”.

سيرين بوبكر فنانة تحوّل الحجارة إلى فاعل حيّ يتذكر، قادر على تذكّر المكان والناس والأحلام والحياة

إن مشروعها يولي اهتماما خاصا للمواقع الأثرية وحضورها وعلاماتها الرمزية، مثل جامع العمري الكبير وكنيسة القديس بورفيريوس، وهما موقعان عريقان تأثرا بشدة بعنف العدوان وهمجية الاعتداء على غزة، فإلى جانب أهميتهما المعمارية، تُجسد هذه الأماكن تاريخا إنسانيا مشتركا، وتعايشا دينيا ثقافيا، واستمرارية الذاكرة الجماعية.

تقول بوبكر لـ”العرب”، “أتاح الاستوديو المفتوح والمعرض الختامي بهذه الإقامة الفنية فرصة لي لمشاركة هذا البحث مع الزوار، وفتح حوارات حول التراث الثقافي والفقدان والذاكرة والمقاومة والتوغل أبعد في مفاهيم التدمير والعدوان وأثرها الإنساني، فالحكايات التي تروى وتستذكر وتحفظ هي نوع من أنواع المقاومة، ونقل الذاكرة، هو رفض للنسيان كما قال درويش: في حضرة الذكرى.. صدى الأشياء تنطق بي فأنطق.. كلما أصغيت للحجر استمعت إلي”.

وتضيف “شكل المشروع المنجز في هذه الإقامة الفنية منعرجا بصريا في إعادة تشكيل الذاكرة والمضي بها أبعد نحو الزائرين من فنانين ومهتمين ومتلقين، وهو ما طرح في داخلي أسئلة أخرى إضافة إلى بقية التساؤلات التي تُلحّ عليّ: ماذا يبقى حين تختفي الأمكنة؟ ماذا تتذكر الحجارة حين يُهدد الزمن التاريخ؟”.

حين يصبح "الأزرق" لونا للاستذكار
حين يصبح "الأزرق" لونا للاستذكار

أرشيف الحجارة

أثناء الحديث مع سيرين بوبكر بقي في ذهني تفكيكها لتساؤلاتها واعتبارها أننا لسنا نحن من نستدعي الحجارة من الماضي، بل هي التي تستدعينا إليه، هذا التحول الدلالي استطاع أن يمنح الحجر مكانة تجاوزت وظيفته المادية ليصبح حاملاً للذاكرة وحارساً للأثر، وكأن الفنانة تنطلق من فكرة أن الأشياء أكثر وفاء من البشر أحيانا، فهي تحتفظ بما مرّ عليها منذ انبعاثها الأول، فهي تحمل بصمت آثار الذين عبروا المكان ثم غابوا كما تحتوي على قصصهم وحكاياتهم.

لا نجد في الأعمال سردا مباشرا للمأساة، ولا توثيقا بصريا للخراب، بل نجد اشتغالا على إحياء الغياب، فغزة لا تظهر باعتبارها مشهدا للحرب، وإنما باعتبارها فضاء تتصارع داخله الذاكرة مع النسيان، والحضور مع المحو.

هذه المقاربة منحت رؤى التجريب جمالية التجربة وبعدها الفلسفي المفهومي لأنها تنقل الرؤى من مستوى الخبر إلى مستوى الأثر، فما يبقى ليس الحدث في ذاته، بل ما يترسب منه داخل المادة، لذلك تبدو الأعمال أشبه بحفريات بصرية تستخرج من الآثار العميقة للذاكرة شذرات وصورا وعلامات نجت من الاختفاء.

وتتجسد هذه الرؤية بوضوح من خلال تقنية السيانوتيب التي تشكل أحد أهم مكونات المشروع، فالسيانوتيب، القائم على تثبيت أثر الضوء، ليس مجرد تقنية للطباعة، بل يحمل في جوهره فكرة الأثر نفسها، إنه لا ينتج صورة مكتملة بقدر ما ينتج بقايا حضور، تماما كتلك الصور التي علقت في أذهاننا ومشاعر انتظاراتنا البصرية لما علق من مشاهدات للمكان والبشر والذاكرة، ذلك الأثر المؤثر.

شاهد على ما كان موجودا
 شاهد على ما كان موجودا

 صورة تبدو دائما وكأنها معلقة بين الظهور والاختفاء، ولهذا كان اختيار هذه التقنية منسجما متناسقا معمقا في رؤى تجربة سيرين بوبكر، حيث تحولت الصورة إلى شاهد هش على ما كان موجوداً ذات يوم وحملت الهشاشة صلابة تفاصيلها الأعمق.

فالأزرق الذي هيمن على الأعمال، ليس مجرد نتيجة تقنية لطباعة السيانوتيب، بل عنصر دلالي مستقل، إنه لون الذاكرة بامتياز، لون المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الأشياء المفقودة، ولون الصور التي نجت من التلف، ولون الأرشيف الذي حمل آثار الزمن.

في أعمال مشروع سيرين بوبكر لا يصف الأزرق الواقع، بل يضفي عليه مسحة من الاستذكار، وكأن كل شكل يظهر عبره قادم من عمق الذاكرة لا من الحاضر المباشر.

وتزداد هذه اللغة البصرية ثراءً من خلال التداخل بين الطباعة والقماش والحجر، فالفنانة لا تتعامل مع هذه العناصر كخامات منفصلة، بل تبني بينها شبكة من العلاقات الرمزية، الحجر يحمل زمن الأرض وذاكرتها الطويلة، والقماش يستدعي أثر الجسد والبيت والحياة اليومية، بينما تحفظ الطباعة ما تبقى من الصورة. وبهذا التراكب المادي تتشكل أعمال تجمع بين الهشاشة والصمود، وبين الغياب والحضور، وبين ما هو شخصي وما هو جماعي.

الحجارة ليست مادة، بل هي حارس التاريخ
الحجارة ليست مادة، بل هي حارس التاريخ

صمت الأثر بلاغة المادة

الأثر ليس مجرد بقايا شيء غائب مغيّب أو مقتلع. هذا ما تخبر به سيرين وهي تعبر نحو الذاكرة، فبين القماش والتطريز وفي تلك الغرة التي تبقي أثرا آخر للون الدم، تستعير من الرؤى تحوّلاتها ومن الحرف أثره المعنوي وهو يحدّد مزاج الفكرة ومجازها في محاورات الشعر واللغة والحرف والأثر والمكان بعناد يستبقي الجمال ويبقي عليه رغم حرائق الذاكرة وخراب المشهد.

فالشكل الذي يواصل الماضي من خلاله حضوره داخل الحاضر، هو ما تمنحه سيرين بوبكر للحجارة ومنها، فهي لا تعرضها بوصفها مادة صامتة، بل بوصفها احتواء للزمان والمكان والحدث، تحمل آثار البشر وتحفظها بعد رحيلهم.

فالذاكرة ليست عملية استرجاع قد تبدو بسيطة بل هي مسؤولية تجاه ما حدث، لذلك التذكر فعل من أفعال المقاومة ضد المحو، ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة سيرين بوبكر محاولة فنية لحماية الذاكرة من التحول إلى مجرد خبر عابر أو رقم في سجل الأحداث، إنها تستعيد الأثر كوثيقة، كبقاء الحجارة أيقونتها وبوحها.

حوارٌ بين المعمار العريق وعنف العدوان
حوار بين المعمار العريق وعنف العدوان

إن ما يمنح المعرض قيمته الفنية الحقيقية هو نجاحه في تجنب الخطاب المباشر، فالأعمال لا تستند إلى الشعارات، ولا تعتمد على قوة الموضوع وحدها، بل تبني مشروعها من داخل اللغة التشكيلية، من فكرة الذاكرة والأثر، فالمواد، الأسلوب والعلامة والمفهوم والشفافية، والتجاور بين المواد المختلفة، كلها عناصر تخلق تجربة بصرية قادرة على إنتاج المعنى دون الحاجة إلى الشرح، مرحلة من التأمل تختزن اللون والعمق والملامح والأصوات.

في “تذكرنا الحجارة” تنجح سيرين بوبكر في تحويل المادة إلى حامل للذاكرة، وتحويل الذاكرة إلى موضوع جمالي، وبين الحجر والأزرق والأثر والصمت والصخب، تطرح سؤالاً يتجاوز فلسطين وغزة ليطال التجربة الإنسانية بأسرها: كيف يمكن لما هو مهدد بالاختفاء أن يستمر في الحياة؟

يأتي جواب المعرض هادئاً وعميقاً في آن واحد، تبقى الذاكرة ما دام هناك أثر وتبقى الحكاية ما دامت الحجارة تتذكر.

8