الانتخابات الفلسطينية… بين ضرورة التداول ومخاطر الانتحار
لا يختلف اثنان على أن الانتخابات هي واحدة من أعظم منجزات الحضارة الإنسانية، فهي المثال الأوضح على نضج المجتمعات وقدرتها على تداول السلطة بسلمية، وبإرادة مباشرة من الناس. إنها ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي اعتراف جماعي بأن لا أحد فوق المساءلة، وأن التقييم حق مكفول للشعوب في نهاية كل دورة سياسية. ومن هنا نرى أن الانتخابات ضرورة لأي مجتمع يطمح إلى التقدم.
لكن في فلسطين، فمن وجهة نظري، تكمن المشكلة أولاً في أننا لسنا مجتمعًا مستقلاً في دولة ذات سيادة، بل شعب يعيش تحت احتلال عسكري عنصري بغيض، يتحكم بحدودنا، ويعتقل مرشحينا، ويقرر من يدخل ومن يخرج، ويتدخل في تفاصيل حياتنا اليومية. وهنا تتحول الانتخابات من قيمة مطلقة إلى أداة نسبية، يمكن أن تنقلب على صانعها، وتُستخدم كغطاء لتثبيت الاحتلال بدلًا من أن تكون بوابة للتحرر.
ثانيًا، إن وجود الانتخابات كأحد مخرجات الاتفاق المرحلي كان بهدف أن يكون هناك رئيس وبرلمان يملكان شرعية شعبية جاهزة في نهاية المرحلة الانتقالية لتتولى زمام أمور الدولة الفلسطينية الناشئة، وعليه عُقدت في عام 1996. وبما أن هذا الهدف لم يتحقق بنهاية المرحلة الانتقالية بسبب عوامل عديدة، منها مقتل إسحاق رابين، ووصول اليمين إلى سدة الحكم في إسرائيل، علاوة على كل ما قامت به حركتا حماس والجهاد الإسلامي من تفجيرات في محاولة منهما لتخريب الاتفاق، والذي ساهم بدوره في وصول اليمين للحكم، كل ذلك أسهم في تعقيد الوضع. ولكن جرت محاولة أخرى في عامي 2005 و2006 لتحقيق نفس الهدف الذي ذكرته سابقًا، ولكن تم تخريب المحاولة بما قامت به حماس من انقلاب أدى إلى تقسيم الوطن وساهم في إطالة أمد الصراع وتمكين اليمين أكثر فأكثر في إسرائيل.
الانتخابات الفلسطينية تمثل ضرورة وطنية لإعادة بناء الشرعية وتعزيز الوحدة الداخلية لكنها تجري في ظل احتلال عنصري يفرض قيودًا على المرشحين والناخبين ما يجعلها أداة لتثبيت الواقع بدل تغييره
وخلال 19عامًا، جرت العديد من المحاولات لإعادة المشروع إلى مساره الطبيعي، أي إجراء انتخابات تؤدي إلى وجود شرعية تقود مفاوضات جادة مع إسرائيل من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي ينهي عقودًا من الصراع ويحقق الدولة الفلسطينية المنشودة، ولكن كل تلك الجهود باءت بالفشل بسبب تعنت حماس من جهة وزيادة تشدد إسرائيل من جهة أخرى. اليوم، وبعد السابع من أكتوبر المشؤوم، الذي أدى إلى حرب أوقعت دمارًا هائلًا في قطاع غزة، ناهيك عن القتلى والجرحى الذين تجاوز عددهم ربع مليون شخص، واحتلال ما يقارب 70 في المئة من القطاع، أضف إلى ذلك عمليات تهويد القدس وزيادة الاستيطان، وعنف المستوطنين والقوانين العنصرية التي سنها الاحتلال، أصبح من الضروري القيام بمحاولة ثالثة وأخيرة ولكن في ظل معطيات جديدة. فمع إصدار المرسوم الرئاسي بتحديد موعد الانتخابات التشريعية في يوم 28 نوفمبر القادم، تليها الانتخابات الرئاسية في مطلع عام 2027، والتي تأتي في إطار خطة إصلاحات تعهد بها الرئيس محمود عباس في رسائله لزعماء العالم وفي مؤتمر نيويورك، نقف أمام مفترق طرق خطير، حيث يمكن للانتخابات أن تسير في أحد اتجاهين:
الاتجاه الأول: أن تكون جرعة حياة إضافية للمشروع الوطني الفلسطيني، وذلك إذا ما تم تهيئة الظروف المناسبة لها، وبضمانات دولية حقيقية لإجرائها بسهولة ويسر، بما يضمن تحقيق الإرادة الشعبية في الترشح والانتخاب. وبالتالي يكون لدينا شرعية جديدة جاهزة تقود المفاوضات من أجل إنجاز الدولة في ظل المتغيرات الجديدة على الأرض والتي أعتقد أنها مبشرة إذا أحسن استغلالها.
الاتجاه الثاني: أن تكون القشة التي تقصم ظهر المشروع الوطني، وتؤدي إلى انهيار جديد يقود إلى استمرار معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال. وهذا هو السيناريو الذي يريده خصوم المشروع من الجهتين: إسرائيل التي تسعى إلى إضعاف السلطة وإبقائها في حالة عجز دائم لتتولى هي إدارة الاحتلال تحت غطاء “غياب شريك”، سعيًا منها لتحقيق أهدافها بالقضاء تمامًا على موضوع حل الدولتين، وحماس أيضًا التي تريد إسقاط المشروع برمته لإعادة خلط الأوراق وفق أجندتها. وهنا يلتقي الطرفان المتناقضان على هدف واحد: أن تبقى الانتخابات مجرد فقاعة إعلامية، تُجرى في ظل غياب الأفق السياسي، مما يدفع أغلبية الناس إلى الإحباط، ويعمق الانقسام، ويقتل أي أمل في إقامة دولة حقيقية.
ولكن هناك أيضًا فئة ثالثة، هي الحالمون بالدولة الواحدة، الذين يرون في انهيار المشروع الحالي فرصة لبدء معادلة جديدة. والمفارقة الأكثر إيلامًا أن كلًا من هؤلاء الأطراف – إسرائيل، حماس، وحتى بعض أنصار الدولة الواحدة – ليس لديهم مشكلة في أن يستمر الصراع ألف عام أخرى، لأنهم ليسوا الوقود الذي يُحرق في هذه الحرب، وليسوا الدماء التي تروي تراب فلسطين كل صباح، فهم ليسوا في عجلة من أمرهم!
بين أفق التداول الديمقراطي ومخاطر الانقسام تقف الانتخابات أمام مفترق طرق: إما أن تمنح المشروع الوطني جرعة حياة جديدة أو تتحول إلى فقاعة إعلامية تُعمّق الانقسام وتُضعف الأمل في الدولة الفلسطينية
ومن هنا، تبرز الخطورة الكبرى في النظر إلى الانتخابات وكأنها عصا سحرية. فالانتخابات وحدها، دون وجود برنامج وطني واضح، ودون وحدة داخلية حقيقية، ودون ضمانات دولية ملزمة، قد تصبح شرًا مستطيرًا. وأيضًا أرى أن طرح اسم الأسير القائد مروان البرغوثي، الذي نكنّ له كل الاحترام والتقدير، كمرشح رمزي، مهما كانت مكانته الوطنية، ليس حلًا بل قد يكون انتحارًا للمشروع، لأن رئيسًا في سجن الاحتلال لا يستطيع إدارة الحياة اليومية بتعقيداتها، ولا يستطيع الوقوف أمام العالم كوجه لفلسطين في أخطر مراحلها، وهذا يعتبر تغليبًا للرمزية على الواقع المرير.
بالمحصلة، إن الانتخابات ليست بديلًا عن التحرر، وليست نهاية الطريق، بل هي أداة، وقيمتها تتحدد بطريقة استخدامها. الفلسطينيون بحاجة إلى انتخابات تعيد بناء مؤسساتهم، وتعزز وحدتهم، وتمنحهم أفقًا سياسيًا، لكنهم في الوقت نفسه بحاجة إلى وعي جماعي بأنها ليست حلًا معجزة، وأن الخطر الحقيقي ليس في إجرائها، بل في إجرائها بشكل خاطئ، يجعل منها “شر البلية” الذي يضحك عليه الجمهور بينما يسقط المصارع الجريح في حلبة الاحتلال.
المقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ولا يعبر بأي حال عن موقف رسمي.