اتفاق مكة الدفاعي والمعادلة الجديدة: من ينتظر فشل مَن؟

إيران: من مصيدة هرمز إلى حصار المصالح العالمية.
الخميس 2026/08/13
أذرع أم عبءٌ استراتيجي؟

منذ اندلاع الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل على إيران، بدا المشهد وكأنه يضع واشنطن في مصيدة داخل مضيق هرمز. لكن التطورات الأخيرة تكشف صورة معاكسة؛ فإيران نفسها محاصرة في طوق استراتيجي محكم، بين انهيار اقتصادي، تحالفات إقليمية، وتراجع نفوذ وكلائها، ما يجعل خياراتها محدودة.

منذ اندلاع الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل على إيران، ساد تحليل واسع مفاده أن الولايات المتحدة وقعت في “مصيدة الحرب” – لا سيما في مضيق هرمز – وأن العالم يترقب فشلاً أميركياً آخر على غرار أفغانستان والعراق. لكن القراءة المتأنية للمشهد، خصوصاً بعد التطورات الدراماتيكية التي شهدها الأمس القريب، ترسم صورة قد تكون معاكسة تماماً. من وجهة نظري، إيران ليست مَن تحاصر أميركا، بل هي التي تجد نفسها محاصرة في طوق استراتيجي محكم، لم يعد يترك لها سوى خيارين: الانهيار أو الانصياع.

كيف؟

للإجابة عن هذا السؤال، يجب النظر إلى خمسة عوامل رئيسية:

أولاً: إيران تنزف اقتصادياً ولا تستطيع تحمّل المزيد. فالحقيقة التي يتغافل عنها الكثيرون هي أن الاقتصاد الإيراني يعاني نزيفاً حاداً لا يحتمل؛ إذ إن العقوبات الأميركية لم تكتفِ بخنق تصدير النفط، بل أدت إلى انهيار غير مسبوق في العملة الإيرانية، حيث تجاوز التضخم 40%، وتوقفت عجلات الإنتاج في القطاعات الحيوية. والأكثر إيلاماً أن الضربات الأميركية المتكررة خلال الشهور الخمسة الماضية لم تكن مجرد استعراض، بل جراحاً عميقة في جسد الدولة التي تتحكم في الصورة التي تخرج للإعلام، وتفرض حصاراً صارماً عليها. وحسب الرئيس الإيراني بزشكيان – والكثير من المحللين – فقد باتت طهران اليوم تعجز عن دعم عملتها، وتعجز حتى عن تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء. وأي ضربات أميركية إضافية للبنية التحتية أو لبنية الطاقة ستعني شللاً تاماً للدولة، وربما انهياراً كاملاً للنسيج الاجتماعي والاقتصادي. وأرى أن الفارق الجوهري هنا هو أن أميركا تتألم سياسياً واقتصادياً، لكن إيران تتألم وجودياً. ولكن من يملك القدرة على الصمود أكثر من الآخر؟

ثانياً: اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، والذي تم التوقيع عليه مؤخراً، يغلق الباب أمام “الاستعراض” الإيراني. لكن المهم هنا أن هذا الاتفاق لم يكن مجرد أداة لمواجهة إيران، بل جاء أيضاً كنتيجة لفقدان الثقة الإقليمية بالضمانات الأمريكية التقليدية، حيث باتت الدول الخليجية تبحث عن مظلة دفاع مستقلة لا تعتمد كلياً على واشنطن. هذا التطور يعيد تشكيل خريطة القوة في المنطقة؛ فبعد التوقيع الرسمي على الاتفاقية – التي تنص صراحة على أن “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع” – تُرسل رسالة واضحة لإيران بأنها لن تكون قادرة بعد اليوم على استعراض قوتها ضد السعودية عبر الصواريخ أو الوكلاء في اليمن وغيرها. فهذا التحالف الثلاثي هو بمثابة حائط صد استراتيجي على حدود إيران الغربية (عبر تركيا) والشرقية (عبر باكستان) والجنوبية الغربية (عبر السعودية). وأي مغامرة عسكرية إيرانية ستواجه بردّ ثلاثي موجع. ببساطة، أصبحت إيران محاطة بأطراف تمتلك جيوشاً نظامية قوية، وهذا يحيد تماماً ورقة التهديد التي كانت تلعب عليها طهران لابتزاز جيرانها. فـ”الاستعراض الإيراني” الذي راهنت عليه لعقود أصبح الآن مكشوفاً ومردوداً بسحق عسكري ثلاثي الأبعاد.

إيران ليست من تحاصر أميركا بل هي المحاصَرة في طوق استراتيجي محكم بين انهيار اقتصادي وتهديدات عسكرية وخياراتها تضيق يومًا بعد يوم

ثالثاً: حلفاء إيران يعيشون اليوم حالة من توتر المصالح أكثر مما هي تخلي مطلق. فروسيا، المنهكة في أوكرانيا، قد تجد في صفقة مع واشنطن مخرجاً يحفظ لها شيئاً من ماء الوجه، لكنها في المقابل تدرك أن إيران تمنحها امتيازات ملاحية حساسة في الخليج وغطاءً دبلوماسياً في المحافل الدولية. أما الصين، فبينما هي تاجر بارد يبحث عن الأسواق الأميركية والتكنولوجيا الغربية، فإن بكين تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني الرخيص، وتستفيد من طهران كقناة لتهريب العملات والالتفاف على العقوبات، مما يخلق علاقة مصالح معقدة تمنع التخلي الكامل. لكن في الوقت نفسه، فإن إغراق العالم بحرب طويلة في الخليج يعطل سلاسل التوريد العالمية، وهذا ما لا تريده بكين أبداً. وعليه، فالصين مستعدة للضغط على إيران مقابل صفقات اقتصادية أميركية مغرية، بينما لن تتردد روسيا في التضحية بحليفتها غير المخلصة إذا عرضت عليها الصفقة المناسبة. فطهران لا تملك أصدقاء مخلصين، بل شركاء ظرفيين أصبح ظرفهم يميل نحو التسوية، لا المواجهة.

رابعاً: مضيق هرمز لم يعد سلاحاً نافذاً، بل مسدساً موجهاً ضد إيران. من الصحيح القول إن إيران ما زالت تملك سلاح تعطيل الملاحة في المضيق، لكن هذا السلاح أصبح ذا حدين؛ فإغلاق المضيق سيرفع أسعار النفط عالمياً، وسيغضب الصين والهند وأوروبا، وربما سيدفع التحالف الثلاثي (السعودية–تركيا–باكستان) إلى التحرك عسكرياً لفتحه بالقوة، باعتباره عدواناً إذا تعرضت سفنها للقصف. ويجب ألا ننسى أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، تعمل منذ بداية الحرب على مد خطوط أنابيب لتصل موانئها على البحر الأحمر لتجاوز هذه العقبة، والتقارير تشير إلى أن الأعمال جارية، وسينتهي إنشاؤها بحلول 2028. وعليه، ستكون حاجة العالم أقل لمضيق هرمز لاستمرار تدفق النفط بالكميات المطلوبة. وأعتقد أن إيران اليوم باتت تدرك أن استمرار التصعيد في المضيق لن يزيد الضغط على أمريكا فحسب، بل سيقلب العالم بأسره ضدها، وسيجعل خيار التدخل العسكري المباشر أكثر قبولاً دولياً.

ومع كل ما تقدم، يجدر بنا الاعتراف بأن المشهد العسكري لم يُحسم بعد على الأرض بشكل قاطع؛ فقد أشارت تقارير الأيام الأخيرة إلى تفضيل الإدارة الأمريكية التحول إلى “الحرب الاقتصادية” وتعليق الضربات الجوية المباشرة مؤقتاً، مما يعكس حالة من الجمود الاستراتيجي واستنزاف للذخائر، ويدفع الجميع نحو سباق الصبر أكثر من سباق النصر. فهذا التعليق لا يعني تراجع أمريكا، بل يعني أنها تراهن على خنق إيران اقتصادياً حتى الانهيار دون حاجة إلى مزيد من القصف، وهو ما يؤكد أن الطوق الاستراتيجي المحكم يعمل بتوازن بين العصا العسكرية والجزرة الاقتصادية.

خامساً: شبكة الميليشيات الإيرانية قد تحولت من أداة نفوذ إلى عبء استراتيجي محاصَر. ربما كان أحد أهم الأوهام التي راهنت عليها إيران هو “جيش الوكلاء” المنتشر في أربع دول عربية؛ فمنذ عقود، بنت طهران شبكة من الميليشيات المسلحة لتكون ذراعها الطويلة للضغط على الخليج. لكن المفارقة الاستراتيجية هنا هي أن إسرائيل استفادت أيضاً من هذا التهديد الإيراني، حيث وجدت في إيران “العدو المثالي” الذي يبرر وجودها العسكري وتوسعها النووي، ورقة ضغط لإجبار الأنظمة العربية على الاختيار بين التحالف مع طهران أو الانخراط مع تل أبيب، في لعبة تخادم غير معلنة استمرت لعقود؛ إذ كان كل طرف يستخدم الآخر كورقة لابتزاز العرب والغرب على حد سواء. لكن المشهد اليوم يختلف جذرياً؛ فالولايات المتحدة قررت تغيير الاتجاه وتدمير هذا المشروع بالكامل. وعليه، فإن هذه الميليشيات لم تعد أوراق ضغط ناجحة، بل تحولت إلى عبء مالي وعسكري وسياسي يُغرق إيران في مستنقعات لا تستطيع الخروج منها:

التحالف الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان أغلق الباب أمام الاستعراض الإيراني محولًا محيطها إلى جدار صد استراتيجي يحد من قدرتها على المناورة

• الحوثيون في اليمن، رغم استمرارهم في الهجمات على البحر الأحمر، إلا أن الضربات الأمريكية والبريطانية الموجعة التي طالت قدراتهم العسكرية، وأدت إلى تحييدها خلال الفترة السابقة، وعودة نشاط القوات العسكرية الحكومية، بالإضافة إلى الحصار البحري، جعلتهم غير قادرين على تحقيق أي اختراق ميداني أو استراتيجي. هم اليوم يستهلكون صواريخهم دون مقابل، ولا يشكلون تهديداً حقيقياً للسعودية أو مضيق باب المندب الذي هددوا بإغلاقه، وذلك بعد أن أغلق اتفاق مكة الدفاعي الباب أمام أي تسوية عسكرية مواتية لهم.

• في لبنان، يعيش حزب الله أزمة وجودية في الداخل اللبناني، حيث انكشفت هيمنته السياسية والعسكرية، وبات يواجه معارضة داخلية واسعة تتهمه بجرّ لبنان إلى حرب إقليمية لا طاقة له بها، تنفيذاً لرغبات إيران. فالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية – والتي تتقدم ببطء – والتهديدات الإسرائيلية المتكررة بتوجيه ضربات قاسية، إلى جانب عزلة الحزب السياسية، كلها جعلت منه ورقة مشلولة بدلاً من أن يكون ورقة هجومية.

• أما في العراق، فقد تعرضت مقار الفصائل المسلحة الموالية لإيران لضربات أميركية دقيقة وحاسمة خلال الشهور الماضية، مما أدى إلى تصفية العديد من قادتها الميدانيين. والأهم أن الأطراف السياسية العراقية، بقيادة رئيس الوزراء، وبإجماع وطني غير مسبوق، بدأت تبتعد عن الصراع الإقليمي وتعمل على إخراج العراق من دائرة المواجهة؛ حيث حددت نهاية سبتمبر موعداً نهائياً لتسليم سلاح تلك الفصائل، عدا عن القبض على عدد كبير من الشخصيات في إطار مكافحة الفساد، مما ساعد على تجفيف شبكات المال والنفوذ التي كانت تدعم تلك الفصائل، وجعلها معزولة حتى عن حاضنتها السياسية والتمويل الضروري لاستمرارها.

• وفي فلسطين، بعد حرب غزة الأخيرة وتآكل القدرات العسكرية للفصائل، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي (التابعتين لإيران)، أصبحت غير قادرة على شن هجمات ضد إسرائيل، وباتت تشكل عبئاً على إيران التي لا تزال تنفق عليها دون أن تجني أي مكاسب ميدانية أو تفاوضية. وإن اتفاق تسليم السلاح الأخير هو بمثابة إعلان الفشل الكامل لتلك الحركات ولمشغّلها، في الوقت الذي أصبحت تتجه فيه الأنظار نحو التطبيع الإقليمي والهدوء الأمني.

والنتيجة الحاسمة هي أن هذه الميليشيات، التي كانت تمثل “حزام النار” للضغط على الخليج، تحولت إلى مستنقع يستنزف موارد إيران المالية والعسكرية دون أي عائد استراتيجي، وأصبحت هي الأخرى محاصرة، مما يجعل قدرة طهران على المناورة في أي صراع مستقبلي شبه صفرية تماماً.

شبكة الميليشيات الإيرانية تحولت من أداة نفوذ إلى عبء استراتيجي تستنزف مواردها دون مكاسب لتصبح طهران محاصرة داخليًا وخارجيًا في معادلة شبه صفرية

والخلاصة هي أن إيران أمام خيارين لا ثالث لهما. فالجمع بين هذه العوامل الخمسة – الانهيار الاقتصادي الوشيك، التحالف الدفاعي الثلاثي، توتر المصالح مع روسيا والصين، شلل ورقة المضيق، وتحييد شبكة الميليشيات – يرسم صورة واضحة لا لبس فيها: إيران ليست من تحاصر أمريكا، بل هي التي وقعت في مصيدة المصالح العالمية.

فما كان يُظن أنه “فخ أميركي” في مضيق هرمز، تحول مع الوقت ليصبح طوقاً استراتيجياً متكاملاً أُحكم إغلاقه بذكاء من مختلف الأطراف، عبر توظيف مصالح القوى الكبرى ووحدة الخصوم الإقليميين. وحتى مع الاعتراف بحالة الجمود العسكري الراهنة، فإن تحول المعركة إلى خانة الاقتصاد والعقوبات يصب في صالح أمريكا التي تملك أدوات حصار أطول نفساً، وليس في صالح إيران المنهكة.

وعليه، فالخيارات المتبقية لطهران لم تعد كثيرة: إما الانهيار الكامل إذا استمرت في التصعيد وتعرضت لضربات إضافية تشل الدولة وتقطع أوصال شبكة وكلائها، أو الانصياع والخضوع لصفقة تمنحها مخرجاً مشرفاً نسبياً، بالتراجع عن برنامجها النووي، والتخلي عن تهديداتها الإقليمية، وإنهاء ميليشياتها بالكامل، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات ومحاولة الانخراط من جديد في النظام الدولي الذي يتشكل.

أميركا ليست عالقة في مستنقع، بل إن تقاطع مصالح القوى الكبرى وتحولات الخريطة الإقليمية هو ما سيحدد معالم المرحلة القادمة. بالنسبة لي، أرى أن العالم ينتظر انهيار إيران، وليس فشل أميركا، وإن كان الكثيرون يرغبون في رؤية فشل أمريكا. والسؤال الحقيقي الآن ليس: “هل ستنصاع إيران؟”، بل: “متى ستعلن انصياعها، وما هو الثمن الذي ستدفعه مقابل بقائها؟”

2