7 آلاف جرس إنذار: الخليج على خط النار الإيراني
نيويورك - من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين بمدينة نيويورك، ألقى وزير الخارجية البحريني، عبداللطيف الزياني، خطابا وثق بالأرقام حجم الزلزال الأمني الذي يضرب منطقة الخليج العربي.
جاء هذا الخطاب في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد، إذ يعكس تحوله من اللغة الدبلوماسية التقليدية إلى إحصائيات ميدانية صارخة تكشف تكلفة الحرب الدائرة منذ أواخر فبراير الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، لتقدم رصدا دقيقا لانعكاسات الصراع على أمن الإمدادات العالمية ومستقبل الاستقرار الإقليمي.
وقال الزياني "ليست هذه أرقاما مجردة، فخلف كل رقم منها سفينة، وميناء، وسوق، وأسر تنتظر عودة معيليها".
في سرد يوثق اتساع رقعة الصراع، كشف الوزير البحريني أن دول مجلس التعاون الخليجي والأردن قد تعرضت لنحو سبعة آلاف هجوم إيراني بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة منذ نهاية فبراير الماضي.
ولم تكن هذه الهجمات مجرد حوادث عابرة، بل تم تفصيلها في أرقام واضحة تفضح استهداف البنية التحتية الحيوية:
شملت الاعتداءات إطلاق 1700 صاروخ باليستي، و80 صاروخ كروز، إضافة إلى 5220 طائرة مسيرة استهدفت المنشآت المدنية، والمواقع السكنية، والموانئ، والمطارات، ومنشآت قطاع الطاقة الحيوي.
امتدت النيران الإيرانية لتطال عصب الاقتصاد العالمي، حيث أشار الزياني إلى استهداف 72 سفينة تجارية، مما أدى إلى وفاة 22 بحارا، فضلا عن ممارسات خطيرة تمثلت في زرع الألغام في الممرات الملاحية الدولية وفرض قيود غير قانونية على العبور في مضيق هرمز.
شكل الملف الملاحي ومستقبل مضيق هرمز محورا أساسيا في الخطاب البحريني، حيث قدمت المنامة مقاربة قانونية صارمة تقوم على رفض محاولات تحويل الممرات المائية الدولية إلى أوراق ضغط سياسي أو ابتزاز اقتصادي.
وأكد الزياني أن موقف بلاده يستند إلى القانون لا إلى الاصطفافات السياسية الضيقة، مشددا على أن مضيق هرمز ممر ملاحي دولي مقرر لسفن العالم كافة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وفي هذا السياق، أعلنت البحرين رفضها القاطع لأي نظام تصاريح أو رسوم تحاول أي دولة فرضها منفردة على حركة العبور، مؤكدة أن تداعيات هذه القيود والاعتداءات تتجاوز جغرافية الخليج العربي لتضرب بعمق أسعار الطاقة العالمية، وتضاعف تكاليف الشحن والتأمين وتعيق سلاسل الإمداد في العالم أجمع.
الربط بين جبهتي مضيق هرمز وباب المندب يكشف عن خطورة استراتيجية التطويق التي تستهدف شرايين الاقتصاد العالمي عبر تهديد حرية الملاحة
ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران تعثرا ملحوظا بسبب الخلافات المستحكمة حول أمن الملاحة في هذا الشريان الاستراتيجي.
من الملفات البارزة التي طرحها الخطاب، الربط العضوي بين التصعيد الإيراني المباشر وبين تحركات جماعة الحوثي في اليمن، والتي عملت خلال شهر سبتمبر الجاري على توسيع نطاق سيطرتها على الساحل الغربي، واحتلال مدينة المخا ومناطق حيوية قرب مضيق باب المندب، بما في ذلك جزيرة ميون ومنطقة ذو باب.
وأوضح الزياني أن هذه السيطرة الميدانية تشكل تهديدا مباشرا لحرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، مما يضاعف من الضغوط المفروضة أصلاً على حركة الشحن العالمية في مضيق هرمز.
وإلى جانب الأزمة الخليجية وتداعياتها الميدانية والملاحية، استعرض الزياني مواقف دول مجلس التعاون الثابتة تجاه قضايا المنطقة الملتهبة، مرسخا رؤية متكاملة لتحقيق الاستقرار تبدأ من التأكيد على أن القضية الفلسطينية تظل في صميم الاهتمامات عبر التشديد على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافيا بجوار إسرائيل لضمان الأمن والسلام المستدامين، ولا تتوقف عند المطالبة بدعم وحدة الجمهورية العربية السورية وسيادتها وسلامة أراضيها وتأييد الجهود الرامية لرفع العقوبات بما يمكن الشعب السوري من إعادة الإعمار، بل تمتد لتشمل الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار في السودان لحماية المدنيين وتأمين وصول إنساني دون عوائق وحفظ وحدة مؤسسات دولته، وصولا إلى تجديد الدعم لحل سياسي شامل في اليمن برعاية أممية وتحت قيادة الحكومة الشرعية بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة برمتها.
ختم وزير الخارجية البحريني خطابه بتوجيه رسالة نقدية للآليات الدولية، مشيرا إلى أن الشعار المطروح للجمعية العامة هذا العام، المتعلق باستعادة الثقة وإدارة التحول وأمم متحدة في خدمة الجميع، يلامس جوهر التحديات الراهنة.
ورغم ذلك، شدد الزياني على أن "الثقة لا تستعاد بالبيانات ولا بتكرار الدعوات، بل بتطبيق القانون، وبترجمة قرارات هذه المنظمة إلى حماية فعلية لأرواح الناس وحقوقهم ومصادر رزقهم"، ليبقى الخطاب بمثابة وثيقة إدانات صارخة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية في كبح التجاوزات الإيرانية وحماية أمن استقرار الشرق الأوسط والعالم.
يمثل خطاب وزير الخارجية البحريني وثيقة إدانة استراتيجية تتجاوز التنديد السياسي العابر لتضع الأمم المتحدة أمام استحقاقاتها القانونية والأخلاقية، فالربط الدقيق بين جبهتي مضيق هرمز وباب المندب يكشف عن خطورة استراتيجية التطويق التي تستهدف شرايين الاقتصاد العالمي عبر تهديد حرية الملاحة ورفع تكاليف الشحن والتأمين.
كما أن توجيه الزياني رسالة نقدية صريحة للآليات الدولية، ودعوته للانتقال من "تكرار الدعوات والبيانات" إلى "تطبيق القانون الفعلي"، يبرز حالة الإحباط الإقليمي من عجز المؤسسات الدولية عن كبح تداعيات الاستقطاب الحاد والمواجهة العسكرية المفتوحة التي تهدد استقرار الشرق الأوسط بأسره.