إيفلين عشم الله تخلق من حكاياتها المرحة أماكن وأساطير يوميّة وكائنات
تسحبنا تجربة الفنانة التشكيلية المصرية إيفلين عشم الله إلى عوالمها التي تعتبر أحد المسارات البصرية المميزة في الفن المصري المعاصر، حيث تتداخل الذاكرة بالخيال، واليومي بالأسطوري، في عوالم لونية نابضة بالدهشة والتأمل، تعيد تشكيل الواقع عبر رؤية حسية تتجاوز المباشر نحو أفق جمالي مفتوح على التأويل.
“في تفاصيل الحياة الصغيرة تكمن الحكايات الكبرى”، كما عبّر نجيب محفوظ سرديًا، وكما تنبثق تجربة التشكيلية المصرية إيفلين عشم الله من نسيج يوميّ مألوف، تعيد صياغته بصريًا ليغدو مجالًا للتأمل. الشخوص التي تحضر، والألوان التي تتفجّر في أعمالها، ليست بطولية ولا استثنائية، بل تلقائية، هامشية، مشغولة بإيقاع الحياة العابر، غرائبية تطفو ومشاكسة في تطلعاتها المرِحة والمتناقضة، تحمل في صمتها كثافة وجودية، كأنها تعيش على حافة الحكاية دون أن ترويها.
كائنات صديقة الدهشة
هي تجربة حملتنا الصدفة إليها، ذات حوار عن الفن والاقتناء مع التشكيلي العراقي المقيم في النمسا فائق رسول، الذي دلّني عليها بين ثنايا الفن وحديث التجارب، قال إن لها حضورًا مختلفًا ورؤى ترشح بألوان حكاياتها المرِحة وتسلسلها المُندفع إلى الأمكنة والملامح والأزقة والحارات، لعمقها المصري وتجريبها وإنسانية حضورها المشرق.
عوالم الفنانة تجمع بين التراث المصري القديم وما التقطته عبر أسفارها ومن الأمكنة لتخلق مسارا بصريا خاصا
السفر إلى عالم إيفلين عشم الله الفني وأعمالها الكثيفة بمثابة الاكتشاف والدهشة؛ اكتشفنا أنها تحمل روحها على وسائط الجمال الإنساني، وتجاور الطفولة مع الأسطورة مع اليومي، وتتنفس الألوان ببراءةٍ شفافة. هذه التجربة ليست مجرد حضور عابر في المشهد الفني التشكيلي المصري، بل أثر بصري حي يحمل ذاكرة شفافة ودهشة جمالية تستحق أن تُصان داخل فضاء الفن.
تعكس اللوحات التي تقدّمها عشم الله عوالمها التي لا تفتح لنا أبوابها فقط باعتبارنا متلقين مهتمين وقارئين نعبر بين سطوحها كألوان، بل ندخل إليها باعتبارها ذاكرة مُشتعلة تتنفس عبر المادة، من خلال الحلم والخيال، نحو عالم يكتب نفسه لا بالحبر بل بالصباغة، وبالحدس، وبذلك الصمت الذي يسبق المعنى.
فهي ليست فنانة تضع الأشياء في مكانها، بل فنانة تُربك المكان كي تكشف حقيقته؛ كأن أعمالها لا تُنجز لتُرى فقط، بل لتُعاش، لتخلق الحيرة وتثير الدهشة، لتترك في المتلقي أثرًا يشبه الصحوة الجميلة أو الارتعاش الأول أمام اكتشاف داخلي.
إن ريادة إيفلين عشم الله لا تكمن في انتمائها إلى مدرسة جاهزة، بل في احتوائها عوالم ثرية جمعت بين التراث المصري القديم وما التقطته عبر أسفارها والأمكنة التي تماهت فيها، وفي قدرتها على ابتكار مسار بصري خاص ينهل من العمق الشعبي المصري دون أن يقع في فخ الفولكلور، ويستفيد من الحداثة دون أن يتحول إلى نسخة مكررة من التجريب العالمي. فهي تُمسك بخيط دقيق بين التراث والتحرر، بين الروحانية والتجريب، وبين الحس الأنثوي العميق والصرامة التشكيلية التي تمنح اللوحة كيانها الصلب وحكاياتها الشفافة الغارقة في عوالم الفانتازيا وسرد الغرابة.
وهو ما يميّز لغتها التشكيلية؛ فهي تعيش شخوصها، وبقدرتها الحسية ومواقفها الفنية تحوّل اللون إلى كائن حي، لون لا يصف بل يقترح، لا يزيّن بل يفتح المجال لحكاياته الساحرة على سطح الواقع. فتظهر في لوحاتها المادة كجزء من الخطاب الفني، حيث يصبح السطح فضاءً للتراكم، للغرابة، للحفر، للتقطيع أحيانًا، وللإنصات الطويل إلى ما تقوله الطبقات الخفية.
الفن الحسي
إن أسلوبها قائم على بناء داخلي للوحة من خلال الشخوص الصاخبة رغم ثباتها، إذ تبدو الأعمال كأنها تنتمي إلى طقس، إلى تجربة حُلمية، تتجاور فيها البساطة مع الغموض، والوضوح مع الأسرار.
في عالم إيفلين عشم الله تتراجع الحدود بين الشكل والمعنى، فالشخوص والعناصر والرموز والملامح الغامضة لها قصصها الممتلئة
في عالم إيفلين عشم الله تتراجع الحدود بين الشكل والمعنى، فالشخوص والعناصر والرموز والملامح الغامضة لها قصصها الممتلئة، وحتى الفراغات تحمل سكون الحبكة وتصعيدها، فتتحول إلى إشارات عن الهوية والأنوثة، عن الصراع والأخيلة المتراكبة بين الزمن والمكان. وكأن اللوحة عندها ليست نهاية الرؤية بل بدايتها؛ إنها تجربة تضع المشاهد في مواجهة سؤال جمالي عميق: هل نرى اللوحة أم نرى أنفسنا عبرها؟
لم تكن تجربة إيفلين عشم الله لتُقرأ باعتبارها مغامرة تشكيلية فردية فقط، بل باعتبارها حالة فنية استوقفت النقاد، لأنها تنتمي إلى تلك الفئة النادرة من الفنانين الذين لا يرسمون العالم كما يبدو، بل كما يُحسّ، ولا يجسّدون الفكرة كمعنى بل كحلم متطرّف الغرابة يتخفّى في طبقاته العميقة.
في منجزها التشكيلي لدى عشم الله قدرة لافتة على ضبط الإيقاع الداخلي للعمل؛ إذ لا تنقاد لوحتها للزخرفة أو للاستعراض، ولا تقع في فخ الخطاب المباشر، بل تُراكم المعنى ببطء، كما لو أن اللوحة تُكتب على مراحل، خاصة إذا اختارت أبعاد الأبيض والأسود، لتتمكّن من أن تُعيد صياغتها داخل زمنها الخاص. هنا لا يكون اللون مجرد عنصر جمالي، بل يصبح كائنًا حيًا يتقدم ويتراجع، يشتعل ثم يهدأ، وكأن السطح التشكيلي يتحول إلى مساحة توتر بين ما يُقال وما يُخفى، فيظهر بمرح صاخب.
يُجمع الكثير من المهتمين بتجربتها على أن إيفلين عشم الله تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”الفن الحسي”، بين فانتازيا ساحرة وتجريب لا يهرب من الواقع، لكنه لا يعترف به كما هو، يعيد تفكيكه ثم يعيد بناءه عبر طبقات من الإيحاء والاختزال والرمزية. ولهذا تبدو اللوحة عندها كأنها ليست لحظة منتهية، بل تراكمات من اللمسات والفراغات والكائنات المندمجة بين بعضها البعض، وكأنها تولد من بعضها بعضا؛ حيث يصبح ملمس المادة جزءًا من اللغة، وحيث تتحول البقع والخدوش والتفاوتات إلى ما يشبه كتابة ثانية، كتابة لا تُقرأ بالعين فقط بل تُلمس بالحدس، خاصة وأن لعشم الله تفاصيل كتابية ومرحلة مدهشة بينها وبين الحرف.
إن تجريبها البصري يظهر كأحد أبرز مفاتيح خصوصيتها؛ فهي تشتغل على اللوحة بوصفها نسيجًا لا واجهة، وتتعامل مع المساحة التشكيلية كحقل للتجريب المادي والروحي في آن واحد. وتتشكل الفراغات كأنها مناطق صمت مدروسة، وتتماهى الخطوط والكتل أحيانًا في بناء يوحي بأن اللوحة ترفض الاستقرار، وأنها في حالة تشكّل دائم، كما لو أنها تتنفس. فأعمالها أقرب إلى اعتبارها “حالة” من “مشهد”، أقرب إلى كونها أثرًا نفسيًا لا وصفًا بصريًا.
المعادلة النادرة
لا يمكن إنكار ذلك التماس الذي يربط أعمالها بتجارب عالمية، خصوصًا بما يشبه أثر التعبيرية الرمزية أو الواقعية الساحرة والفن المادي (Art Informel)، حيث تصبح المادة لغة قائمة بذاتها، وحيث تتحول اللوحة إلى فضاء انفعالي وفلسفي في الوقت نفسه.
الفنانة تشتغل على اللوحة بوصفها نسيجًا لا واجهة، وتتعامل مع المساحة التشكيلية كحقل للتجريب المادي والروحي
وتتجلى خصوصية عشم الله الشرقية في رموز فولكلورية وزخارف تراثية لا تُستخدم كديكور بصري فقط، بل في الروحانية الكامنة، وفي شعور اللوحة بالزمن كطبقات، وفي ذلك الإحساس بأن الذاكرة ليست موضوعًا للرسم، بل مادة تتسرّب داخل اللون نفسه. كأن اللوحة عند إيفلين عشم الله تتذكر أكثر مما تصف، وتستحضر أكثر مما تعرض؛ فمصر لا تظهر في أعمالها كصورة، بل كأثر حضاري يتداخل فيه الفرعوني والقبطي والإسلامي والمتوسطي، لا كحكاية بل كترسيب داخلي، كتاريخ يطفو في الطبقات ثم يختفي، لكنه يعبّر من خلال شخوصه وغرابتها.
بهذا المعنى يمكن القول إن تجريبها التشكيلي يحقق تلك المعادلة النادرة: الانفتاح على التجريب العالمي دون الذوبان فيه، والتمسك بالخصوصية الشرقية دون الوقوع في الانغلاق أو الحنين. إنها تجربة تقف في منطقة شديدة الحساسية بين الحداثة والجذور، بين المادة والروح.
فهي لا تريد أن تُفهم بسرعة، لأنها لا تُنجز لتُقرأ كصورة، بل لتُعاش كحالة. اللوحات تحمل أثر السؤال أكثر مما تحمل جوابًا، وتترك المتلقي أمام ذلك الانطباع العميق: أن الفن ليس ترفًا بصريًا، بل شكل آخر من أشكال الاعتراف بالوجود، وبالشرق حين يتحول إلى حداثة حسّية لا إلى شعار.