إسماعيل خياط.. حين يتحوّل الجرح إلى ذاكرة بصرية

فنان يكتب الهوية والمنفى والإنسان عبر اللون والصمت.
السبت 2026/05/30
فنان أبصر العالم من شقوق الألم

تتجاوز تجربة الفنان التشكيلي العراقي إسماعيل خياط حدود الرسم بوصفه فعلاً جمالياً، لتغدو كتابة بصرية للهوية والذاكرة والوجع الإنساني. ففي أعماله تتقاطع المأساة مع الشعر، والمنفى مع الحلم، ويتحوّل اللون إلى لغة وجودية تكشف هشاشة الإنسان وأسئلته العميقة في مواجهة الخراب والنسيان.

يحمل المرسم الخاص بالفنان التشكيلي العراقي فائق رسول في النمسا مقتنيات من أعمال فنية وتجارب متنوّعة تتقدّمها مجموعة لوحات التشكيلي إسماعيل خياط، هذه المجموعة التي توقفك أمامها لعدة تأملات وتستحيل بين الرؤية والرؤى إلى محاورة بصرية إنسانية عميقة بين التفاعل الثقافي والمعاناة والانتماء والهوية.

 ويقول فائق رسول في وصف هذه المجموعة إنها “تعكس كيانا متماسكا يتجاوز فكرة التجميع نحو الرؤية الأعمق. فالمجموعة، التي تقارب ثلاثين عملاً، لا تُقدَّم كخزانة مقتنيات، بل كاختيار جمالي وإنساني واعٍ، يقوم على إدراك أن الفن ليس ترفا بصريا بل شكل من أشكال المعرفة الداخلية، ووسيلة لفهم هشاشة الإنسان وامتداداته غير المرئية في العالم”.

الفن فعل مقاومة

تجربة تشبه ذاتها وتشبه بيئتها وهويتها وآلامها التي منها سطعت ولم تستسلم إلا لرؤى التجريب الحسي والجمالي

ومن هنا، لا يبدو الاقتناء، في قراءة فائق رسول، فعلا تزيينيا أو استثماريا، بل موقفا وجوديا يرى في العمل الفني كائنا حيّا يستحق أن يجاور الحياة لا أن يُؤرشف خارجها. إنها ذاكرة مفتوحة على التجربة، متنقلة بين التفاصيل البصرية، لذلك تتقدّم أعمال خياط داخل هذا السياق بوصفها صدى لمكانتها الخاصة؛ لوحات لا تُشترى بوصفها أشياء، بل تُستقبل كتجارب روحية مكثفة، قاومت الطغيان والطمس، وحملت في عمقها سؤال الإنسان عن نفسه أكثر مما حملت أجوبة جاهزة تعدّد مآسيه أو تحصرها في الإبادات والاعتقالات.

ولعل التأمل في التجارب الفنية الكبرى يحيل على أن الفنان لا يكون مجرد صانع صور، بل كائناً أعاد ويعيد اكتشاف معنى الوجود عبر اللون والخط والكتلة، ومن هذا الأفق يمكن قراءة تجربة إسماعيل خياط التشكيلي العراقي الراحل بوصفها واحدة من أكثر التجارب التشكيلية العراقية والعربية فرادة وعمقا وألما وإنسانية، وهو ما تجلى في المجموعة التي يمتلكها فائق رسول، تأملها يحيل على تجربة تشبه ذاتها وتشبه بيئتها وهويتها وآلامها التي منها سطعت ولم تستسلم إلا لرؤى التجريب الحسي والجمالي والذهني المندفع نحو خطوط الحلم من الواقع من العلامات من الطبيعة من الملامح، تجربة لم تتعامل مع الرسم باعتباره ممارسة جمالية معزولة، بل باعتباره فعل مقاومة وجوديا يواجه الخراب الإنساني، ويقاوم النسيان عبر الفن.

منذ بداياته، لم يكن إسماعيل خياط معنيا بإنتاج لوحة “جميلة” بالمعنى التقليدي للكلمة وبالمعنى المنتظر للتعبير الحسي المركّز على فكرة رصد الهوية بالتفاصيل التي تعبّر عنها ظاهريا، بل كان يسعى إلى تحرير الصورة من برودها الزخرفي، وتحويلها إلى كائن حيّ يختزن القلق والألم والذاكرة.

كل هذا جعل أعماله مشحونة بطاقة داخلية كثيفة، طاقة قادرة على التسرّب بشكل مختلف التفاصيل من اللوحة والوجوه إلى عمق الذاكرة وثقوبها في رصد المتلقي لتلك الوجوه المتآكلة، الأجساد الهشة، العيون المعلّقة بين الصرخة والصمت، وخلفياتها التي تبدو كما لو أنها جدران خرجت للتو من حرب طويلة، كان يرسم الإنسان لا بوصفه هيئة تشريحية، بل بوصفه أثرا نفسيا وروحيا يحتاج مواجهة ذاته ليعبّر بها.

كردستان حلم وكوابيس

pp

نشأ خياط في بيئة مثقلة بالتحولات السياسية والاقتلاع والحروب، فانعكس ذلك على لغته البصرية التي تشكلت من تماسّ دائم مع الفقد والمنفى والهوية المهددة، هكذا كان يبدو في تشريحه لرؤاه وعبوره نحو عمق ذاته وانتماء روحه لأرضها الترابية وعناصرها الطبيعية ودخان اقتلاعها المهدّد لبقائه.

غير أنه لم يبق حبيس كل ذلك ولم يكن مجردا عنه بل بحث في خصوصيته في العالق منه من وجوده ومن حضوره من انتمائه ومعايشاته، حيث امتلك الطريقة التي حوّل بها الألم إلى بناء جمالي، والأسلوب الذي عبر به من مجرد ألم يتعايش فيه إلى تفصيل بصري يرصد تحولات ذلك الألم ومراحله ونضجه وتآكله وانعكاسه.

 ومن خلال أسلوبه الذي بلور كثافة التفاصيل والمشاعر والانعكاسات لم يسكن بالألم في لوحاته ولم يشرح معاناته كفعل فردي وتفرّد تعبيري، بل جعل المتلقي يعيشها حسيا، يشاركه فيها بوعي ونضج وتأمل قلق في تناقضات الأمل المفضي إلى الجمال المشتهى من الحياة والانتماء.

اختياراته للون تقفز على فكرة المعاناة وتُعلي الألم بصفته فعلا جماليا قابلا لأن يكوّن ذاكرة كثيفة، فيه تتجادل الألوان بشكل شاعري تعبيري، فالأحمر نزيف داخلي، والرمادي غبار أرواح، والبني الترابي يشبه جسد الأرض بعد الحروب. أما كثافة العلامات والخطوط والهياكل فتشكل فوضى وفزعا وانفلاتا من لحظة الموت والتصعيد.

يمكن القول إن تجربة إسماعيل خياط تجاوزت الواقعية التعبيرية إلى ما يشبه “الميتافيزيقا البصرية” كما عبّر الكثير من نقاد الفن، فالكائنات في أعماله تبدو معلقة بين الأرض والعدم، بين الحضور والمحو. وهذا يشعر المتلقي أن اللوحة لا تعرض مشهدا بل تكشف مصيرا إنسانيا.

تجربة لم تتعامل مع الرسم باعتباره ممارسة جمالية معزولة، بل باعتباره فعل مقاومة وجوديا يواجه الخراب الإنساني

التساؤلات الفلسفية

 تتقاطع تجربة إسماعيل خياط مع الأسئلة الفلسفية الكبرى حول معنى الألم، وهشاشة الكائن، وقدرة الفن على منح الحياة معنى الخلود في مواجهة العبث.

أكثر ما منح تجربته فرادتها هو علاقته العميقة بالفكرة بالاعتماد على الطبيعة، لقد تعامل مع الصخور والجبال والتراب كامتداد لجسد الإنسان، وجسّد ذلك في مشروع تلوين الصخور في الجبال الكردية بكثافة تعكس تلك الطبيعة المتفجّرة بالحياة، حيث لم يكن يقوم بفعل تشكيلي عابر، بل كان يكتب ذاكرة شعب على جسد الطبيعة نفسها، كانت الصخور بالنسبة إليه شاهدة على التاريخ والوجع، ولهذا حاول أن يمنحها صوتا أو إيقاعا بصريا أو أكثر من الصوت ضجة وصخبا.

لقد نقل الفن من القاعة المغلقة إلى الفضاء الكوني، من عتمة المعتقلات إلى فضاء الطبيعة الحرة، وكأنه يقول إن الجمال الحقيقي يولد حين يتصالح الإنسان مع أرضه وذاكرته. هذه المصالحة خاضها وهو ينكشف على الألم ويتكاشف به، وهذه الرؤية جعلت النقاد يصفونه بأنه أحد أكثر الفنانين العراقيين قدرة على تحويل المحلي إلى إنساني شامل، فالهوية الكردية في أعماله لا تظهر كشعار سياسي، بل كإحساس عميق بالانتماء والاقتلاع في آن واحد، حالة صراع بين الذاتي والجماعي والإنساني، ولهذا استطاعت تجربته أن تلامس الإنسان العربي والعالمي معا، لأن جوهرها لم يكن رمز انتماء ضيق، بل إنسانيا مفتوحا على الألم البشري.

 استطاع خياط أن يعيد تعريف وظيفة الفن العراقي المعاصر بعد عقود من التحولات العنيفة، فبينما اتجه بعض الفنانين إلى التجريد البارد أو الاشتغال الشكلي، ظل خياط وفياً لفكرة الفن باعتباره شهادة أخلاقية، ما جعل لوحاته أشبه “بجدران الذاكرة العراقية”، ذاكرة تحمل “شعورا مأساويا نبيلا” يجعل المتلقي في أي مكان من العالم يرى الإنسان من داخله لا من مظهره الخارجي.

الصمت.. بوح الظلال

pp
أعماله مشحونة بطاقة داخلية كثيفة

نجح خياط في خلق معادل بصري لفكرة الصمت، فالشخصيات في أعماله قد تبدو خرساء، لكنها تفيض باعترافات مؤجلة، استطاع إضفاء الشاعرية الغامضة على تجربته، فقد حوّل اللوحة إلى نص بصري مكتوب بالألوان بدلا من الكلمات، العمل في تكوينه الجواني صاخب بصوت الداخل الصارخ.

فجّر الفنان تقنيات ضاجّة، فركّز بصمته الفنية فاتحا الباب أمام جيل كامل من الفنانين للتعامل مع الفن كتجربة روحية وفكرية، لا مجرد مهارة تقنية، فقد أعاد الاعتبار للإنسان باعتباره مركز العمل التشكيلي، وربط الفن بالذاكرة الجمعية والجرح التاريخي.

ولهذا ظل حضوره مؤثرا في المشهد التشكيلي العربي، خاصة لدى الفنانين الذين اشتغلوا على ثيمات الحرب والمنفى والهوية.

إن تجربة إسماعيل خياط تكشف أن الفن الحقيقي لا يولد من الوفرة، بل من الجرح، وأن اللوحة العظيمة ليست تلك التي تملأ العين فقط، بل تلك التي تترك أثرها في الروح، لقد أبصر العالم من شقوق الألم، وهو يؤمن في العمق، بأن اللون قادر على إنقاذ شيء ما من الإنسان وفيه.

وكما حكم سليم بركات الأسطورة وكيانها وكائناتها حتى تحولت إلى علامات كونية تتجاوز الواقع المباشر، رمّم خياط سيله الصوري برمزية في فكرة الطائر والسمكة والوجه، كائنات هجينة تعيش بين الطبيعة والأسطورة، بين الذاكرة والتخيل، وكأنها تنتمي إلى جغرافيا غير مرئية لكنها محسوسة بصريا.

بهذا المعنى، لا يمكن الحديث عن “تأثير” كردي مباشر على خياط، بل عن تشابه عميق في البنية الجمالية التي تعكس انتماءه وذاكرته التي تسيل لامعة ومشوّهة، دامية وهادئة، مستقرة ومعنّفة، واضحة ومهمّشة، اشتغلها في الغياب والحضور والرحيل كقوة إنتاج للمعنى، ولوحة تشتغل على الصمت كطاقة تشكيلية. في الحالتين، يتحول الإنسان إلى أثر، واللغة إلى ظل، والصورة إلى سؤال مفتوح عن هوية لا تكتمل إلا وهي تتشظى.

8