إدريس المريني لـ"العرب": للسينما المغربية قدرة استثنائية على تحويل التاريخ إلى تجربة عميقة

إنتاج فيلم مغربي تاريخي في أوائل الثمانينات كان مغامرة حقيقية.
الجمعة 2026/01/16
أدرك قوة السينما في إحياء الوعي

يستحضر المخرج إدريس المريني في فيلمه "بامو" ذاكرة المقاومة المغربية، محوّلاً الشاشة إلى وثيقة بصرية تُحيي تضحيات الأجداد ضد الاستعمار. الفيلم استضافه نادي البرنوصي السينمائي، استضافة تقاطع خلالها الفن بالواجب الوطني، ليعيد ربط الأجيال الجديدة بهويتها وتاريخها، مكرسا السينما كأداة حية لصون الذاكرة الجماعية وترسيخ قيم الاستقلال والحرية.

استحضر المخرج المغربي إدريس المريني عبر فيلمه الروائي الطويل “بامو” ذاكرة الوطن، وجعل من الشاشة نافذة تطل على فصل مهم من تاريخ المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي، وتأتي هذه المبادرة في سياق احتفال نادي البرنوصي السينمائي بذكرى تقديم وثيقة الاستقلال، لتؤكد أهمية السينما في نقل التاريخ بطريقة حية ومؤثرة.

وأشار المريني في حديثه مع صحيفة “العرب” إلى أن السينما هي أداة قوية في إحياء الوعي الوطني، وتمكين الأجيال الجديدة من لمس تفاصيل الماضي، وفهم التضحية التي قدمها أجدادها من أجل الحرية والاستقلال، موضحا أن “بامو” يمثل رحلة فنية وجمالية وفكرية، تجمع بين الالتزام الوطني والفن السردي، وتعيد إحياء رواية أحمد زياد على الشاشة بطريقة تمكن المشاهد من عيش أحداثها وكأنها تحدث أمامه مباشرة.

وأوضح إدريس أهمية استضافة نادي البرنوصي السينمائي لفيلم “بامو” في هذه المناسبة الوطنية، معتبرا أن اختيار هذا الفضاء كان دقيقا ومدروسا ليجمع بين الفن والتاريخ. وأن النادي هو فضاء ثقافي يربط بين الجمهور والفن المغربي الأصيل، ويتيح فرصة لإعادة اكتشاف أعمال مهمة من تاريخ السينما الوطنية، معتبرا أن هذه الاستضافة تمنح المشاهدين تجربة متكاملة، إذ يمكنهم التفاعل مع الفيلم، ومناقشة أبعاده التاريخية والفنية، والاطلاع على التفاصيل الدقيقة التي يصعب نقلها في النصوص التاريخية فقط. وأكد المريني أن مثل هذه الفعاليات تعزز الوعي الجماعي بالذاكرة الوطنية، وتجعل السينما أداة للتعليم والثقافة، وتعيد ربط الأجيال الجديدة بالهوية المغربية والتاريخ المقاوم ضد الاستعمار. كما وصف هذه التجربة بأنها تجربة فريدة توضح التلاقي بين الفن والواجب الوطني، وأن عرض “بامو” في رحاب النادي يمثل احتفاء بالثقافة السينمائية المغربية وتاريخها، ويؤكد على دور النوادي السينمائية كمحركات للوعي الوطني والفني على حد سواء.

ويرى المخرج المغربي أن السينما المغربية تمتلك قدرة استثنائية على تحويل التاريخ إلى تجربة حسية عميقة، حين يصبح المشاهد جزءا من الأحداث وليس مجرد متلقٍ لها. وقال “أردت أن يرى الجمهور ليس فقط ما حدث، بل كيف شعر الناس في تلك اللحظات، كيف كان الصبر، الخوف، والأمل حاضراً في حياتهم اليومية”.

◄ تحويل رواية أحمد زياد إلى فيلم كان تحديا كبيرا، لأنها تغطي تفاصيل معقدة عن مقاومة أهالي ووزيغت

وأشار إلى أن عرض “بامو” خلال ذكرى وثيقة الاستقلال كان اختيارا مدروسا، لأن السينما، في رأيه، تصبح في هذه الحالات جسرا بين التاريخ والذاكرة الجماعية، ووسيلة لتعليم الشباب وتذكير الكبار بأهمية التضحيات التي قدمها الشعب المغربي في سبيل الحرية. ويصف المريني الفيلم بأنه محاولة لإعادة خلق الزمن الوطني على الشاشة، وإعادة إشعال الروح الوطنية في النفوس.

وشدد المريني على أن اختيار شخصية نسائية قوية كبطلة في “بامو” كان قرارا فنيا ملتزما بالواقع التاريخي، حينما لعبت المرأة المغربية دورا محوريا في المقاومة. وقال “لم أرد أن تكون المرأة مجرد حضور جانبي أو زينة في الفيلم، وإنما أردت أن يكون صوتها وصمودها رمزا لكل النساء اللواتي ساهمن في نقل الوعي الوطني والدفاع عن الوطن”.

وأوضح أن هذه الشخصية تمثل إرادة جماعية، وهي نموذج للصمود والتضحية في مواجهة الاستعمار. ويضيف أن السينما بذلك تصبح وسيلة لتكريم المرأة المغربية، وإعادة الاعتبار لدورها الذي طالما كان مهمشا في الكثير من الأعمال الفنية السابقة.

وشرح المريني أن تحويل رواية أحمد زياد إلى فيلم طويل كان تحديا كبيرا، لأن الرواية تغطي تفاصيل دقيقة ومعقدة عن مقاومة أهالي ووزيغت، وتاريخ الشهيد أحمد الحنصالي. وقال “كان هدفي أن يعيش الجمهور الرواية بصريا، لا أن يقرأها فقط، وأن يشعر بكل لحظة نضال، كل قرار شجاع، وكل تضحية صغيرة كانت تصنع الفرق في تلك الفترة”. وأضاف أن هذه التجربة كانت أول محاولة جادة لربط السينما المغربية بالأدب الوطني، وأنها شكلت نقطة انطلاق لوعي سينمائي جديد يجعل الأدب المغربي مصدرا أساسيا للسينما.

واعترف المريني بأن إنتاج فيلم تاريخي في أوائل الثمانينات كان مغامرة حقيقية، نظرا لمحدودية الإمكانيات المادية والتقنية، آنذاك، حيث قال “لم نكن نملك ميزانيات ضخمة، ولم تكن لدينا القدرة على استدعاء كل الخيول أو الأسلحة المطلوبة، لكننا تعلمنا كيف نحول النقص إلى قوة. كل تفصيل صغير، كل مشهد محدود الإمكانيات، أصبح فرصة لإبداع جديد”. وأضاف أن الفيلم تمكن رغم هذه التحديات من إيصال رسائل مهمة، مثل استحضار تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال عام 1944 وزيارة الملك محمد الخامس لطنجة سنة 1947، ليصبح بذلك فيلم “بامو” وثيقة تاريخية بقدر ما هو عمل فني.

وبين المريني أن “بامو” يمثل وثيقة بصرية متكاملة تعكس تفاصيل الحياة اليومية في الأربعينات، مسترجعا أمثلة تشمل خيام الحدادة، والمقاهي الشعبية، والعربات التقليدية ذات العجلتين، وأواني الطبخ، والحُلي التقليدية، وقال “كل قطعة أثاث، كل زي، وكل أداة صوتية كانت فرصة لإعادة بناء الزمن التاريخي على الشاشة. أردت أن يشعر المشاهد بأن كل شيء حقيقي، من أصغر التفاصيل إلى أكبرها”، معتبرا أن هذا الاهتمام بالتفاصيل جعل الفيلم مرجعا بصريا مهما لتاريخ المغرب، وأداة تعليمية تساعد الجمهور على فهم الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في فترة المقاومة.

واستحضر المريني أحد أبرز مشاهد الفيلم المرتبطة بجهاز المذياع، موضحا أنه كان أكثر من مجرد إكسسوار، وإنما رمزاً للقوة والكلمة الحرة. وقال “مشهد الفقيه الذي يستمع إلى إذاعة ‘صوت العرب’ ويُقبض عليه يعكس مدى أهمية الإعلام في تحفيز روح المقاومة، وكيف يمكن لصوت واحد أن يلهب الحماس ويقوي الوعي الوطني”. وأضاف أن هذا المشهد يظهر أن الثقافة والمعلومة كانتا أداتي مقاومة، وأن السينما يمكن أن تجسد هذه الحقيقة بطريقة مرئية وسمعية قوية.

وأوضح المريني أن الموسيقى التصويرية للفيلم، التي أسندها للفنان الراحل محمد بلخياط، كانت تجربة فريدة في السينما المغربية، لأنها اعتمدت على موسيقى أصلية مغربية بالكامل، بعيداً عن التكرار العالمي. وقال “كان هدفي أن تكون الموسيقى امتداداً لعاطفة المشاهد، وأن تشعل حماسه الوطني. النشيد الوطني في المشاهد الجماعية كان جسرًا لإعادة بناء الوعي الوطني داخل القاعة السينمائية”. وأضاف أن الأناشيد والألحان ساهمت في منح الفيلم إحساسا حيا بالوطنية، وجعلت المشاهد يتفاعل عاطفيا مع كل مشهد.

ويفتخر المريني بأن فيلم “بامو” جمع نخبة من ألمع نجوم المسرح والتلفزيون والإذاعة في المغرب، مثل محمد حسن الجندي، العربي الدغمي، حبيبة المذكوري، صفية الزياني، بديعة ريان، ثريا جبران، محمد مفتاح وصلاح الدين بنموسى. وقال “كان هذا التحدي كبيرا، لأن جمع هؤلاء النجوم في فيلم واحد لم يحدث من قبل. ومع ذلك، تمكنّا من خلق فريق متجانس قدم أداء استثنائيا، وحافظ على أصالة الشخصيات وسحرها الإنساني”. وأضاف أن وجود هؤلاء النجوم جعل الفيلم وثيقة حية للدراما المغربية في تلك المرحلة، وسجل أداء فنيا نادرا يمكن للأجيال المقبلة الاطلاع عليه.

ويربط المريني خبرته في التلفزيون المغربي بإتقانه للعمل السينمائي، وقال “قضيت سنوات في التلفزيون أخرج خلالها برامج وثائقية عن شخصيات وطنية وفضاءات تاريخية، وهذا أعطاني القدرة على الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في الفيلم”. وأضاف أن هذه التجربة مكنته من توظيف نجوم الإذاعة والتلفزيون في الفيلم، وضمان تقديم أداء درامي متقن، وهو ما لم يتحقق في معظم الأعمال السينمائية المغربية الأخرى في تلك الفترة. ويعتبر أن هذه الخبرة وراء نجاحه في إنتاج فيلم متكامل يجمع بين التوثيق الدقيق والحس الدرامي القوي.

واختتم المريني تصريحاته لـ”العرب” بالإشارة إلى أن فيلم “بامو” حظي باعتراف دولي ووطني، كونه فاز بجائزة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي السابع سنة 1985، كما نالت ثريا جبران تنويها خاصا في المهرجان الوطني للفيلم سنة 1984. وقال “إن ترميم الفيلم مؤخرا وإعادة دبلجته إلى اللغة الأمازيغية أعادا له الحياة، وجعلا الأجيال الجديدة قادرة على التعرف على هذه المرحلة التاريخية والفنية في المغرب. ‘بامو’ لن يكون مجرد فيلم، بل سيكون دائماً ذاكرة حية للسينما المغربية والوطنيين الذين ضحوا من أجل الاستقلال”.

9