"أغالب مجرى النهر".. رواية عن الاضطهاد الإنساني في المجتمعات البطريركية

تشريح للمجتمع الجزائري خلف واجهة رواية بوليسية تعري الفساد وتكشف مأساة جيل يصارع بين التاريخ والتمائم.
الاثنين 2026/01/19
أزمات الذات تبدأ من الماضي (لوحة للفنان طاهر معروف)

وصلت رواية “أغالب مجرى النهر” للكاتب الجزائري سعيد خطيبي الصادرة عن دار نوفل في لبنان عام 2025 إلى القائمة الطويلة لترشيحات الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) حيث تتنافس مع ستة عشرة رواية أخرى على هذه الجائزة، وهي الرواية الخامسة لصاحب “حطب سراييفو” و”نهاية الصحراء”، وتدور أحداثها في مدينة بوسعادة الجزائرية أواخر تسعينات القرن العشرين قبل بدء العشرية السوداء بقليل.

تتمحور أحداث الرواية حول جلسات التحقيق في مقتل طبيب التشريح الشهير مخلوف تومي الذي مات مسموما، وتروى بلسان الشخصيتين الرئيسيتين المتهمتين بهذه الجريمة حيث تروي كل شخصية قصتها وتعود بالزمن إلى الماضي مع تدخل راو عليم أثناء العودة إلى جلسات التحقيق، وهاتان الشخصيتان هما الابنة زوجة القتيل ووالدها، الذي تتقاطع مصائرهما في العديد من الأحداث فكلاهما متهم بقتل الطبيب وكلاهما تربطه علاقة مع المحقق الذي يتولى التحقيق. فالابنة طبيبة العيون عقيلة تومي زوجة القتيل، قد قامت بعملية زرع قرنية لوالدة المحقق جمال درقين الذي يحقق معها في الجريمة ونجحت العملية.

 أما الأب المناضل السابق عزوز خالدي فقد توكل برعاية والدة المحقق إدريس بادا الذي يحقق معه ووضعها في دار للمسنين، وكلاهما أي الأب والابنة كانا يتواصلان مع الصحفي بودو قبل الجريمة، كما أن لكليهما تاريخا مع المعاناة يؤرقه ومازال يؤثر على حاضره ويحدد مصيره، حيث يفرد الكاتب سرد النصف الأول من الرواية للابنة. أما النصف الثاني فيوكل المهمة للأب الذي يرويه بصوته.

الرواية تشرح المجتمع الجزائري وعاداته وتقاليده عبر شخصياتها التي تدخل في صراعات بين الموروث الشعبي والعلم

امرأة غارقة

يبدأ الكاتب روايته بمشهد يصف فيه حالة عقيلة تومي داخل الزنزانة التي تقبع فيها. هي المتهمة بقتل زوجها طبيب التشريح (مخلوف تومي) فيصف مشاعرها واشمئزازها من المكان وقرفها من صحن الأرز الذي قدمه لها السجان، حيث ترى نملتين تسيران داخله فتمتنع عن تناوله متحسرة على حاضرها. هي التي كانت في ما قبل طبيبة مشهورة مختصة بجراحة العيون، لكن تورطها في الفساد مع زوجها القتيل أوصلها إلى ما وصلت إليه.

كانت تقتلع قرنيات عيون الجثث التي تصل إلى مشرحة زوجها وتقوم بزراعتها في عملياتها الجراحية التي تجريها للمرضى الذين يحتاجونها، وتدر عليها هذه العمليات أموالا طائلة يعود ثلاث أرباعها لصالح زوجها مخلوف صاحب الفكرة، والذي أجبرها على هذه الأعمال كي يجمعا ثروة. علاقتها به لم تكن طيبة فقد كان قاسيا معها يعنفها ويضربها باستمرار ويراقبها ويلومها على عدم إنجاب ذكور له على الرغم من معرفته العلمية أنها ليست هي السبب، الأمر الذي يجعلها تفكر في قتله لكنها لا تفعل.

ويبرز لنا ما سبق الازدواجية الرهيبة في شخصيته فهو شرقي محافظ في جزء منه، وطبيب مثقف في جزء آخر. وليست علاقتها مع ابنتها (مينة) أفضل فهي علاقة مضطربة فالابنة تشاكسها باستمرار، لذلك قررت أن لا تنجب أولادا غيرها. أما علاقتها مع أمها التي كانت هي السبب الرئيسي في تكوين شخصيتها الضعيفة والخانعة بسبب معاملتها السيئة لها في صغرها وبلوغها، فكانت قاسية معها جدا، توبخها دائما، وتدعو عليها غير مراعية لمكانتها العلمية والثقافية، بينما كانت علاقتها بأخيها ميلود الذي يعاونها في عيادتها حيادية. هو الذي أنجب ابنة غير شرعية لم يعترف بها، ويتهم لاحقا هو وجارته بقتل صهره.

براءة ضائعة بين التحقيق الجنائي والتحليل النفسي
◄ براءة ضائعة بين التحقيق الجنائي والتحليل النفسي

 أما علاقتها بصديقتها المقربة سلوى عديلي فكان بها التباس يشي بعلاقة مثلية بينهما، وكل هذه النشأة ساهمت في تكوين شخصية عقيلة الضعيفة وأثرت عليها وخصوصا أمها، فقد كانت تحشو رأسها بأفكار بالية لكنها تأثرت بها فهي مثلا ترسل جزءا من الأموال التي تأتيها من سرقة القرنيات إلى أحد الشيوخ كي يعمل لها التمائم التي تكفر بها عن ذنبها بسرقة أعضاء الموتى وإجهاضها الدائم، ولكن الجانب المثقف فيها يظهر حين ترغب بإنشاء كلية للطب في بوسعادة كي تريح الطلاب من مشاق السفر إلى العاصمة، فتتواصل مع الصحفي بودو كي يوصل طلبها إلى الجهات المعنية لكن الأمور لا تجري كما تشتهي.

رجل بائس

أما المتهم الثاني في قتل الطبيب مخلوف فهو عزوز الخالدي والد عقيلة المناضل السابق الذي تعرض للظلم والتخوين أيام الثورة ضد الفرنسيين لأنه رفض تفجير مطعم أخيه، فتعرض للسجن والتعذيب على يد الثوار حيث حرقوه بآلة معدنية في ظهره مازالت آثارها حتى اللحظة على جسده، وجرد من هويته واعتبر خائنا. وقال عبارته الشهيرة “ماذا لو لم أخالف أوامرهم وأغالب مجرى النهر أكان حصل معي ما حصل”، ومنها جاء عنوان الرواية.

 في الزمن الحاضر تواصل مع الصحفي بودو كي يوصل صوته للتلفزيون الرسمي حتى يعلن براءته من الخيانة هو ورفاقه أمام الرأي العام وأولاده، لكن بودو يتعرض لحادث سيارة ويموت وهو في طريقه إلى بوسعادة كي تزداد مأساة عزوز، هو الذي يشعر بالظلم وبالتقصير حيال أولاده وخصوصا ابنه ميلود المتهم أيضا بقتل صهره، الأمر الذي يدفع عزوز إلى قيادة سيارته كي يحمل التهمة عنه.

كل ما سبق يزيد من بؤسه بؤسا، هو الذي هاجر من الريف إلى المدينة ذات يوم وعمل ماسحا للأحذية وبعدها في تركيب سكة القطار وبعدها عتالا في الميناء، ثم انضم إلى الجيش الفرنسي وشارك في الحرب العالمية الثانية، ثم تزوج من قمرة وبعدها ناضل ضد الفرنسيين، لكنه خُوّن ظلما وأصبح عميلا، لأنه رفض تنفيذ الأوامر.

 ومثله مثل ابنه ميلود له ابن غير شرعي لم يعترف به وها هو المحقق الآن يدينه بأربع تهم؛ الأولى قتل صهره والثانية تحريض ابنته على أذية شهلا البرق التي حاكمت الحركيين ونكلت بهم، أما الثالثة فهي التواصل مع التلفزيون بواسطة جهة غير رسمية، والرابعة حيازة قبعة شارلي شابلن التي تعتبر ملكا عاما وجاءته هذه التهم لتزيد من معاناته معاناة.

يعتقد المرء للوهلة الأولى أننا إزاء رواية بوليسية، لكنه يكتشف لاحقا أنها أقرب لتكون رواية سيكولوجية عبر تشريح المجتمع الجزائري وعاداته وتقاليده عبر شخصيات روايته التي تدخل في صراع بين الموروث الشعبي والعلم. كما صور لنا الكاتب أجواء مدينة بوسعادة المدينة التي ينحدر منها، مسلطا الضوء على عاداتها وتقاليدها كوصفه لطبق “الرفيظي” الشهير في المدينة وموسيقى الغايطة.

8