"أب. أم. أخت. أخ"… دراما سينمائية عن اغتراب الأبناء

جيم جارموش يحاول إظهار روتين الحياة اليومية بينما يحاول إبقاء المشاهد محايدا تجاه شخصيات قصصه.
الجمعة 2025/11/07
عائلات منفصلة نفسيا وفكريا

الشعور بالاغتراب تجاه الأهل البيولوجيين هو الثيمة الرئيسية التي بنيت عليها قصة الفيلم الأميركي “أب. أم. أخت. أخ” للمخرج الموهوب جيم جارموش والذي فاز عنه بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية الذي عقد هذا العام في شهر أغسطس الماضي.

فوز الفيلم كان مفاجأة أصابت كل من شارك في المهرجان حيث كان مستبعدا من المنافسة في ظل وجود أفلام أهم منه بكثير، ويروي الفيلم ثلاثة قصص مختلفة لكنها واحدة في جوهرها وهي علاقة الأبناء بآبائهم.

تروى القصة الأولى قصة الأب (توم وايتس) الذي يعيش منعزلا في أحد الأرياف بالقرب من بحيرة في بيت متهالك لا يقوم بإصلاح شيء فيه، حياته أقرب إلى الزهد، يزوره ولداه الذين انقطعت علاقته معهما منذ زمن فجأة، الابن جيف (آدم درايفر) والابنة إيمي (مايم بياليك) ويشعران بالحزن من الحالة التي وصل إليها. يقدم لهما الشاي في كؤوس للخمر احتفاء بهما وتبدأ لحظات من العتاب واسترجاع الماضي وكيف انهار من البكاء عندما توفيت أمهما.

h

تبدو علاقته مع ابنته غير جيدة فتحدث مشاحنة كلامية بينهما، بينما الابن يحاول عرض مساعدة مادية عليه لتخليصه من فقره المادي، لكن الشيء الوحيد الذي يصف هذه الزيارة هو الصمت، وكأنه لم يبق شيئ ليقال بعد هذا الجفاء الطويل.

في القصة الثانية التي عنونها جارموش “أم” نحن أمام قصة الكاتبة الثمانينية الشهيرة (شارلوت رامبلينغ) التي انتقلت إلى دبلن مع ابنتيها اللتين لا تراهما أبدا سوى مرة في العام في موعد حددته لها مستشارتها النفسية.

يحين موعد الزيارة وتستعد الأم لاستقبال ابنتيها الكبرى تيموثيا (كيت بلانشيت) والصغرى ليليث (فيكي كريس) التي تحاول إظهار أنها مترفة ماديا وأنها جاءت بهذه السيارة القديمة لأنها لم تستلم بعد سيارتها الفارهة الجديدة، بينما هي في الحقيقة تعاني الفقر في حين تظهر أختها الكبرى المتزنة أكثر منها تحاول أن تتباهى أمام أمها الكاتبة الشهيرة بحصولها على ترقية في وظيفتها.

يجتمع الثلاثة ويتناولن الحلوى على المائدة التي زينتها الأم بعناية ملفتة، لكن الشيء الأساسي الذي يخيم على هذا اللقاء هو الصمت أيضا دليلا على فتور العلاقة بين الأم وبناتها.

في القصة الثالثة التي عنونها جارموش “أخت. أخ”، نحن أما قصة التوأمان سكاي (انديا مور) وبيلي (لوكا سابات) اللذان يصلان إلى باريس لتفقد شقة أهلهما اللذين توفوا في حادث طائرة ويسترجعان حين يدخلون إلى الشقة ذكرياتهم ويتفقدون أشياءهم وصورة أمهم، ونرى الانسجام والمحبة ظاهرة في علاقة الأخوة.

في القصص الثلاثة المنفصلة التي قدمها جارموش في الفيلم هناك أشياء مشتركة وأمور تحدث يوميا بالرغم من عدم معرفة أصحاب القصص الثلاثة بعضهم البعض، كشرب الماء كثيرا وظهور ساعة الروليكس وقيادة السيارة وظهور فتية يتزلجون على ألواحهم الخشبية في الشارع، وهي أشياء نجدها في معظم أفلام جيم جارموش الذي يحاول إظهار روتين الحياة اليومية بينما يحاول إبقاء المشاهد محايدا تجاه شخصيات قصصه وكأنه لا يريد له أن يتفاعل معها ويبقى مراقبا عبر كاميرا ثابتة معظم الوقت ولقطات متوسطة. ويبدو بذلك أن الفيلم جاء إضافة جديدة جيدة لصاحب “باتيرسون” و”قهوة وسجائر”.