«دق دق سبعتين».. من حناجر مزارعي اليمن إلى ترند عالمي
الكثير من أهازيج التراث الشعبي غابت عنا وغاب معها النشاط الذي ارتبطت به مثل العمل في الحقول وغيره، ولكن منها ما نجا من النسيان بل ونجح في التحول إلى ترند سريع الانتشار في عالم رقمي ممتد ومتسارع.
ترند «دق دق سبعتين... سبعة صفر مرتين»؛ كلمات قليلة وخفيفة، لا تحمل في ظاهرها ادعاء شعريًا أو موسيقيًا كبيرًا، لكنها خلال فترة قصيرة تحولت إلى صوت يتداوله الناس ويعاد إنتاجه وتوظيفه في مقاطع مختلفة، حتى خرج من محيطه اليمني ووصل إلى مستخدمين من ثقافات ولغات أخرى.
قد يبدو لمن يسمعه للمرة الأولى منتجًا من منتجات زمن «الترند» والذكاء الاصطناعي، لكن تتبع طبقاته يكشف حكاية أقدم؛ فخلف الكلمات الساخرة ذاكرة موسيقية شعبية يمنية، ثم مقطع رقمي مرّ من دون اهتمام واسع، ثم إعلان حديث التقط روحه ولحنه ومقدمته، ثم دفعته المعالجات الرقمية ووسائل التواصل بالصوت إلى مساحات جديدة.
البداية في الحقل لا في الإنترنت
قصة «دق دق سبعتين» مثال صغير على قدرة التراث الشعبي على الانتقال من الحقل إلى الهاتف، ومن الذاكرة الشفاهية إلى الخوارزمية.
بحسب الذاكرة الشفاهية المتداولة في مناطق يمنية عدة، نجد صدى البنية الإيقاعية واللحنية للمقطع في مهجل زراعي قديم عرفته بعض مناطق حراز، وربما وجد بصيغ مختلفة وألحان متقاربة في تعز وتهامة ومناطق أخرى.
كان المزارعون يؤدونه جماعيًا أثناء العمل، خصوصًا في «قلط ومرع» الأرض وتنظيفها وتقليب تربتها والتخلص من النباتات الصغيرة التي تزاحم أشجار البن.
الحادي أو المهجل هنا جزء من العمل اليومي؛ يعمل الناس ويغنون، ويحمل الإيقاع حركة أجسادهم ويخلق الانسجام بين المجموعة. لهذا لم تكن الكلمات ثابتة؛ تتغير من قرية إلى أخرى، يضاف بيت ويحذف آخر، وتبقى اللازمة والبنية الإيقاعية أكثر رسوخًا.
ومن الكلمات التي بقيت في الذاكرة: "يا صباح الخير دايم/ صبّحه وارضى ودلّه/ صبّحين أربع بهايم/ ينقلين البن دايم/ للمتاجر والتهايم/ يا صباح الخير دايم".
ونجد صورًا أخرى: "يا صباح اللي تبكر/ تعصب المدّة بمشقر/ تلتفت نحوي وتعصر/ يا صباح الخير دايم".
وفي مقطع آخر: "يا سحايب بكّرين/ بالبشاير واسكبين/ من دلالك واحجرين/ يا صباح الخير دايم".
تفتح هذه الكلمات نافذة على عالم المهاجل اليمنية: البن والحقول والمطر والعمل الجماعي والمرأة الريفية والمشاقر والملابس المحلية. و«المَدّة» قطعة قماش كانت المرأة تضعها على رأسها بطريقة مميزة، بينما تشير «المشاقر» إلى حزم النباتات العطرية التي توضع قرب الأذن والخد. نحن أمام تراث يحفظ اللحن وتفاصيل الحياة الاجتماعية معًا.
المتلقي في زمن الفيديو القصير لا يحتاج دائمًا إلى فهم اللغة؛ قد يكفي الإيقاع أو جملة غريبة أو حركة يسهل تقليدها
تقوم الثقافة الشفاهية على التحوير. يسمع شخص بيتًا فيضيف إليه، ويغير آخر اسمًا، ويبدل ثالث الكلمات بما يناسب المناسبة والمكان. لهذا تستطيع البنية الإيقاعية نفسها أن تنتقل من مزارعي البن إلى جماعات أخرى تعمل أو تمزح أو تحتفل.
ومن هنا يمكن فهم ظهور صيغة ساخرة بعيدة عن الكلمات الزراعية؛ احتفظ الناس بالقالب وحركوا الكلمات داخله، وهي ممارسة مألوفة في الموروث الشفاهي.
"دق دق سبعتين"
قبل الإعلان الحديث ظهر على إنستغرام مقطع قصير يحمل الصيغة التي أصبحت لاحقًا «دق دق سبعتين». ويبدو أن المقطع كان موجودًا ولم يلفت انتباهًا واسعًا، ومر مثل آلاف المقاطع التي تنشر يوميًا وتضيع وسط التدفق الهائل للمحتوى.
وهذه نقطة مهمة؛ الإعلان اللاحق ليس مبتكرًا ولم يبدأ من فراغ. كانت المادة موجودة قبله، وفيها الكلمات الساخرة والأداء الجماعي وروح المزاح: "دق دق سبعتين/ سبعة صفر مرتين/
هذا رقم عبدالغني/ يعالجك من الوني".
ثم: "دق دق سبعتين/ سبعة صفر مرتين/ هذا رقم عبدالقرار/ يعالجك من المرار".
وتأتي اللازمة: "دق دق دق طاع/ لا شقا ولا ولاع".
اختفى البن والمطر والمشاقر، ودخلت الأرقام والأسماء والنكتة اليومية، فيما ظل القالب محتفظًا بشيء من الروح الجماعية القديمة.
جاء بعد ذلك الإعلان الحديث لشركة الهاتف المحمول اليمنية، فأخذ كل شيء، وخاصة لحن وروح المهجل السابق واستفاد من إيقاعه وطريقة بنائه وحتى مقدمته.
انتقلت المادة من التراث إلى مقطع محدود التداول، ثم إلى منتج إعلاني أكثر صقلًا وقدرة على جذب الأذن وتثبيت العبارة في الذاكرة.
قد تمتلك فكرة ما عناصر النجاح وتمر بلا انتباه، ثم يعاد تقديمها في سياق آخر ولحظة مناسبة فتنفجر جماهيريًا. وأظن أنه لم يخطر في بال صانعي الإعلان أنفسهم أن «دق دق سبعتين» تمتلك عناصر مثالية للانتشار: الأرقام والتكرار والجمل القصيرة والروح الساخرة واللحن السهل الحفظ. كما أن الهاتف مناسب لهذا اللعب؛ فالرقم يصبح جزءًا من الأغنية والإعلان يتحول إلى لازمة موسيقية.
لذلك لا يمكن القول إن الإعلان اخترع «دق دق سبعتين». لقد أعاد صياغة مادة سبقته والمادة السابقة استفادت من فن المهجل، ثم جاء الترند ومنحها قوة انتشار هائلة.
بدأ الصوت بعد ذلك ينفصل عن سياقه الإعلاني، ويحمل رسائل ترفيهية وسياسية وساخرة مختلفة. يأخذه المستخدمون حول العالم ويضعونه على صور ومواقف ومقاطع جديدة، وتدخل عمليات المزج والمعالجة الرقمية وربما أدوات الذكاء الاصطناعي، فيقترب أكثر من بنية الأغنية الحديثة.
وهكذا كثيرًا ما ينفصل الصوت حتى عن أصله. يسمع شخص «دق دق سبعتين» ولا يعرف الشركة التي استخدمته، وآخر لا يعرف المقطع الأقدم، ولن يبحث كثيرون عن المهاجل الزراعية التي تقف بعيدًا في خلفية الرحلة ولا حتى عن اليمن.
ما نبحث عنه في الخوارزميات موجود منذ قرون طويل في الذاكرة اليمنية، وينقصه أن نعيد تقديمه ليُعاش من جديد
الخوارزمية لا تسأل عن المكان والتاريخ؛ كل ما يهمها صوت يثير التفاعل ويعاد استخدامه ويجلب المشاهدات والمال. وكل استخدام جديد يدفعه إلى مستخدمين جدد ينتجون بدورهم نسخًا أخرى.
لماذا تنتشر كلمات لا يفهمها العالم؟ ليس الأمر غريبًا. شهدنا عشرات الأغاني والعبارات الكورية والأفريقية والآسيوية وغيرها تعبر الحدود رغم أن أغلب من يرددها لا يفهم كلماتها. المتلقي في زمن الفيديو القصير لا يحتاج دائمًا إلى فهم اللغة؛ قد يكفي الإيقاع أو جملة غريبة أو حركة يسهل تقليدها.
وجمعت «دق دق سبعتين» عددًا من هذه العناصر، لأسباب مفهومة: عبارة قصيرة، تكرار قوي، أرقام سهلة الحفظ، إيقاع واضح وطريقة نطق تحمل طرافة حتى لمن لا يفهم اللهجة اليمنية. فالترند لا يسافر دائمًا بالمعنى؛ أحيانًا يسافر بالصوت.
هل هو انتصار عالمي لليمن؟
من المفيد ألا نبالغ. خروج صوت يمني إلى جمهور واسع أمر جميل، لكن تحويله إلى «معجزة يمنية» أو «انتصار عالمي» قراءة متسرعة. فالترند سريع الولادة وقد يكون سريع الموت، وما تتداوله المنصات اليوم قد لا يتذكره أحد بعد أسابيع.
كما أن كثرة المشاهدات لا تعني معرفة الجمهور بالثقافة التي خرج منها الصوت. قد يردد شخص في بلد بعيد «دق دق سبعتين» من دون أن يعرف أين تقع حراز، أو علاقة اليمن التاريخية بالبن، أو أن وراء الإيقاع ذاكرة عمل جماعية امتدت عبر أجيال. لهذا تصبح قيمة الفرصة في قدرتها على فتح باب نحو الأصل.
أين توجد النسخ القديمة من هذا المهجل؟ وما المهاجل والألحان الزراعية الأخرى التي ما تزال تعيش في ذاكرة الناس من دون تسجيل؟
إذا دفعنا الترند إلى تسجيل مهاجل قديمة وحفظ أهازيج زراعية مهددة بالنسيان، فسيكون قد أدى وظيفة ثقافية لم يقصدها صانعوه.
في السابق كان الباحث يسافر ويسجل ويجمع، واليوم قد يظهر جزء من التراث فجأة في إعلان أو «ريلز» أو مقطع ساخر، ويصل إلى الملايين خلال ساعات. الخطر أن تختفي الجذور ويبقى الصوت مادة استهلاكية، والفرصة أن نعود من الصوت الجديد إلى أصله ونكتشف ما أهملناه.
والحفاظ على التراث لا يكون بوضعه في متحف وإغلاق الباب عليه. يمكن للمهاجل أن تعود إلى الموسيقى والمسرح والسينما والأغنية الحديثة والإعلان والفنون الرقمية، وأن يعيد الشباب صياغتها بلغتهم مع حفظ أصولها وذاكرتها.
لن يصنع «دق دق سبعتين» معجزة يمنية خارقة ولن يجعل اليمن معروفًا للعالم، وقد ينتهي الترند سريعًا، لكنه يذكرنا بثروة أهملناها طويلًا. فقد وثق عبدالله البردوني جانبًا من المهاجل في كتابه «فنون الأدب الشعبي في اليمن»، وكرّس الباحث زيد صالح الفقيه كتابه «فن مهاجل المرأة اليمنية في الريف» لجمع هذا التراث، موثقًا مئات الأبيات من أفواه النساء الريفيات. المشكلة إذن ليست غياب التراث وليس غياب الباحثين، مشكلتنا ضعف وصول هذه الجهود إلى الناس. وربما يقول لنا هذا الترند ببساطة: إن ما نبحث عنه في الخوارزميات موجود منذ قرون طويل في الذاكرة اليمنية، وينقصه أن نعيد تقديمه ليُعاش من جديد.