الزهرة رميج لـ"العرب": أكتب الهامش دون أن أتخلى عن الأمل
تعد الروائية المغربية الزهرة رميج من الأصوات السردية التي راكمت تجربة لافتة في الرواية والقصة القصيرة، حيث انشغلت في أعمالها بأسئلة الإنسان المغربي، وما يحيط به من تحولات اجتماعية وثقافية ونفسية. وتميل كتابتها إلى مساءلة الواقع من خلال شخصيات تنتمي في الغالب إلى الهامش، وتجد نفسها في مواجهة قسوة المجتمع، وسلطة الأعراف، وتعقيدات المصير الإنساني، مع اهتمام واضح ببناء الشخصيات وتعميق أبعادها النفسية والدرامية.
في روايتها "رسائل دامية"، التي بلغت القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية، تقدم رميج عالما روائيا واسعا يمتد على أكثر من خمسمائة صفحة، ترصد من خلاله رحلة البطلة "دامية" في البحث عن ذاتها وسط واقع يطغى عليه الفقر والقهر والاستغلال، حيث يتحول السرد إلى مساحة لاستكشاف أسئلة الحرية والكرامة والتعليم والهوية، في بناء روائي تتقاطع فيه مصائر شخصيات عديدة، لتتشكل صورة بانورامية للمجتمع وتحولاته.
في هذا الحوار تتوقف "العرب" مع الكاتبة عند أبرز القضايا الفكرية والفنية التي أثارتها الرواية، وعند اختياراتها السردية والجمالية، وما تحمله "رسائل دامية" من رؤى وأسئلة تتجاوز الحكاية إلى أفق إنساني أوسع.
شخصية الخادمة ومعاناتها
يكتشف القارئ منذ البداية، أن فكرة البحث عن الذات هي المحرك الأساسي لرواية رسائل دامية. من خلال ذلك نسألها كيف تبلورت هذه الفكرة لديها، ولماذا جعلت منها محورا لبناء الرواية؟ لتجيبنا "الشكر لك على مبادرتك الكريمة. فكرة البحث عن الذات ترتبط بوعي الإنسان بنوعية الحياة التي يعيشها، والظروف الصعبة التي يمر بها. وهذه الفكرة فرضت نفسها في الرواية بحكم انتماء البطلة دامية إلى الفئة الهشة في المجتمع، وبحكم المعاناة الشديدة التي عاشتها منذ طفولتها المبكرة جراء حرمانها من حضن الأم التي توفيت أثناء ولادتها، ومعاناتها من العبودية سواء من زوجة أبيها، أو زوجها الفقيه، أو سمسار الخادمات، أو عشيقها الذي زج بها في عالم الدعارة المقيت."
وتابع "هذه الرحلة الطويلة من المعاناة، وهذا الغوص في مستنقع الفساد جعلها تكتشف الوجه الخفي للمجتمع، وتتمرد عليه خاصة بعدما عاشت تجربتين مع شخصيتين متعلمتين وواعيتين -مشغلتها الأولى والمحامي- أثرتا فيها بتعاملهما الإنساني المختلف. فمع الأولى عرفت معنى الطفولة السعيدة، ومع الثانية عرفت نوعا مختلفا من الرجال يرى في المرأة الإنسان لا الجسد. وبما أن المشغلة الأولى كانت صاحبة مكتبة وعلمتها القراءة والكتابة، والمحامي كان أيضا يملك مكتبة كبيرة في بيته، فقد أدركت أن العلم هو من يجعل الإنسان إنسانيا، وأنه بالنسبة إليها الحل لتحقيق ذاتها كإنسان، وتحريرها من العبودية. وهذا ما قادها إلى البحث عن ذاتها، ومقاومتها لكل الإغراءات التي كانت تشدها إلى ظلام القاع لكي ترتقي بنفسها إلى عالم النور."
تعيش شخصية "دامية" رحلة طويلة بين القهر والرغبة في التحرر. نسأل رميج إن كانت تريد تقديم شخصية فردية لها خصوصيتها، أم أنها تمثل نموذجا اجتماعيا يتكرر في الواقع المغربي؟ وإن كان الأمر كذلك لماذا اختارت هذا النموذج؟ لتجيبنا "شخصية دامية خيالية، لكنها معجونة من أرض الواقع. فهي تجسيد لمعاناة فئة الخادمات في المجتمع المغربي، وما يتعرضن له من استغلال وخاصة بالنسبة إلى الطفلات الصغيرات اللواتي يتم تشغيلهن منذ الثامنة والتاسعة من أعمارهن، فيحرمن من طفولتهن، ومن حنان أمهاتهن، ويكتشفن قسوة الحياة التي تعركهن قبل الأوان."
وتضيف لـ"العرب": "اختياري لنموذج الخادمة جاء جراء احتكاكي بهذه الفئة الاجتماعية طيلة أربعين سنة، واكتشافي هول ما كانت الخادمات يتعرضن له من استغلال بشع من طرف الكثير من المشغلين والمشغلات حتى المتعلمين منهم وأصحاب المراكز العليا. ومع ذلك، تستمر هؤلاء النساء في العمل وفي تحمل الاستغلال، لأنهن لا يملكن أي وسيلة أخرى للعيش غير القيام بالأعمال المنزلية. والمؤلم في الأمر أن هذا الاستغلال يستمر طيلة حياتهن حتى بعد الزواج، إذ تحكم عليهن هذه المهنة التي يحتقرها المجتمع بالزواج من رجال من نفس الطبقة الاجتماعية، يعانون من التهميش، ومن البطالة، والبطالة المقنعة، فيستغلونهن أيضا... من هذا الاحتكاك الدائم بواقع الخادمات المؤلم ولد مشروع هذه الرواية."
يتوزع الصراع في الرواية بين النفسي والاجتماعي والأسري، نسأل الكاتبة إن كان هذا التعدد مقصودا في بناء العمل فتقول "الصراع النفسي الذي عاشته بطلة الرواية دامية هو المحرك الرئيسي لأحداث الرواية وتطورها، وتناميها عبر الزمان والمكان. وهذا الصراع أساسه الصراع الأسري، وما عاشته من معاناة داخل الأسرة من زوجة أبيها، ومن زوجها الفقيه، وحتى من أخيها الذي اتضح فيما بعد أنه ابن زوجة أبيها. وكذلك الصراع الاجتماعي ومعاناتها في البداية من التنمر بسبب شكلها المختلف، ومعاناتها بعد ذلك من نظرة المجتمع الدونية التي ترى في الخادمة مجرد آلة لخدمة الغير لا إنسانا له أحاسيس ومشاعر وكرامة يجب صونها. وتصل هذه النظرة الدونية لدرجة اعتبارها مومسا خاصة إذا كانت شابة، وجميلة. ولهذا، تنعتها كثيرمن المشغلات بـ‘الشر الذي لا بد منه‘".
يحضر التعليم في الرواية باعتباره وسيلة للانعتاق وتغيير المصير، وهو ما تقرّه الزهرة رميج إذ تعتبر أن العلم هو الحل لكسر طوق التهميش الذي يعيشه الإنسان. لأن العلم هو الذي ينمي فكره، ويوسع آفاق معرفته بالعالم المحيط به، ويجعله يعي وضعيته المأساوية ليعمل على تجاوزها. وهو الذي يضمن له عملا شريفا يصون كرامته، ويشعره بقيمته كإنسان، ويحميه من الانحراف، ويجعله يتمرد على الظلم والاستغلال بكل أشكاله.
وترى الكاتبة المغربية أن العلم أهم الحلول لتحسين وضعية المرأة. فالعلم يضمن لها نفس فرص العمل التي يضمنها للرجل، ويضمن لها بالأساس الاستقلال الاقتصادي الذي يجعلها تقاوم الفكر الذكوري، ونظرة المجتمع الدونية. والعلم ليس مهما للأفراد فقط للخروج من التهميش وإنما للبلدان أيضا للخروج من التخلف واللحاق بالأمم المتحضرة التي ينعم فيها المواطن بحقه في العلم والصحة والعمل، وبالتالي في العيش الكريم الذي يحترم إنسانية الإنسان.
نقد الظواهر دون سوداوية
لا تقتصر الرواية على حكاية "دامية"، بل تمنح مساحة لعدد كبير من الشخصيات. نسأل رميج كيف اشتغلت على بناء هذا العالم المتشابك دون أن تفقد الرواية مركزها السردي؟ لتجيبنا "بما أن شخصية دامية تمثل نموذجا لوضعية الخادمات في المغرب، لم يكن كافيا الاقتصار على تجربتها، وكان لزاما خلق شخصيات مساعدة تكشف جوانب أخرى من معاناة الخادمات وخاصة اللواتي اشتغلن في سن مبكرة لأن تجربة دامية الوحيدة في الخدمة وهي طفلة كانت تجربة نادرة، إذ عرفت فيها معنى الطفولة السعيدة، وحظيت فيها بالرعاية وبالحب والحنان. وهذا عكس معظم الطفلات اللواتي يتم تشغيلهن في سن مبكرة."
ولتصوير معاناة هؤلاء الطفلات خلقت رميج، كما تتقول، شخصيتي ميلودة ومبروكة، وكل منهما عاشت تجربة مختلفة. الأولى عانت من التعذيب منذ الصغر، أما الثانية فعانت من العبودية بمعناها الحقيقي لكونها كانت سوداء البشرة، وباعها والدها لمشغليها. كما عانت من الاستغلال الجنسي، وحرمانها من ابنها الوحيد الذي أنجبته من مشغلها الثري بعدما أصبح عشيقا لها.
وتؤكد رميج أن تصوير وضعية الخادمات ومعاناتهن من الاستقلال والقهر يستدعي وجود شخصيات متنوعة من الرجال والنساء، ومن بيئات مختلفة تنطلق من الحي الشعبي المهمش إلى الأحياء الراقية في المدينة... ولأن الغاية من الرواية أيضا هي كشف تناقضات المجتمع، وما تخفيه الواجهة البراقة على كل الأصعدة، فقد كان لا بد من شخصيات تمثل هذا التناقض، وتكشف ما يجري في قاع المجتمع، أو خلف الأبواب الراقة مثل ظاهرة الدعارة بنوعيها "الواطي" و"الراقي" التي تتطلب وجود شخصيات تمارس القوادة والدعارة.
وتتابع "لذلك، فإن تعدد الشخصيات في الرواية ليس اعتباطيا، وإنما لخدمة الشخصية المحورية، ولتنامي الأحداث، وتطورها بشكل طبيعي. ورغم كثرتها وتنوعها إلا أن هناك دائما خيطا ناظما يجمع بينها، وهذا ما يضمن عدم فقدان الرواية لمركزها السردي."
تكشف الرواية اختلالات اجتماعية وقيمية عديدة، لكنها لا تستسلم للتشاؤم، ورغم ذلك تترك نافذة للأمل. تسأل "العرب" الكاتبة إن كان هذا الخيار نابعا من قناعة فكرية أم من منطق الشخصيات نفسها؟ لتجيبنا "خيار عدم الاستسلام والتشبث بالأمل نابع منهما معا. من منطق الشخصية بحكم وجود ذلك الشعاع من النور الذي تتشبث به دامية، والمتمثل في مشغلتها الأولى التي ظلت بالنسبة إليها نموذجا للتعامل الإنساني والحياة المثالية. فالحياة التي عاشتها في كنفها ظلت الرادع الذي يحول دون غرقها التام في الوحل كلما كفرت بالإنسان وبقيم الخير والفضيلة. وهذا ما جعلها في النهاية تخرج من المستنقع كما تخرج زهرة اللوتس ناصعة البياض."
كما ترى أنّ "هذا الخيار نابع أيضا من قناعتي الفكرية. فأنا شخصيا لا أستسلم للتشاؤم مهما تكن قسوة الظروف، وأصر على التشبث بالأمل إيمانا مني بأن الحياة هبة علينا أن نحياها بما لها وما عليها، وأن المستقبل يكون دائما أفضل، والأزمات عندما تشتد تنفرج. ورغم ما تتسم بها رواياتي -وكتابتي عموما- من تعرية للواقع، وتناول للقضايا المسكوت عنها، وانتقاد للظواهر السلبية في المجتمع، إلا أنها لا تسقط أبدا في السوداوية، ونهايات رواياتي كلها مفتوحة على الأمل. ذلك أن مشروعي الروائي قائم على مقاومة كل أشكال الرداءة والفساد، والحلم بمجتمع أفضل تتحقق فيه العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية."
الرواية تفرض حجمها
تمتد رسائل دامية إلى أكثر من 500 صفحة، وهي رواية تعتمد على التفاصيل الدقيقة وتحتاج إلى نفس طويل في الكتابة، كما تحتاج من القارئ إلى صبر في المتابعة. نسأل الزهرة رميج عن خيارها هذا لتقول "لست أنا من تختار هذا الامتداد السري، وإنما طبيعة الموضوع الذي تتناوله الرواية هو الذي يفرض ذلك. عندما أفكر في كتابة رواية ما أنشغل بالموضوع فقط، ولا أهتم بالحجم. فالرواية هي التي تفرض طول النفس أو قصره."
وتضيف "رواياتي الطويلة هي التي فرضت حجمها. فرواية ‘عزوزة‘ مثلا كانت أول رواية بدأت كتابتها، ولكني تركتها لأكتب رواية ‘أخاديد الأسوار‘، وهذه رواية قصيرة لأن موضوعها فرض هذا الحجم، علما أن ما كنت قد كتبته خلال سنتين من رواية ‘عزوزة‘ يعادل حجم رواية ‘أخاديد الأسوار‘."
وتواصل "عندما توقفت عن كتابة رواية ‘عزوزة‘ قررت ألا أعود إليها لأسباب عديدة، لكنها ظلت تلح علي إلى أن عدت إليها بعد ست سنوات... وكلما أردت التوقف وجدتها ترفض ذلك. ولكني عندما تعبت وضعت حدا لها بسرعة. وهذا ما لاحظه كثير من النقاد الذين قارنوا بين وتيرة السرد البطيئة في بداية الرواية ووتيرته السريعة في نهايتها. ورغم كون رواية ‘عزوزة‘ بلغت 500 صفحة كذلك ورواية ‘الناجون‘ التي كتبتها بعدها مباشرة، إلا أن رواية ‘الغول الذي يلتهم نفسه‘ التي كتبتها بعدهما كانت رواية قصيرة لأن موضوعها فرض ذلك الحجم. فالحكاية إذن هي التي تفرض حجمها، لا إرادة المبدع."
وصلت الرواية إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية. حول استقبالها لهذا الوصول ولرأيها في علاقة الجوائز بفعل القراءة تقول رميج "خبر وصول الرواية إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا أسعدني، وكان مفاجأة سارة لي. وأهمية هذه الجائزة تكمن أساسا في انتشار الرواية، واستقطاب قراء من مختلف مناطق العالم العربي خاصة وأن القراء يهتمون كثيرا بالروايات التي يتم اختيارها من قبل الجوائز باعتبارها روايات متميزة. وهذا ينطبق أيضا على القراء المغاربة."
وتشدد على أنّ أهمية الجوائز تكمن في ترجمة الروايات الفائزة مما يساهم في انتشارها خارج الوطن العربي، وهذا ما تحتاجه الرواية العربية التي بلغت مستوى لا يقل عن كثير من الروايات العالمية، ولكنّها تعاني بسبب غياب مشاريع عربية جادة لترجمتها إلى اللغات الأجنبية.
رؤية فنية تنتصر للهامش
اللغة في الرواية تميل إلى السلاسة، لكنها في الوقت نفسه تحمل كثافة شعورية ووصفا دقيقا للشخصيات والأمكنة، تعلّق الزهرة رميج في حديثها مع "العرب" حول ذلك "العلاقة بين اللغة والبناء الدرامي علاقة تكاملية. فالبناء هو الإطار الذي تنتظم فيه أحداث الرواية، واللغة هي الطريقة التي تسرد بها هذه الأحداث. ولذلك، لا يمكن للرواية أن تكتمل، وترتقي إلى مستوى الإبداع، بالبناء وحده أو باللغة وحدها. شخصيا، أهتم بالبناء بقدر اهتمامي باللغة. فالبناء الدرامي المحكم هو الذي يتمثل في وجود خيط رابط بين الأحداث من بدايتها إلى نهايتها، ويجعل الأحداث تتطور تطورا منطقيا وفق طبيعة الشخصيات والصراعات التي تعيشها سواء كانت صراعات ذاتية أو غيرية."
وتضيف "اللغة هي الوسيلة التي تصور الشخصيات والأمكنة بدقة، وتنقل أحاسيس ومشاعر الشخصيات بصدق، وتحدد نوعية الحوار وفق مستويات الشخصيات وبيئاتها... أشتغل دوما على جمالية اللغة، وسلاستها، وبساطتها رغبة مني في تقديم وجبة شهية للقارئ تمتعه ولا ترهقه، لأن متعة القراءة شرط أساسي من شروط الإبداع."
تسألها "العرب" ختاما بعد "رسائل دامية"، ما الأسئلة التي ما تزال تشغل عليها روائيا؟ وهل هناك مشروع جديد يواصل الاشتغال على الإنسان والهامش، أم أنها تتجه إلى عوالم سردية مختلفة؟
تقول الكاتبة المغربية "مشاريعي الروائية كثيرة لأن الواقع يفرض دوما أسئلة جديدة، ومتجددة، ولأني ملتحمة بالواقع الذي أعيشه، وأتفاعل معه بقوة. ولا أدري إن كان الزمن سيسعفني لإنجاز بعضها. والهامش دائما حاضر لأنه المادة الأساسية لمشاريعي."
وتتابع الزهرة رميج "يهمني المهمشون سواء في الماضي أو في الحاضر لأنهم محرومون من الحياة الكريمة لأسباب متعددة، ولأن مأساة الإنسان تصل ذروتها عندما يولد ليتعذب ثم يموت. فقيمة الحياة تكمن في سعادته لا في شقائه. ولهذا، أنتقد كل الظواهر التي تحرم الإنسان من السعادة مثل الجهل والتخلف والفساد والاستغلال وما إلى ذلك... أما حاليا، فأشتغل على مجموعة قصصية قصيرة، أعود بها إلى القصة القصيرة، إذ لم أصدر أي مجموعة في هذا الجنس طيلة عشر سنوات."

