أحمد إمام لـ«العرب»: القصيدة الجميلة لا تصنعها النوايا النبيلة

الشاعر المصري الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي يرى في التتويج دفعةً لمسيرته، ويكتب الشعر ببطء بين السيرة والتخييل
الجمعة 2026/09/04
الجائزة ضوء في طريق الشعر الطويلة

يأتي الشاعر المصري أحمد إمام إلى الكتابة من منطقة تجمع البساطة بالعمق، وتتعامل مع اليومي والإنساني بعيداً عن الزخرفة اللفظية والمباشرة. وقد لفتت تجربته الانتباه بفوزه بجائزة الشارقة للإبداع العربي (الإصدار الأول) 2025 في فرع الشعر، عن ديوانه «لا طرق خلف الباب»، ليضيف هذا التتويج محطة جديدة إلى مساره الشعري ويفتح نصوصه على قراءات وأسئلة تتصل باللغة والتخييل وتجربة الذات.

يستقبل إمام الجوائز بفرحة مشوبة بالحذر، فالفوز بجائزة ذات سمعة وتاريخ أدبيين، بالنسبة إليه، لا يمثل مجرد لحظة احتفاء، وإنما دفعة إلى الأمام وضوءاً ضرورياً في طريق الشعر الطويلة والوعرة. كما يرى في التتويج فرصة لخروج القصائد من فضاءات النشر المحدودة إلى فضاء الكتاب المنشور، وهو ما ظل بعيداً عنه زمناً.

أما ديوان «لا طرق خلف الباب»، فقد استمد عنوانه من مطلع قصيدة «زيارة»، لكنه اتسع في دلالته ليصبح مفتاحاً لبقية قصائد المجموعة. ويجد إمام في الغموض، بدرجته المحمودة، ركناً من أركان الفن الشعري، لأن القصيدة، في تصوره، لا ينبغي أن تسلّم نفسها للقارئ من القراءة الأولى، بل تترك له مساحة للطرق والاكتشاف والتأويل.

السيرة والتخييل

ويقول إمام لـ"العرب" إن "قصائد الديوان كُتبت في فترات متفرقة، وانطلقت من هواجس وأسئلة مختلفة، قبل أن يجمع بينها أثناء إعداد الكتاب تسلسل جمالي مقصود يحمل مرايا متعددة للذات والآخر. ومن هنا جاء الرهان على قارئ يطرق أبواب النصوص ويكتشف ما تخفيه وراء عناوينها وصورها."

ينطلق إمام في تجربته من أسئلة وجودية اختمرت في داخله، محاولاً أن يعرّف بنفسه شعراً، لكنه لا يحصر القصيدة في النظر إلى الداخل. فثمة عين أخرى تتجه إلى العالم المحيط وتحاول إعادة صياغته، لتتداخل في هذه الرحلة عناصر السيرة والتخييل إلى درجة تتراجع معها الحدود الفاصلة بينهما.

ولا يرى الشاعر في هذا التداخل تناقضاً، بل جزءاً من طبيعة الكتابة الشعرية التي تستفيد من التجربة الشخصية من دون أن تتحول بالضرورة إلى سيرة ذاتية مباشرة. فالقصيدة، في النهاية، تعيد إنتاج ما عاشه الشاعر وما رآه وما تخيله ضمن بناء جديد.

وفي نظره، فإن المشهد الشعري العربي لا يزال حيوياً، سواء على مستوى الأشكال الشعرية أو اختلاف الأجيال. وقد أثرت وسائل النشر الحديثة، ولا سيما تطبيقات التواصل الاجتماعي، في شكل القصيدة وحجمها ومضمونها، نتيجة اختلاف طرق التلقي، لكنها لم تُخرج المشهد، في رأيه، عن ظاهرة قديمة تتمثل في كثرة تتشابه، وقلة تحاول الاختلاف، وندرة تدفع بالقصيدة إلى الأمام.

الشعر بوصفه شعراً

يؤمن إمام بأن الشعر ما يزال قادراً على التأثير في الإنسان، لكن هذا التأثير ينبغي أن يُقاس بمعايير الشعر الجمالية، لا بمدى حضوره الجماهيري أو قدرته على إنتاج أثر مباشر وسريع. فالشعر، بالنسبة إليه، يحتاج إلى وقت كي يترك أثره، ورسالة القصيدة الأولى أن تكون شعراً.

 

في قصائده يتعامل أحمد إمام مع الكتابة الشعرية ببطء وروية، ولا يرى في النسخة الأولى للقصيدة صيغة مكتملة

ومن هذا المنطلق، لا يرى أن حسن النوايا أو نبالة المقصد يمكن أن تصنعا قصيدة جميلة بالضرورة، لأن القيمة الشعرية تنبع أولاً من داخل العمل نفسه. أما هيمنة الوسائط المرئية، فيراها تأثيراً طال مختلف أشكال الكتابة والفنون، ولم يكن الشعر وحده معنياً به.

ذاكرة شعرية واسعة

تشكلت تجربة أحمد إمام عبر قراءات متعددة لم تقتصر على الشعر. وهو يعتبر التأثر والتأثير جزءاً طبيعياً من العملية الإبداعية، وإن كان شديد التعقيد. ومن بين الأسماء التي تركت أثراً في تكوينه، يستحضر شعراء المعلقات والمتنبي ومحمود درويش ومحمد الماغوط وأحمد حجازي، إلى جانب تشارلز سيميك ويانيس ريتسوس وغيرهم.

ولا يقدم هذه الأسماء بوصفها مصادر مباشرة لكتابته، بقدر ما يراها جزءاً من قافلة طويلة من الشعراء العرب والأجانب الذين مروا عبر تجربته القرائية وأسهموا، بدرجات مختلفة، في تشكيل ذائقته ورؤيته للقصيدة.

القصيدة لا تولد من نسختها الأولى

يتعامل إمام مع الكتابة ببطء وروية، ولا يرى في النسخة الأولى للقصيدة صيغة مكتملة. فالكتابة الأولى بالنسبة إليه ليست أكثر من استجابة لما يشبه الطنين أو الوخزة، قبل أن تدخل القصيدة مرحلة أخرى أكثر نضجاً، يكون فيها الوعي حاضراً بصورة أكبر.

بعد ذلك تأتي مرحلة التحرير، التي تسبق خروج القصيدة إلى العالم، محملة بأسباب بقائها أو احتمالات تلاشيها السريع. ويكشف هذا التصور عن علاقة تقوم على المراجعة والصبر، لا على التعويل على لحظة الإلهام وحدها.

وبعد الفوز بالجائزة، يشعر الشاعر بأن الحفاوة تحمل في داخلها مسؤولية جديدة. فالوقوف تحت بقعة الضوء يفرض، في رأيه، سؤال الاستحقاق، ويجعل التتويج حافزاً إلى مزيد من العمل والاجتهاد. وحتى لحظة التكريم نفسها تتحول من احتفاء إلى مطالبة ضمنية بمواصلة الطريق وإثبات جدارة البقاء في المشهد.

قصيدة نثر في الطريق

وفي المرحلة المقبلة، يعمل أحمد إمام على وضع اللمسات النهائية على ديوانه الثاني، الذي ينتمي إلى شكل آخر من أشكال الكتابة الشعرية، هو قصيدة النثر، ومن المنتظر أن يصدر خلال بضعة أشهر.

وهكذا تبدو الجائزة بالنسبة إلى الشاعر محطة لا نهاية؛ ضوءاً يضيء الطريق، لكنه لا يعفي من مواصلة السير فيه. فالمشروع الشعري، في تصوره، لا يكتمل بتتويج واحد، وإنما يتشكل عبر الكتابة والمراجعة والقراءة والبحث المستمر عن صوت قادر على أن يضيف إلى القصيدة، لا أن يكرر ما سبقها.