صالح لبريني: الطفرة الرقمية هزّت مكانة الشعر والشعراء
يعد صالح لبريني واحدا من الأصوات الشعرية والنقدية المغربية التي راكمت حضورا لافتا في المشهد الثقافي العربي، حيث يجمع بين حساسية الشاعر وصرامة الناقد، في توازن قلما يتحقق. في هذا الحوار مع "العرب" ندخل معه إلى خفايا الكتابة الشعرية.
سواء في دواوينه الشعرية أو كتاباته النقدية، ظل صالح لبريني وفيا لانشغال عميق بأسئلة اللغة والهوية والتحول، ساعيا إلى مساءلة الواقع الشعري العربي واستشراف آفاقه الممكنة. وقد عزز هذا المسار بإسهاماته المنتظمة في الصحافة الثقافية، بما يعكس صورة المثقف الحركي المنخرط في قضايا الإبداع والمجتمع.
ويأتي كتابه الأخير، "الشعر العربي: العبور من اليباب إلى الخصوبة"، ليؤكد هذا الأفق الفكري والجمالي، حيث يقترح قراءة في تحولات الشعر العربي، بين لحظات الجفاف وإمكانات التجدد والانبعاث.
القصيدة العربية والحداثة
نبدأ حديثنا مع لبريني من كتابه الأخير، "الشعر العربي: العبور من اليباب إلى الخصوبة"، الذي يطرح فيه تحولا دلاليا وجماليا، ونسأله عن قصده تحديدا باليباب والخصوبة في السياق الشعري العربي، ليقول "قبل الحديث عن المقصود باليباب والخصوبة لابد أن أشير إلى أن الكتاب عبارة عن تأملات في الكتابة والشعر وعن بيانات شعرية منطلقا من رؤية تحليلية وصفية للكتابة وتجلياتها وأهوالها ومتاهاتها مقترحاً أفقاً مغايراً يعبّر عن تصوري لها وللشعر المجرّة التي تحتاج إلى الكشف والإضاءة، إضافة إلى البيانات التي تجسّد مفهومي للشعر ومستقبله في ظلّ التحولات القائمة إبداعيّا وقرائيّاً".
ويعتبر عمله هذا محاولة للقبض على الذي لا يُقبَض نظرا إلى خروقاته التركيبية واختراقاته لأفق الانتظار لدى القارئ، كما يلفت إلى أنه تناول فيه بالقراءة والدراسة تجارب شعرية مغربية وعربية لها أطرها المعرفية والمرجعية وأصواتها وتجاربها الشعرية التي تتماشى مع ذائقته، مبرزا ما تحفل به من رؤى سمات جمالية وأبعاد دلالية. هذه الأقانيم الثلاثة (تأملات، بيانات، قراءات) تشكّل هوية الكتاب هذا من جهة. ومن جهة ثانية سعى من خلاله إلى إضاءة مسار التحوّل الذي شقّته القصيدة العربية.
ويرى لبريني أنه على هذا المعطى فإن وصف الشعر العربي بـ"اليباب" إحالة ضمنية على هيمنة الطابع التقليدي على النص والخطاب معاً، بمعنى أن القصيدة العربية ظلّت قرينة النسق الكلاسيكي الذي لم يزدها إلا تكرارا واحتذاء صوتها الشعري صدى الماضي وهواجسه، الأمر الذي جعلها أيضا إنشادية الهوية هذا على المستوى الشكل. أما على المستوى الجمالي فنجد الآراء تتضارب وتتناقض وذلك وفق الوعي الشعري والذائقة الشعرية.
أما المبتغى من التوصيف الثاني "الخصوبة" فيعني به التحديث والتجديد الذي طال النص الشعري والكتابة الشعرية مما أفضى إلى خلْق شعرية حداثية تتبنى الخروج عن النمطية العمودية والانتماء إلى نمطية جديدة تقوم على أساس السطر الشعري، والتي أصبح فيها الشاعر منتسباً إلى صوته الداخلي ورجّاته واهتزازاته الباطنية. هنا بلغ الشعر خصوبته الفنية والجمالية ومازالت من رحمه تتخلق تجارب وأصوات تثري الشعرية العربية وتقودها إلى أفق شعري جديد ومُحدث، وهو ما بصمه بالخصوبة. إذن هو مسار إبدالي يتجدّد بتجدّد الأسئلة الشعرية وقضايا الواقع ويخوض غمار المغامرة والمغايرة، بل يمكن القول إنه مسارٌ إحداثيّ.
تسأل "العرب" لبريني هل أن الشعر العربي اليوم يعيش فعلا لحظة عبور، أم أننا ما زلنا عالقين في مرحلة انتقالية لم تتضح معالمها بعد؟ فيجيبنا "أعتقد أن الشعر العربي دائم العبور، لا يظل مقيما في محطة معيّنة، بل محطاته موسومة بالتعدّد والاختلاف، إنه في سيرورة تاريخية أبدية تفضي إلى صيرورة تكشف عن حقيقة التحول والإبدال. ورغم هذه الحركية الدينامية إلا أن العبور تعترضه متاريس كثيرة وعلى رأسها أن العقل العربي تقليديّ بامتياز ومازال يحنّ إلى حياة المضارب والخيام وصهيل الخيول وصليل السيوف، والدال على ذلك الحشد التنظيمي لمهرجانات القصيدة التقليدية وتخصيص جوائز تسيل لعاب الشعراء الذين لم يعد همّهم الخلق والإبداع، بقدر ما انشغلوا بالاتباع والتكرار والسير على نهج الأسلاف."
ويضيف "في المقابل يعيش شعر التفعيلة وقصيدة النثر عزلة وغربة بعد الغياب القسري للمؤسسات الثقافية الحداثية وتخليها على النص الشعري المعاصر، وللملاحق الثقافية والمجلات التي كانت وسائل إعلامية لنشر وإذاعة هذه الأشكال الشعرية الحداثية والجديدة. وعليه فهذا العبور/ الانتقال من لحظة تقليدية إلى لحظة حداثية عبور وجود لأن الطفرة الرقمية كعامل من عوامل الجزر الذي يعيشه الشعر العربي أسهمت في تراجع مكانة وقيمة الشعر والشعراء."
الشاعر والناقد
بصفته شاعرا وناقدا في الآن ذاته، تسأل "العرب" صالح لبريني عن طريقة توفيقه بين حساسية الإبداع ومتطلبات التحليل النقدي، فيقول "لا شك أن الشاعر الناقد يكابد صراعاً داخليا بين الإبداع والممارسة النقدية، فالأول له ظروفه وحيثياته ودواعيه الذاتية والنفسية، ويتطلب الطاقة الداخلية ليحوّل العاطفة/ التدفّق الشعوري والفكر إلى لغة انزياحية سامية بتعبير جان كوهن، ويصب رؤاه في أحياز شكلية تليق بهذه الرؤى وتستجيب لأفقه الإبداعي، بعبارة أخرى فالشاعر يقول الذات والعالَم باللغة المفارِقة والخارقة والمخترقة."
ويتابع "أما الناقد فيمارس الإبداع بمنظور القارئ المتبصر والمتدبر للنص المنقود ولكن بلغة نقدية تعتمد آليات وأدوات لتحليل وتشريح وتفكيك معالم الخطاب للكشف عما يختزنه من جماليات وأبعاد دلالية، وهذا يحتاج من الناقد توظيف ذخائره المعرفية والفكرية وتجربته القرائية. وبالنسبة إلي أرى أن الشاعر أول قارئ وناقد لما يكتبه ويبدعه ومن ثم أرى أن الإبداع والنقد متكاملان بتداخلهما وتوالجهما أثناء العملية الإبداعية."
للشاعر والناقد المغربي حضور مستمر في الجرائد والمجلات. تسأله "العرب" كيف يقيم دور الكتابة الصحفية في إغناء التجربة الأدبية، وهل تفرض إكراهات على عمق الطرح؟ فيجيبنا "تؤدي الكتابة الصحفية دورا هامّا في تسليط الضوء على النتاج الإبداعي، وتسعى إلى تقديمه بأسلوب يبتعد عن المصطلحات النقدية الأكاديمية، لأن المقصدية تعريفية بالكتاب الإبداعي ومحاولة تقريبه للمتلقي، وتحفيزه على البحث عنه لتجسير العلاقة معه. وتثري التجربة الأدبية جرّاء تنوع المقروء. فكل كتاب إبداعي لابد أن يضيف معرفة جديدة أو أفكارا مستحدثة هامة، لكن السلبي فيها أنها قد تجني على مستوى الطرح النقدي، خصوصا إذا استحضرنا طبيعة الجرائد والمجلات التي تحدّد حجم المقال بعدد الكلمات، وفي هذا إجحاف في حق النص المنقود."
يصفه البعض لبريني بالمثقف الحركي، لكنه يرى أن هذا الوصف أكبر من تجربته المتواضعة في الإبداع والممارسة القرائية للإبداع العربي عموما والمغربي خصوصا، ويظن أنه مازال طفلا صغيرا يتعلم المشي في مناطق الإبداع والقراءة المفخخة بأهوالهما وما تخفيه من جغرافيات مبهمة التي تحتاج إلى الكشف والاكتشاف.
بالأدب تستطيع البشرية مقاومة اللامعنى المهيمن على حياتنا المعاصرة، والحفاظ على الذاكرة والهوية ومواجهة تشييء الإنسان وتحويله إلى سلعة
من ناحية أخرى يقرّ بالمسؤوليات الملقاة على المثقف تجاه المجتمع وقضاياه، مبرزا أنه يجب التمييز بين المثقف الخبزي/ الموظف الذي يكتفي بالكتابة دون الانخراط القولي والفعلي في ما يعيشه المجتمع من قضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وهو في رأيه مثقف سلبي لأنه لا يمتلك وعياً حقيقيّا. أما المثقف المناضل المقاوم فيتحلى بالوعي العميق بوظيفته الرسالاتية داخل المجتمع. بل ويمثل لسان حاله والمعبّر عن آلام وآمال الناس. لكن هذا الصّنف أصبح نادرا في عالمنا العربي نظرا إلى التحولات التي عرفها الواقع والتراجعات الخطيرة التي مسّت كل مجالات الحياة العربية.
الأدب والعالم المعاصر
في ظل التحولات الرقمية، نسأل صالح لبريني كيف يرى موقع الشعر اليوم، وهل تغيرت شروط تلقيه أو إنتاجه؟ ليقول "أرى أن الطفرة الرقمية قد أحدثت حلحلة على مستوى النظر إلى الشعر وكيفية تلقّيه، ذلك أن الشعر تخلص من الورقي بالانتقال إلى الفضاء الافتراضي، إذ تمرد على التسميات القديمة التي كانت تعتقله بين دفتي كتاب/ ديوان، أي تحرّر من سلطة دور النشر الكلاسيكية وأصبح جوّاباً للعوالم المحتملة."
ويضيف "أما طريقة قراءته تقليدياً لم تعد تسعف قارئ الشاشة الزرقاء، لكون النص الشعري صار متعدّد الوسائط حيث حضور الخط/ الكلمة إلى جانب الصورة والموسيقى. والأكثر من هذا تجاوز سلطة دور النشر التقليدية ليصل إلى المتلقي متنوع ومختلف بدون استئذان وبدون رقم الإيداع وسنة الطبعة، بل يحمل جواز العبور الأبدي."
ويؤكد أن كلّ هذا كان لها تأثير على شروط التلقي إذ تمّ التخلّي عن القراءة النمطية باختيار القراءة الومضية البرقية (نسبة إلى الومض والبرق) التي تلاءم منصات التواصل الاجتماعي ومسايرة سوق الاستهلاك السريع للمحتوى، كما أن القارئ تغيّر فأصبح قارئا مشاركا وفاعلا ومتفاعلا ومسهما في ذيوع النص. لكن هذه السيولة الرقمية لعبت دور إفساد الذوق العام نظرا إلى استسهال الكتابة الشعرية لدى البعض، ومع ذلك فإنها بيّنت أن الشعر قادر على تجديد دمه وروحه الفنية والجمالية دون فقدان هويته وأصالته.
وتسأل "العرب" لبريني إلى أي حد يمكن للناقد أن يسهم في توجيه الذائقة الأدبية دون أن يتحول إلى سلطة معيارية تقيد الإبداع؟ فيقول "إن الوظيفة المثلى للناقد لا تنحصر في القراءة النقدية العابرة والآنية، وإنما تمتد إلى العمل على تشكيل وعي جماليّ وفنّي، وتمكين المتلقي من الآليات والمكانيزمات النقدية التي تعينه على الفهم والتحليل والكشف عن مخبوءات النص المنقود، وتكسبه ذائقة أدبية تجعله قادرا على محاورة النصوص ومجاورتها تدبّرا وروية لاستكناه عتماتها وإضاءتها بالوعي الجمالي والفني. وعلى الناقد أيضا ألا يسلط سيف ديموقليدس على القارئ من خلال وضع معايير مجحفة في ذائقته الأدبية وفي حق الإبداع الذي أصله عدم الخضوع للمقاييس المكبّلة والخانقة لروحه المتمرّدة.
يقال إن الأدب عموما لا دور له في الزمن الراهن. باعتباره شاعرا ومثقفا، تسأل "العرب" لبريني كيف يرى هذا الأمر، وما هو الدور الذي يعتقد أن الأدب يمكن أن يقوم به؟
فيجيبنا "إن من يقول هذا القول لا يدرك قيمة الأدب ودوره في جعل الإنسان يمتلك الوعي العميق بالكينونة والقدرة على اكتشاف مجاهل الروح الإنسانية والشعور بجدوى الحياة والوجود. فبالأدب تستطيع البشرية مقاومة اللامعنى المهيمن على حياتنا المعاصرة، والحفاظ على الذاكرة والهوية ومواجهة تشييئ الإنسان وتحويله إلى سلعة."
ويتابع "إن الأدب صراع ضد التفاهة والإسفاف والعبودية والتسطيح، ووسيلة للمقاومة والدفاع عن إنسانية الإنسان التي تتعرض لأبشع حرب حضارية، إنها حرب الاستعباد وإنتاج القطيع. بالأدب تحيا الأمم وتستيقظ العقول من التخدير الرقمي الملعون والتخلص من الماديات والعودة إلى المعنوي الأصيل والعميق."
الكتابة أداة للمقاومة
نتطرق للحديث مع صالح لبريني إلى الثيمات أو الهواجس التي تعود إليه باستمرار في دواوينه الشعرية وإن كان يغير صوته الشعري عبر الزمن، فيقول لـ"العرب" إن "الحديث عن تجربتي الشعرية المتواضعة أمر لا أحبذه ولا أرتضيه، لأن هذه المهمة متروكة للنقد ليقول رأيه في ذلك. أما أن ينوب الشاعر عن أعماله فهذا ظلم له ولها، وأعتقد أن العمل الشعري بمجرد أن يخرج بين دفتي كتاب لا يحق لصاحبة التحدث عنه، بل بجب أن يمنحه حياة أخرى يكتسبها من القارئ الناقد."
ويضيف "تجاوزا يمكن أن أتحدث أن أهم التيمات والهواجس التي تشكّل عصب تجربتي الشعرية وتتمثل في حضور الذات كمكون مؤثث للخطاب الشعري؛ وهي ذات متوترة وصدامية مع الوجود، واستعادة المكان والغياب من خلال الحفر في الذاكرة والهوية، ثم اعتبار المحو والرفض للجاهز الثابت قناعة راسخة في الكتابة الشعرية. أما الصوت الشعري فهو ممتد في مسار شعري أعتقد أنه تغيّر بتغيّر الأسئلة والقضايا المطروحة ومن ثم أأكد أن الشاعر الذي لا يعيد النظر في ما أنجز من تجربة فلن يستطيع تقديم إضافات للشعرية العربية المعاصرة."
أما عن سؤال لماذا يكتب الشاعر صالح لبريني؟ فيجيبنا "أعتبر الكتابة في بداياتي الأولى تعويضا عن اليتم الأسري بفقدان الأب وأنا مازلت صغيراً، وقد كان لهذا الغياب تأثير على وجودي وورثني جرحاً لن يندمل مما جعل علاقتي مع الآخر وبالمحيط متوترة. لكن مع الوعي والنضج والصداقة التي ربطتها مع الكتاب تحوّلت الكتابة إلى أداة للمقاومة، مقاومة الغياب، مقاومة كلّ أشكال الظلم والاستعباد، مقاومة اللامعنى الذي غدا واقعاً مؤلما والتسليع والتشييء الذي يتعرض له الإنسان في زمن هيمنة النزعة المادية والتيه الوجودي للبشرية.
أكتب لأواجه قبح العالَم بالجمال والجلال حفاظا على كينونتنا المهدّدة بالهشاشة والفناء."