سفيان رجب لـ"العرب": الأدب يغيّر الواقع كما تنحت المياه الحجارة

الكاتب التونسي يؤكد أن النص الحقيقي يبدأ من الأسئلة لا من الشعارات.
الخميس 2026/07/16
أكتب لأكون الآخر، وأقرأ ليكون الآخر فيَّ

خط الشاعر والكاتب التونسي سفيان رجب مسيرة أدبية تتجاوز التصنيف الأجناسي للأدب، فأصدر كتبا في الشعر والقصة والرواية دون أن يفصل كتابة عن كتابة في عمقها، ولعل ذاك ما منحه فرادته. "العرب" كان لها مع الكاتب هذا الحوار حول عوالم الكتابة ورؤاه فيها وحولها.

يعد الكاتب والشاعر سفيان رجب من الأصوات التونسية التي انشغلت بالكتابة الإبداعية بوصفها أفقا للتأمل في الإنسان والعالم. في نصوصه تتقاطع أسئلة الذات والواقع والذاكرة، وتنبني رؤيته على حس جمالي يسعى إلى استنطاق التفاصيل اليومية والكشف عن المعاني الكامنة خلفها.

 في هذا الحوار مع “العرب”، نقترب من عالمه الإبداعي ومن تصوره للكتابة باعتبارها فعلا جماليا وإنسانيا في الآن ذاته.

الأدب قضية خاصة

أغلب شخصيات روايات رجب وقصصه يقترحها عليه الواقع، لكنّه يعملُ على تغيير ملامحها وإعادة بنائها
أغلب شخصيات روايات رجب وقصصه يقترحها عليه الواقع، لكنّه يعملُ على تغيير ملامحها وإعادة بنائها

نسأل سفيان رجب بداية حول علاقته الأولى بالكتابة، وهل كانت خيارا واعيا أم قدرا لا مفر منه؟ ليجيبنا “أعتبر أنّ الكتابة كانتْ قدرًا لي، منذ طفولتي كنت أردّد بأنّني سأكون كاتبًا، وكنتُ أقترب من كلّ أسباب الكتابة، وأبتعدُ عن كلّ ما يُبعدني عنها، طلّقت بعد شهرين من زواجي لأنّ زوجتي فسخت لي ثلاثة مخطوطات من الحاسوب، دومًا أقف في صفّ الكتابة وأدفعُ عنّي كلّ ما يعاديها، أرى نفسي خلقتُ للكتابة ولا عالم لي خارجها، أقضّي يوميًّا أكثر من خمس ساعات بين القراءة والكتابة، وحتّى حين أتمشّى أفكّر في الكتابة، ولا أبالغ إنْ قلت حتّى أثناء نومي أحلمُ بها”.

أما عن خصوصية صوته الأدبي فيقر بأن قراء أدبه هم المخولون للإجابة عن هذا السؤال، مضيفا “كما أن النّقّاد تكون إجاباتهم أكثر دقّة منّي، فالكاتب يصعب عليه الحُكم على ما يكتب. ما يمكنني الإجابة عنه هو أنّ الكاتب المخلص لتجاربه سيكون مختلفًا عن الآخرين ومتفرّدًا بطبيعته، فالتّفرّد ليس غاية إنّما هو نتيجة طبيعيّة لاختلاف وفرادة التّجربة الإنسانيّة. على الكاتب أنْ يقرأ تجارب الآخرين لكن عليه هضم قراءاته، حتّى لا تتحوّل نصوصه إلى مرايا لنصوص الآخرين”.

يستلهم الكتّاب شخصياتهم عادة من الواقع، تسأل “العرب” سفيان رجب أين تبدأ حدود التخييل؟ ليعلّق “الواقع يؤثّر فينا، وإنْ لذنا بالخيال، وتقنّعنا بالرّموز والأحاجي، ولذلك أغلب شخصيات رواياتي وقصصي يقترحها عليّ الواقعُ، لكنّي أعملُ على تغيير ملامحها وسيرها، إلى الحدّ الذي تتحوّل فيه إلى شخصيّاتٍ أخرى، وأحيانًا أمزج بين شخصيّتين أوْ أكثر وأخلقُ شخصيّات جديدة”.

ويتابع “في أحيان كثيرة يهاجمني البعض بتهمة أنّني وظّفتُ شخصيّته وسيرته في إحدى قصصي، وأتفاجأ بالتّقارب الكبير بينه وبين الشّخصيّة القصصيّة، رغم أنّني لمْ أقصد ذلك”.

وحول قدرة الأدب على تغيير الواقع يرى الكاتب التونسي أنه إذا لمْ نفكّر في تغيير الواقع من خلال الأدب فلا جدوى من الكتابة أصلًا. إنّ الأدب، في رأيه، يغيّر الواقع هذا لا شكّ فيه، لكنّ التّغيير يكون بصبْرٍ وهدوء، إنّ الأدب يفعل في الواقع ما تفعل الرّيح والماء في الحجارة، تظلّ تنحتها ببطء وبصبرٍ عجيب، دون أنْ تلاحظ العين المجرّدة ذلك التّغيير.

نسأله هنا عن القضايا التي يشعر أنها تلاحقه ككاتب وتفرض حضورها في نصوصه، ويقر رجب بأن هذا السؤال عميق جدًّا، رغم بساطته وهدوئه، إنّ الأدب الذي لا يحملُ قضيّة لا جذور له ولا أجنحة، لكنّ القضايا الحقيقيّة لا تكون جاهزة أو مستعملة إنّما على الكاتب أنْ يخلقها، أو بمعنى أعمق يكتشفها.

ويضيف “ما كُنّا نتوهّم، خلال نصوصنا الأولى، أنّها قضايانا الكبرى، سنكتشف بعد أنْ ننضج أنّ تلك القضايا لا تخصّنا، هي قضايا غيرنا، ولنْ نضيف إليها شيئًا غير الشّعارات الفارغة، ثمّ نكتشفُ بتعمّقنا في قراءة أنفسنا وقراءة الآخر أنّ قضايانا الحقيقيّة تعيشُ معنا مهمّشة، دون أنْ ننتبه إلى ذلك، سندرك لحظتها أنّ الأسلوب قضيّة، وأنّ الخصوصيّة الحضاريّة والعمل على تطويرها وفتحها على العالم قضيّة، ومحاكمة التّاريخ بأدوات فنيّة مرنة وذكيّة قضيّة، وأنّ التّخييل قضيّة”.

الحواجز والمشي والقفز

في نصوصه تتقاطع أسئلة الذات والواقع والذاكرة
في نصوصه تتقاطع أسئلة الذات والواقع والذاكرة

حول كيفية تعامله مع فكرة القارئ، هل يكتب له أم يكتب لنفسه أولا؟ يقول رجب “الجواب ليسَ محسومًا، فأنا أكتب لنفسي وللآخر، عقلي شريحة ذاكرة إنسانيّة أحاول أنْ أملأها بما أقدر عليه من المعرفة الإنسانيّة، من خلال القراءة والكتابة أيضًا، وبالقدر الذي تكون فيه تلك الشريحة موسوعيّة بقدر ما أفهم ذاتي وأستوعب الآخر.. هذه فلسفتي في الكتابة، أكتب لأكون الآخر، وأقرأ ليكون الآخر فيَّ. هذا فهمي للكتابة بوصفها محاولة جادّة لتشريح الوجود الإنسانيّ، وليست مجرّد براهين تحاول أنْ تُثبت فيها للآخر طريقة تفكيرك، أوْ تمارسُ فيها شطحاتك النّرجسيّة”.

أما عن التحديات التي واجهته في مساره الأدبي، خاصة في بداياته، فيقول “التّحديات شرط مهمّ في طريق الأدب، والحواجز توضع لتعلّمنا القفز لا لتمنعنا من المرور، وهذا ما أفعله عادة مع ‘تلاميذي في الكتابة’، أضعُ أمامهم حواجز فنيّة، فمن يكتسبُ القدرة على القفز ينجو، ومن لا يقدرُ على ذلك لا يستحقّ أنْ يكون كاتبًا. ما مررتُ به في حياتي من حواجز هو ما وهبني أجنحتي، تمكّنتُ بمرونة من عبورها ومن تحويلها إلى مادّة للكتابة، فالقارئ اللّبيبُ سيكتشفها من خلال النّصوص التي كتبتها، أمّا أصحاب الفضول البدائيّ فلا وقت لي لأطعمهم من فتات معاناتي على أوّل رصيف”.

تتطرق “العرب” مع سفيان رجب إلى الحديث عن التحولات الرقمية وتأثيرها على الكتابة والنشر، إذ يرى أن الأدب الحيّ يحملُ روح عصره، أمّا ذاك الذي يجترُّ ما لفظه السّابقون فهو أدب منتهي الصّلاحيّة.

ويتابع “أسئلة جيلي تختلفُ عن أسئلة الجيل السّابق من الأدباء، وروح العصر الذي أعيشُ فيه تختلفُ بالضّرورة عن روح عصره، لذلك فإنّ المسألة لا تفترضُ حديثًا عن تحديّات بقدر ما تفترضُ حديثًا عن طريقة وأسلوب توظيف ‘هذا العالم الرّقميّ’ في النّصّ الأدبي، واكتساب حساسيّات جماليّة جديدة، من خلال ذلك”.

وبسؤاله إن كانت له طقوس أثناء الكتابة، أم أن النص يأتي في لحظات عفوية، يقول “أهمّ طقوسي في الكتابة هي المشي، حين أشعرُ أنّني مزدحم بالأفكار وأنّ نصًّا جديدا بدأ ينضج في مطبخي الذّهنيّ أغادر بيتي وأمشي في الغابة. أهمّ حافز ومنشّط للكتابة عندي هو المشي. أمشي لمسافات طويلة وأفكّر، وأحيانًا أحدّث نفسي أوْ أتحاورُ مع شخصيّات روايتي الجديدة. بتلك الطّريقة كتبتُ أغلب نصوصي تقريبًا، ولأجل ذلك اخترتُ السّكن جنب الغابة التي تعوّدت على التّمشّي داخلها”.

أخيرا، تسأل “العرب” الكاتب التونسي سفيان رجب عن المشروع الأدبي الذي يحلم بإنجازه ولم يتحقق بعد، ليجيبنا “أعملُ على عملٍ روائيّ ألخّصُ به تاريخ تونس، ولا ينزاحُ عن أسلوبي وطريقتي في الكتابة الرّوائيّة، عمل يظهرُ في مخيّلتي مثل النّجم، يحتاجُ إلى جهدٍ كبير في التّحليق، لكنّني قادرٌ على بلوغه”.

8