المصممون العرب لم يعودوا في موقع المتابع بل أصبحوا لاعبين فاعلين دوليا
في عالم تتسارع فيه وتيرة التنافس على الابتكار، أصبح التصميم واحدًا من أهم المعايير التي تقيس بها الدول حضورها في الاقتصاد المعرفي، فلم يعد مجرد شكل جمالي يضاف إلى منتج أو مبنى، بل تحول إلى لغة تعبر عن قدرة المجتمعات على التفكير بطريقة مختلفة وحل مشكلاتها بأدوات جديدة، وفي ظل هذا التحول ظهرت منصات عالمية متخصصة تتولى رصد هذا التطور وتقييمه بمعايير موضوعية بعيدة عن الشهرة الإعلامية.
ويأتي في صدارة هذه المنصات تصنيف عالمي يصدر بالتعاون بين اتحاد التصميم العالمي ومنظمة “جائزة إيه دزاين”، وهي من أعرق وأوسع مسابقات التصميم انتشارًا حول العالم، حيث يقوم هذا التصنيف على تقييم سنوي لمسيرة المصممين وأعمالهم بناء على معايير تشمل الجودة الفنية والقدرة على الابتكار والأثر العملي للتصميم.
ولا يتوقف الأمر عند إصدار قوائم بالأسماء فقط، بل يمتد إلى منح ألقاب فخرية مثل جراند ماستر ومايسترو والمصمم المشارك، تمنح بعد مراجعة دقيقة من لجان تحكيم متخصصة، وتمثل اعترافًا بمسيرة مهنية كاملة لا بعمل واحد فقط.

واللافت في نتائج السنوات الأخيرة أن المنطقة العربية تحقق حضورًا متناميًا داخل هذا التصنيف، فالمصمم اللبناني مروان زغيب حصل على لقب الجراند ماستر وهو أعلى لقب في السلم التصنيفي، وفي مصر نالت المصممة داليا السعدني لقب مايسترو، أما على مستوى المكاتب فحصل مكتب “أي.جي.آي للهندسة المعمارية” الكويتي على لقب جراند ماستر أيضًا، فيما برزت أسماء أخرى مثل المصممة الأردنية سحر مدانات والمصمم المصري أحمد حبيب في فئات الخبرة المتقدمة.
وعلى الرغم من هذا الحضور العربي المتصاعد، تبقى الصدارة العالمية حتى الآن من نصيب أسماء عالمية رسخت مكانتها منذ سنوات طويلة، كالمصمم الصيني كريس لين والياباني كاتسومي تامورا والإيطالي فلوريان سايدل والتركي هاكان غورسو، في صورة تعكس أن الإبداع لغة عالمية لا تنحصر في جغرافيا واحدة.
وإذا نظرنا إلى ترتيب الدول العربية ضمن هذا المؤشر، نجد أن لبنان تتصدر المشهد العربي تليها الإمارات فالكويت، في حين تحتل مصر مركزًا جيدًا ضمن أفضل خمسين دولة على مستوى العالم، وهو ترتيب يعكس استثمار هذه الدول تدريجيًا في الصناعات الإبداعية بوصفها رافدًا من روافد التنمية الاقتصادية لا مجرد نشاط ثقافي هامشي.
ومن أحدث الأسماء المصرية التي انضمت إلى هذا التصنيف العالمي لعام 2026 المهندس هشام العيسوي، رئيس المجلس التصديري للحرف اليدوية والصناعات الإبداعية، الذي حصل على لقب المصمم المشارك وصُنّف ضمن فئتي تصميم المنتجات ووحدات الإضاءة، وهو ما يضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة المصممين المصريين الحاضرين على الساحة الدولية.
ويأتي ذلك في إطار مسيرة مهنية للعيسوي تمتد لأكثر من عشرين عامًا في التصميم الداخلي وتصميم المنتجات، جمع خلالها بين الابتكار والهوية الثقافية المصرية في مشروعاته، إلى جانب دوره في قيادة المجلس التصديري للحرف اليدوية، حيث يعمل على ربط التصميم بسلسلة التصنيع والتصدير بما يرفع القيمة الاقتصادية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.
ويذهب متخصصون في الاقتصاد الإبداعي إلى أن قيمة هذه التصنيفات لا تكمن في كونها قائمة أسماء فقط، بل في قدرتها على قياس مدى نجاح الدول في تحويل الإبداع إلى عائد اقتصادي ملموس، خاصة أن التصميم اليوم يدخل في كل مفصل من مفاصل الصناعة، من تطوير المنتج إلى تحسين تجربة المستخدم وتعزيز قدرة الشركات على المنافسة.
وتضم قاعدة بيانات هذا التصنيف آلاف الأسماء من مصممين ومكاتب واستوديوهات عالمية معروفة، من بينها “بيبسيكو للتصميم والابتكار” و”مجموعة لينوفو للتصميم” وشركة “إيداس”، وهو ما يمنح التصنيف مصداقية باعتباره مرجعًا يرصد التطورات في مجالات متعددة كالعمارة والتصميم الصناعي والهوية البصرية.
وفي ظل تصاعد دور الاقتصاد الإبداعي في الناتج العالمي، تتحول هذه التصنيفات تدريجيًا من مجرد أداة تكريم إلى مؤشر حقيقي يقيس استثمار الدول في المعرفة والابتكار، ويبقى الحضور العربي المتزايد فيها علامة على أن المصممين العرب لم يعودوا في موقع المتابع بل أصبحوا لاعبين فاعلين على الساحة العالمية، يقدمون نموذجًا يوازن بين الهوية المحلية والانفتاح على رؤية عالمية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تحويل طاقتها الإبداعية إلى قوة اقتصادية تدعم مستقبل صناعاتها.