لماذا لا تفارقنا منازل الطفولة أبدا؟
هل سبق أن مررت أمام بيت عشت فيه طفلًا، فتوقفت للحظة وكأن الزمن انفتح أمامك فجأة؟
قد لا يكون المنزل كما تتذكره، وربما تغير سكانه أو اختفت شجرته القديمة أو أصبح الشارع أكثر ازدحامًا، لكن شيئًا ما يظل كما هو: رائحة، نافذة، درج، لون جدار أو حتى صوت باب، يمكن أن يعيد إليك في ثوانٍ عالمًا كاملًا كنت تظن أنك غادرته منذ عقود.
هذه الفكرة تقف وراء تجربة إنسانية نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية، التي طلبت من عدد من الكتاب العودة إلى منازل طفولتهم، أو استعادة تلك البيوت من الذاكرة، لمعرفة ما الذي بقي منها بعد سنوات طويلة. لكن التجربة كشفت أن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث للبيت؟ وإنما: ماذا حدث لنا نحن منذ غادرناه؟
البيت.. كوننا الأول
تستعيد الروائية ديبورا ليفي منزل طفولتها في جوهانسبرغ، حيث عاشت وهي في السابعة من عمرها، وكأنها تدخل إليه من جديد.
لا تستحضر الأحداث الكبرى بقدر ما تستعيد التفاصيل الصغيرة: رائحة ملمع الأرضيات، ضوء الشمس، البرتقال الموجود في المخزن، لعبة طفولية، غرفة النوم، والسماء التي كانت تراها من نافذتها.
تلك التفاصيل تكشف شيئًا مهمًا عن الذاكرة، نحن لا نتذكر طفولتنا بالضرورة من خلال الأحداث التي اعتبرها الكبار مهمة، وإنما من خلال الأشياء التي منحت أيامنا معناها.
ولهذا تستعيد ليفي فكرة الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار عن المنزل باعتباره "كوننا الأول". فالبيت ليس مجرد سقف يحمي الطفل، بل أول عالم يتعلم داخله معنى الأمان والخوف والخصوصية والخيال والانتماء.
جزء من الشخصية
أما الروائية إستير فرويد، فقد ارتبط أحد أهم بيوت طفولتها بمبنى قديم في شرق ساسكس كان في الأصل مغسلة ملابس ثم تحول إلى منزل للأسرة.
كان المكان غير تقليدي مثل الأسرة نفسها، ومليئًا بالتفاصيل التي تبدو اليوم كأنها مشاهد من رواية: مدفأة ضخمة، إسطبلات، عربة قديمة، مطبخ كبير، وجلسات عائلية حول الطعام والموسيقى.
كانت هناك لحظات من السعادة والدفء، لكن أيضًا توترات وخلافات عائلية.
ومع ذلك، كان هذا هو المكان الذي تعلمت فيه فرويد القراءة، وعاشت فيه بداياتها العاطفية، واختبرت للمرة الأولى معنى الأسرة بكل تناقضاتها، ثم انتهت الحياة فيه بصورة مفاجئة، غادرت والدتها المنزل، ولم تعد الأسرة إليه بالطريقة نفسها ـ وبعد عقود، عادت فرويد إلى المكان.
كان المبنى لا يزال هناك، لكن البيت الذي عاش في ذاكرتها لم يعد موجودًا.
وهنا تبدو المفارقة: يمكن للإنسان أن يعود إلى المكان، لكنه لا يستطيع العودة إلى الزمن الذي جعله بيتًا.
الجسد يتذكر قبل العقل
تجربة المعالجة النفسية والكاتبة جوليا صامويل تقدم جانبًا آخر من العلاقة بين الذاكرة والمكان. عاشت صامويل في منزلها بلندن منذ طفولتها وحتى بداية العشرينيات من عمرها، ثم لم تره لعقود.
لكن المنزل ظل يظهر في أحلامها، وعندما اقتربت منه مجددًا، اكتشفت أن جسدها تعرف إلى المكان قبل أن يستوعبه عقلها، عادت إليها صور من الطفولة، وأماكن اللعب، وأيام الصيف، وتفاصيل كانت تعتقد أنها نسيتها.
المنزل نفسه تغير، وأضيفت إليه أجزاء جديدة، لكن بعض التفاصيل القديمة بقيت، وكانت تلك التفاصيل كافية لاستعادة الإحساس بالمكان.
فذاكرة البيت لا تعمل كصورة فوتوغرافية ثابتة، وإنما كمجموعة من الأحاسيس، ولهذا قد لا نتذكر مساحة الغرفة، لكننا نتذكر كيف شعرنا ونحن نجلس فيها.
البيت بوصفه قصة هجرة
بالنسبة إلى الروائي غاي غوناراتني، يرتبط البيت بتاريخ عائلته والهجرة إلى بريطانيا. نشأ في شمال غرب لندن في أسرة ينتمي والدها إلى الجيل الأول من المهاجرين من جنوب آسيا، كان الأب يشتري العقارات ويجددها ويبيعها، وتتنقل الأسرة من منزل إلى آخر، لكن وراء هذه الحركة المستمرة كان هناك بحث عن شيء واحد: الاستقرار.
فبالنسبة إلى المهاجر الذي عرف حياة الغرف المكتظة والعمل الشاق وعدم اليقين، لم يكن امتلاك المنزل مجرد رفاهية، وإنما وسيلة لحماية الأسرة من المستقبل.
وعندما يعود الابن إلى أحد تلك المنازل بعد سنوات، فإنه لا يرى طفولته وحدها، بل يرى قصة والده أيضًا؛ قصة رجل حاول أن يبني لعائلته مكانًا آمنًا في بلد جديد.
وهكذا يصبح البيت وثيقة عائلية تختزن تاريخ الهجرة والعمل والطموح.
منزل بين الواقع والخيال
عاشت الروائية كلوي أريديجس طفولتها في هولندا داخل مقر إقامة السفير المكسيكي، حيث كان والدها سفيرًا للمكسيك، كانت في الخامسة من عمرها عندما انتقلت إلى المكان، وعاشت فيه عدة سنوات.
وبالنسبة إلى طفلة صغيرة، كان البيت عالمًا أكبر من قدرتها على فهمه؛ منزل رسمي، وضيوف، وشخصيات دبلوماسية، ومساحات كثيرة لم تكن تعرف تمامًا ما يحدث فيها، بعد عقود، أتيحت لها فرصة العودة، وقفت أمام المنزل وطرقت بابه، لكنها لم تستطع الدخول، وبقيت خلف البوابة تنظر إلى المكان الذي احتفظت به ذاكرتها طوال هذه السنوات.
ربما كان عدم دخولها هو ما جعل التجربة أكثر تأثيرًا، فالمنزل بقي كما هو تقريبًا في مخيلتها، لا كما أصبح في الواقع.
البيت الذي نحمله معنا
تجارب هؤلاء الكتاب تقول شيئًا واحدًا تقريبًا، نحن لا نشتاق دائمًا إلى البيت، وإنما إلى أنفسنا داخله. نشتاق إلى زمن كانت فيه الأسرة أقرب، والعالم أصغر، والمستقبل لم يكن قد حمل بعد كل مسؤولياته وخساراته، ولهذا يمكن لتفصيل بالغ الصغر أن يعيد إلينا سنوات كاملة.
رائحة طعام، صوت مفتاح في الباب، شجرة في الحديقة، درج صعدناه آلاف المرات، أو نافذة كنا نراقب منها العالم، ومع مرور الوقت قد يتغير المنزل، وقد يختفي تمامًا، وقد يعيش فيه غرباء لا يعرفون شيئًا عن الأشخاص الذين سبقوهم، لكن الذاكرة لا تخضع لقوانين العقار، فالبيت الذي غادرناه في العاشرة أو الخامسة عشرة أو العشرين من عمرنا يمكن أن يظل قائمًا في داخلنا حتى آخر العمر.
ربما لهذا السبب لا تكون العودة إلى بيت الطفولة رحلة إلى الماضي بقدر ما تكون رحلة إلى الذات.
نحن نقف أمام المكان القديم، فنكتشف أن الجدران ليست هي التي بقيت.الذي بقي هو الطفل الذي تركناه هناك.
وكلما مررنا بمكان من طفولتنا، ولو بعد نصف قرن، قد يخرج ذلك الطفل للحظة من مخبئه، ينظر إلينا، ثم يختفي من جديد، لكن هذه المرة، نعرف أنه لم يرحل أبدًا.