باسم خندقجي لـ"العرب": الكتابة من خلف القضبان فعل وجود لاستعادة الإنسانية وترميم الهوية
في مكاشفة إبداعية، ينسج الروائي الفلسطيني باسم خندقجي رؤية فلسفية للكتابة بوصفها فعل وجود ومقاومة صامتة. يتحدث خندقجي عن وحدة مع اللغة، وتفكيك أقنعة الاستعمار، وكيف تحول فوزه بجائزة البوكر إلى انتصار رمزي للإنسان الفلسطيني في مواجهة محاولات المحو والانتزاع والغياب.
يُعد الكاتب والأسير الفلسطيني باسم خندقجي نموذجا فريدا للمثقف المشتبك الذي استطاع تحويل زنزانته إلى صومعة للإبداع الفكري والأدبي. منذ اعتقاله في عام 2004 ومحكوميته المؤبدة، رفض خندقجي أن يكون السجن نهاية لصوته، فأصدر من خلف القضبان دواوين شعرية وروايات هامة، توجت بحصول روايته “قناع بلون السماء” على الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) لعام 2024.
تتسم تجربته بالعمق والبحث الدائم عن الهوية والمكان، حيث يكتب عن حيفا ويافا وبيروت وهو في قلب العزلة، مؤمنا بأن الكتابة هي فعل المقاومة الأسمى والوسيلة الوحيدة لاستعادة الإنسانية وترميم الذاكرة الفلسطينية في وجه محاولات المحو والتبديد.
في حديثه عن البدايات. كيف بدأ الكتابة، وما الذي قاده إليها؟، يقول خندقجي لـ”العرب” :” بدأت الكتابة بوصفها هواية، دعني أقول، منذ ما قبل فترة الاعتقال،ذلك أنني نشأت في أسرة أدبية وثقافية، بحكم أن التجارة الأساسية لعائلتي، أو إن صح القول أنشطتها الاقتصادية، كانت مرتبطة بمجال الترجمة والنشر والطباعة والمكتبة التجارية. كانت محاولاتي الأولى خلال المرحلة الجامعية، حيث كتبت بعض المقطوعات النثرية، إلى أن بدأت تتحدد ملامح اختياري للكتابة بشكل أوضح، واتجهت نحو المنحى المتصل بالنشر والطباعة. غير أن التحول الحقيقي جاء عندما كنت في المعتقل؛ فهناك بدأت المرحلة الفعلية في الكتابة والبحث عن السرد. الذي قادني إلى الكتابة داخل المعتقل هو أن الكتابة باتت تمثل بالنسبة لي فعل وجود، وفعل تحد، وفعل إرادة، وفعل أمل. والأهم من ذلك كله، أنها كانت سعيا حثيثا لاستعادة إنسانيتي داخل المعتقل؛ تلك الإنسانية التي لطالما سعى السجن الصهيوني إلى انتزاعها وتفكيكها. كنت أستعيدها من خلال ممارسة الكتابة، ومن خلال البحث عن نص أستطيع عبره أن أتحرر من ضيق المكان والمجال”.
لغتي كانت تنمو معي داخل المعتقل وتتبلور معي لدرجة أنني كنت أتعامل معها على أنها امرأتي
وعاد بنا الكاتب الفلسطيني، إلى تجربته في الكتابة من داخل السجن وكيف تشكلت علاقته باللغة والسرد وهو يكتب في فضاء مغلق؟، حيث قال إن علاقته مع اللغة داخل المعتقل “ليست علاقة، وإنما هي وحدة صوفية ما هي اتحاد واندماج ما بين اللغة وما بين كاتب هذه اللغة. أنا سكنت داخل لغتي وهي سكنت داخلي. ومن هنا ماتت العلاقة مع اللغة في علاقة عشق وعلاقة تحرر في نفس الوقت، تحديدا عندما تكون هذه اللغة في فضاء مغلق. وبهذا المعنى تصبح اللغة ملجأ وتصبح هوية أيضا وتصبح درع حامي في وجه السجان وفي وجه المستعمر وكانت لغتي تنمو معي داخل المعتقل وتتبلور معي لدرجة أنني كنت أتعامل معها على أنها امرأتي، على أنها تلك المعشوقة التي أريد دائما أن أحافظ عليها، وأن أتمسك بها وأن تقوم بولادتي من جديد، وأنا كنت أشعر أنني أولد من جديد عندما كنت أبدأ بكتابة نص جديد وأبدأ بكتابة أو محاولة البحث عن سردية معينة أستطيع من خلالها التحرر من السجن”.
وتجربة الاعتقال ليست هينة، بل هي تجربة استثنائي، تترك أثرها على الكاتب، وعلى مستوى وعيه، عن ذلك يقول خندقجي إنه “ربما كانت تجربة المعتقل هي التي صقلت وعيي بالكتابة، وهي التي أسهمت في بلورة علاقتي الخاصة بها. فالكتابة داخل المعتقل لم تكن ترفا، ولم تكن خيارا حرًا، بل كانت قدرا. قدرا تشكل من إدراك عميق بأن الكتابة فعل تحدٍّ، وأنها في جوهرها فعلُ مقاومة. بهذا المعنى، أصبحت العلاقة مع السجان علاقة اشتباك دائم؛ اشتباك يفرض علي أن أكتب بكثافة، وبتركيز، وبأقصى درجات الاختزال، حمايةً للنصوص من المصادرة والضياع. كانت الكتابة داخل المعتقل محمّلة بدلالات وقيم لا تتحقّق خارج أسواره، كانت كتابة ممتعة على نحوٍ مفارق، وأعمق، وأكثر وعيا بالحرية في أجمل صورها وأكثرها قسوة في آنٍ واحد”.
ويشرح “كنت أكتب تحت الخطر، وتحت الملاحقة الدائمة. كان السجّان يبحث عن الكلمات كما لو كانت جريمة، يقتحم الزنزانة ليصادر الأوراق، ليمزّقها أو يحرقها. أمام هذا العنف، كانت الكتابة تتحوّل إلى فعل وجودي، إلى مقاومة صامتة، وإلى أداة من أدوات البحث عن الحرية، ومحاولة بلوغها في أنقى صورها الممكنة”.
تأثر بفرانس فانون
في روايته “قناع بلون السماء” يبدو القناع حاضرا كرمز مركزي، لكن حين سألناه ما الذي يخفيه هذا القناع، وما الذي يكشفه في العمق الإنساني والفلسطيني؟، أجاب الكاتب بأن “استخدام القناع، بوصفه تقنية سردية وفكرية، لا ينبغي أن يُحمَّل وجوده داخل الرواية أكثر مما يحتمل، ولا سيما في ما يتعلّق بشخصية نور الشحدي، بطل رواية قناع بلون السماء. غير أن حضور القناع هنا لا ينفصل عن صورته الفانونية، نسبةً إلى فرانس فانون، بوصفه أحد أبرز المفكرين المناهضين للاستعمار، ومنظّرًا عميقًا لتجربة المضطهدين في هذا العالم”.
وتابع “لقد اشتغلت على القناع من خلال مدى تأثير فانون في وعيي، خصوصًا عبر مقالاته الرائدة مثل بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، حيث يتحوّل القناع إلى أداة تكشف آليات الهيمنة الثقافية والمعرفية. والهدف من استخدام هذه التقنية هو إبراز حاجة الفلسطيني إلى عدم الانصياع، وعدم الانجرار وراء الإغواء الذي تمارسه المعرفة والفكر والمنظومة الثقافية الصهيونية، بوصفها منظومة نشأت داخل السياق الاستعماري الأوروبي. بهذا المعنى، يصبح القناع وسيلة تمكّن الفلسطيني من التسلّل إلى أعماق هذه المنظومة المعرفية الصهيونية، ومحاولة اختراقها من الداخل، ولكن بوصفه استخداما تكتيكيا لا هوية ثابتة. فالقناع، إذا تحول إلى إقامة دائمة، ينقلب إلى فخّ. لذلك كان لا بد من الوعي بخطورته، وبضرورة ألا يقع الفلسطيني أسيرا له”.
لهذا، يقول خندقجي “نلاحظ أنه في نهاية الجزء الأول من الرواية يقوم نور الشحدي بنزع القناع وإلقائه، في إشارة واضحة إلى عدم جدواه، لا كهوية ولا كأداة مستدامة. فقد اقتنع، ولو مؤقتا، بإمكانية استخدامه للولوج إلى أعماق العالم الصهيوني في صورته المادية الملموسة، لكنه يدرك في النهاية أن القناع لا يمكن أن يكون أفقًا نهائيا، بل مرحلة عابرة سرعان ما تنكشف حدودها”.
المعتقل موقع ثقافي، لا فضاء للعزلة، أعبر من خلاله عن ذاتي وأشتبك مع العالم اشتباكا أدبيا وثقافيا
وفي سؤاله عن الدور الذي يمكن أن يقوم به أدب السجون في الواقع، حسب رأيه، قال خندقجي إنه “في البداية، دعني أقول إنني لم أكتب أدب السجون بالمعنى التقليدي، ولم أكتب في السجن عن السجن. لقد حوّلت السجن إلى منصة أُشرف منها على العالم، وكتبت ما هو خارج القضبان انطلاقا من داخلها. هكذا صار المعتقل موقعا ثقافيا، لا فضاء للعزلة، أعبر من خلاله عن ذاتي وأشتبك مع العالم اشتباكا أدبيا وثقافيا. ومع ذلك، يظل أدب السجون، في جوهره، أدبا تسجيليا بامتياز؛ أدبا يوثّق أهمّ المراحل التي مرّت بها الحركة الأسيرة الفلسطينية، ويمثّل بطولات الأسرى الفلسطينيين وتضحياتهم داخل سجون الاستعمار الصهيوني، لا بوصفها وقائع فحسب، بل باعتبارها فعل مقاومة وذاكرة حية لا تهزم”.
أما فيما يتعلق بصورة الفلسطيني في الرواية العربية اليوم، “دعني أقول إنني لست مطلعا، حتى الآن، اطلاعا واسعا على تمثلات الفلسطيني داخل المتن الروائي العربي، بحكم حداثة عهدي بهذا العالم الثقافي والأدبي. غير أن القراءة العامة تفضي إلى ملاحظة أساسية، مفادها أن الصورة النمطية ما تزال هي الغالبة. فغالبًا ما يُقدَّم الفلسطيني بوصفه ذاتًا واقعة تحت الاستعمار أو الاحتلال، ذاتًا تناضل وتضحّي فحسب، من دون أن يُربط هذا العام بالخاص، أو أن يُفتح النص على تفاصيل الحياة اليومية والهامشية. لا نكاد نجد اشتغالًا جذريًا على العلاقة بين المتن والهامش، بين المركز والمحيط داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، ولا على تعقيد الصورة الفلسطينية بوصفها بنية اجتماعية وثقافية متعددة، لا مجرد رمز سياسي أو أيقونة نضالية”.
في تعليقه على ما وقع في الآونة الأخيرة في غزة وفلسطين عموما، قال باسم خندقجي إن “ما يجري في غزة، وما يجري في فلسطين عمومًا، ليس حدثًا عابرًا ولا مسألة بسيطة، بل هو واقع بالغ التعقيد على جميع المستويات. نحن لا نتحدّث فقط عن إبادة الإنسان وحصد عشرات الآلاف من الأرواح، بل عن إبادة متعددة الأبعاد، إبادة ثقافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية وجغرافية، تستهدف كل ما يخص فلسطين على الأرض، الذاكرة، والمعنى”.
وتابع “في تقديري، نحن الفلسطينيون اليوم داخل نفق حقيقي؛ مرحلة نفقية سوداء ومظلمة، لا تُرى فيها الملامح بوضوح، ولا تُلتقط فيها الاتجاهات بسهولة. نحن بحاجة إلى وقت، لا للانتظار السلبي، بل لإعادة ترميم ذواتنا الجماعية، ولمساءلة ما كنّا نظنه بديهيًا، حتى نوقن أن ثمة بارقة أمل في نهاية هذا النفق. هذه البارقة لا يمكن أن تكون وهمًا أو خطابًا عاطفيًا، بل يجب أن تنبثق من رؤية فلسطينية جديدة، قائمة على مرجعية أخلاقية، سياسية مختلفة، تصون الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتعيد النظر جذريًا في مجمل البرامج والرؤى والسياسات الفلسطينية، بما يليق بحجم التضحيات وبحق هذا الشعب في الحياة والحرية والكرامة”.
البوكر وما بعدها
توجت رواية “قناع بلون السماء” بجائزة البوكر، وكاتبها لا يزال حينها خلف قضبان سجون الاحتلال. وفي حديثه لـ”العرب” استعاد الكاتب الفلسطيني تلك التجربة، حيث قال “في البداية، لم أكن أعلم أنني فزت بجائزة البوكر. فقد جاء هذا الحدث في ذروة الإبادة الجماعية التي كان يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في غزة الأبية، وذلك، على ما أعتقد، في أواخر نيسان أو أوائل أيار من عام 2024. ما حدث آنذاك أن السجانين اقتحموا زنزانتي واقتادوني إلى التحقيق. هناك، كان ضباط الأمن الصهيوني بانتظاري، وبدئوا باستجوابي حول كتاباتي: ماذا أكتب؟ كيف أكتب؟ وكيف تخرج هذه الكتابات من داخل السجون؟ وخلال هذا التحقيق، لمح أحد الضباط، بطريقة ملتوية، إلى فوزي بالجائزة. عندها قلت له: لو كنت أعلم أن كلماتي ستغضبكم إلى هذا الحد، لكنت كتبت عشرات الكتب. لم أشعر في تلك اللحظة أنني فزت بجائزة أدبية، بل شعرت بفخر عميق لأن ما تحقق لم يكن انتصارا شخصيا، بل انتصارا رمزيا لشعب بأكمله كان يواجه آلة الإبادة”.
ويتذكر الكاتب أنه “حين أُعادتني إدارة السجن إلى القسم الذي اقتادوني منه، تعرضت للضرب والتنكيل من قبل السجانين. لاحقا، علمت بخبر فوزي رسميا من خلال أحد الإخوة الأسرى، إذ كانت بحوزته مليحة مهربة نقلت تفاصيل الخبر كاملة. عندها فقط اكتمل المشهد. ذلك الاعتزاز الذي شعرت به لم يكن نابعا من إنجاز فردي، بل من إحساسي بأن هذه الجائزة، بهذا السياق، إنما تلتحق بركب تضحيات شعبنا وبطولاته في مواجهة الإبادة الجماعية الصهيونية، وأن الكلمة، حتى وهي مطوقة داخل الزنازين، قادرة على أن تقول: نحن هنا، ولن نهزم”.
سألناه عن تجربة البوكر وما بعدها وهل تغيرت علاقته بذاته ككاتب؟ فأجاب “خلاصة القول، جائزة البوكر بالنسبة لي هي إنجاز لا أستطيع إنكاره، ولا أتنكر لقيمته المعنوية والأدبية. لكن هل غيرت علاقتي بذاتي ككاتب؟ لا. وهل جعلتني أتعامل مع الكتابة باستخفاف أو استسهال لأنني أصبحت أحمل لقب الفائز بجائزة البوكر؟ أبدا. على العكس تماما، أشعر اليوم بعبء إضافي، وبمسؤولية جديدة وثقيلة، تفرض علي أن أتجاوز سقف الرواية التي فازت بالجائزة، قناع بلون السماء، وأن أعمل باستمرار على تطوير خطابي الأدبي والروائي، والبحث عن أشكال جديدة، وتجريب مسارات وأساليب مختلفة، من دون الركون إلى أي إنجاز سابق.
أما عن الرسالة التي يود توجيهها إلى الكتاب، وخصوصا أولائك الذين يكتبون تحت القمع أو في ظروف قاسية؟ فقال “رسالتي إلى الكتاب الذين يكتبون تحت القمع، وفي المعتقل، وفي الحرب، فهي بسيطة وواضحة: اكتبوا. فالكتابة خلاص. الكتابة هي الفعل الذي نستطيع من خلاله أن نحقق ذواتنا، ونستعيد أدواتنا، ونحمي إنسانيتنا من التآكل. الكتابة في المعتقل، والكتابة تحت القمع، والكتابة في زمن الحرب، هي فعل انتصار، وفعل حب، وفعل أمل، وفعل حياة”.