وصفة الفيلسوف الروماني سينيكا التي علينا اتباعها اليوم

كيف نستثمر وقتنا بحكمة بعيدا عن الضوضاء والتشتت.
الأربعاء 2026/03/25
إدارة الوقت بأسلوب الفلاسفة

في عالم يزدحم بالانشغالات والمعلومات، يصبح الوقت أثمن مواردنا. يقدم الفيلسوف الروماني سينيكا وصفة خالدة لإدارة الحياة بحكمة، تدعونا إلى الانتباه لعقلنا، واستثمار كل لحظة بعيدًا عن الضوضاء والتشتت. فاتباع هذه النصائح يعيد للإنسان صفاء ذهنه وهدوءه الداخلي، ويمنحه القدرة على العيش بعمق.

تدبير الحياة وزيادة الحيوية في أيامها موضوع يشغل الجميع، بغض النظر عن التباين في المستوى الثقافي والاختلاف في الإدراك لمفهوم الكينونة والوجود. والإنسان مجبول بطبعه على فهم حقيقة، وهي أنَّ الحياة محسوبة عليه سواء عاشها سعيدا أو بائسا.

ولكن ما يشكو منه في الحالتين هو الشعور بأنَّ الحياة قصيرة، وقد يبدو في ذلك تناقض إذا تذكرنا هروب الكائن البشري من الوقت وانغماسه في الأشياء التي تُلهيه عن قيمة الزمن. يكتب سينيكا في رسالته إلى باولينوس لافتا انتباهه إلى ضرورة أن يكون مستعدا للوقوع في الفراغ دائما.

ورأى أرسطو في الفراغ تحدياً للإنسان، ولا يمكنه اختبار طاقاته ومعرفة مزاجه قبل مداهمة ظله الثقيل. هنا يمكن التأكد من طبعية الآلية التي يختارها لإدارة الوقت، إما يرمي به نحو المُضيعة أو يستفيد منه لزيادة ما يكسبه دراية بفن العيش. “ليس هنا لك شيء أصعب من إتقان الطريقة الصحيحة للعيش”. وبالطبع، إنَّ هذه المهمة غدت أكثر تعقيداً في زمننا هذا.

ترى الإنسان سيداً لوقته في الظاهر، غير أنَّه في الحقيقة يصعب عليه تحديد ما يؤكد له التصرف بالوقت كما يريد ويمنحه شكلاً، لأنه منساق مع زمن غير شخصي، الأمر الذي يتجلى في التوهم بأنَّه مشارك في سلسلة الأحداث والأخبار التي يتابعها أو يناقشها معلقاً على تبعاتها المستقبلية. غير أنَّ كل ذلك يفصله عن خصوصيته ويزيد من ضبابية التفكير. وبالتالي، يحل الكائن المشاهد والمتكلم مكان العقل المتأمل.

رقمنة الذات

لو كان سينيكا معاصراً لنا، بالتأكيد لهالته المُلهيات وما يشغل الإنسان عن نفسه من الأخبار والأمور التي المعرفة والجهل بها سواء. وبالقطع، لا يحمي الإنسان من التورط في لجة المؤثرات المتعددة سوى العقل. لذلك يقول سينيكا إنَّ المهم ليس ما تملكه، بل طريقة تفكيرك، لأنَّ ما يُفكر به المرء هو المحدد لمدى إدراكه لقيمة الوقت ونجاحه في التصرف بفرصته الوجودية: “إذا تسنى لك ربح الوقت يسهل عليك التحكم في ذاتك”.

ولا ينكر سينيكا أنَّ العقل ليس مُعافياً من التقلب، بل بطبعه يستمتع بالأنشطة محتفياً بكل شاردة تُشتت انتباهه وتثيره. غير أنَّ هذه الحالة مُفضلة وماثلة للعيان لدى الشخصيات الضعيفة التي تجد المتعة في استنزاف الطاقة في أشياء مرهقة.

وهذا يعيد الذهن إلى ما قاله أفلاطون في كتابه “القوانين”، “سعيد من يعرف ما عليه فعله في الوقت وبالقدر الذي يجب”. ومن الواضح أنَّ الاهتمام بمتابعة ما يتوالى من الأخبار والصور مصدر للتوتر النفسي، كما يؤدي إلى التلوث في الإدراك والتفكير، ويحرم العقل من الصفاء.

فخ المعلومات السطحية ليس من مظاهر الحياة الحديثة، بل له جذور في العصور والمراحل التاريخية المختلفة

صحيح أن الإنسان لا يمكنه الاحتماء بالصومعة، وهو على سجيته كائن اجتماعي، لكن من الخطأ أن يكون نهباً لرغوة المعلومات التي تُصادر إمكانيات التأمل، فإن الانسياق مع هذه الأمواج ينتزع الخصوصية من الرائي ويجعله رقماً في طابور المتابعين، وهكذا تتم رقمنة الذات.

لعل ما يفيد لاستعادة الهدوء وسط هذه الزوبعة الإعلامية هو التذكير بنصحية كامو الرشيقة: “انعزل تماما واركض في طريقك الخاص”. وفي الواقع، فإن فخ المعلومات السطحية ليس من مظاهر الحياة الحديثة، بل له جذور في العصور والمراحل التاريخية المختلفة.

يذكر سينيكا في رسالته إلى صديقه ما أثار النقاش عند الإغريق بشأن معرفة عدد المجدفين لدى أوليس، أو ما إذا كانت الإلياذة سبقت الأوديسة، ومن ثم يشير إلى أن هذه العدوى وصلت إلى الرومان، وبدأ بعض الرواة بسرد أخبار الجنرالات وبطولاتهم الفردية، وأيهم الأسبق في وضع رجال أبرياء وجهاً لوجه مع ثمانية عشر فيلاً. بالتأكيد، تكتظ المواقع الافتراضية والفضائيات بقصص وحكايات على غرار ما ضمنه سينيكا في رسالته، كما تجد كتباً عن نوع السجائر التي كان يفضلها الكاتب الشهير وهو بصدد تأليف روائعه الأدبية.

كذلك تنزل التحليلات الإخبارية التي تضج بها الفضائيات في رزمة الأشياء التي تُضيع الوقت، ولا تجدي متابعتها نفعاً، بل تُضاعف التوتر، ويتخبط معها الوتر الزمني. ولا يشق على المتابع ما يتوسل به السياسيون من الصيغ والعبارات المنتفخة للفت الانتباه وتدوير الوجوه المهجورة. إذ أكثر ما يرد في كلامهم هو مفردات تهويلية وسفسطة مؤججة لغريزة الخوف والترقب، تُخيل إليك أنَّك محاط بإعداء يتحينون الفرصة لنسف كيانك، وبالحق أن هذه السيناريوهات التشبيحية مصدرها العقليات السياسية الجوفاء.

يشار إلى أن السياسي معجمه شحيح، ولا يهمه سوى إيهام رعيته بأن وجودهم وقف على استمراره متربعاً على عرشه، وإن غيابه من أشراط الساعة، إضافة إلى تبذير الوقت. يناقش سينيكا في سياق رسائله الإسراف المالي والتبطر في الولائم الباذخة، ويذكر غابوس قيصر مثالاً على الإنفاق على المظاهر، ومن ثم يؤكد أن المذاق اللذيذ ليس ما يجعل الطعام ثميناً، بل ندرته وصعوبة الحصول عليه، موضحاً أن العودة إلى الفطرة السليمة تعفي الإنسان من العناء الذي من شأنه خدمة البطون لا غير.

وحل التقاليد

في الرسائل المتبادلة بين سينيكا وسيرينوس، يحاور الأخير ساعياً إلى تهدئة هواجسه عن المغريات التي قد تأخذ به نحو وحل العادات والتقاليد الاستعراضية من جديد. فبرأي سينيكا، أن هذه الحالة الذهنية متوقعة، أي القلق من الارتكاسة إلى ما نجح الإنسان في تغييره من الصفات السلبية في شخصيته، فذلك لا يختلف عن مخاوف شخص قد تعافى من المرض من عودة الوباء إليه.

في هذه الحالة، ما يجب القيام به ليس الصرامة والتشدد وتناول الأدوية، بل عدم الاستسلام للخواطر التي تؤرق الرأس، والمضي قدماً بالثقة على الطريق الصحيح. إذاً، سكينة النفس هي ما ينبغي أن تستهدفها المساعي الإنسانية. وهذا يتطلب، إلى جانب الثقة، التمكن من الفرز بين ما هو في إطار قدرتك وما هو يفوق طاقتك ولا يتبع لحساباتك.

فعلاً، إن عدم الإدراك لهذه المعادلة يكلف العقل الهدوء والنفس الطمأنينة. وعليه، فإن الاعتدال لا ينحصر في بعده المادي، إنما يكون محكوما بحركة الفكر، لأن الإفراط في أي شيء لهو أمر مستهجن بنظر سينيكا. وهو يسخر من الشخص الذي يخلط بين الغث والسمين في مكتبته، ولا يقتني ما يفيده وبالقدر الذي يسع العمر بالقراءة.

يجب الإصغاء إلى سينيكا لتحديد خارطة الطريق في التفكير واختيار الصحبة بآلية ممنهجة وما نفكر فيه ونتبناه

وما يدعو للاستغراب أكثر هو من يجلس بين كومة من العناوين متثائباً، كأن ما يهمه ليس المضمون بل الأغلفة المزخرفة. والمتأمل لملاحظات سينيكا يحضره ما يراه ويتابعه يومياً من المنشورات التدبيجية في مديح الكتب والقراءة، مقابل ما يغرق فيه الواقع الفكري من السُبات والخمول، الأمر الذي يكشف عدم فعالية كل ما ينشر بهذا الشأن.

ومن الملاحظ أن الأفكار التي تشرع لها أبواب فضاءات رقمية تمر مروراً عابراً، ولا يلوح في دوامة الآراء ما يمكن التعويل عليه لفهم طبيعة العصر، كما لا يفيد اجترار التحليلات السياسية لإدراك أصول الصراع الذي يحتدم في المناطق التي أصبحت ملعباً للحرب أو موقعاً لتقاطع النيران.

إذاً، لعقلك عليك حق، لا يصح استنفاد طاقاته بمتابعة كلام مُرسل وتكهنات تعبوية. هنا يجب الإصغاء إلى سينيكا لتحديد خارطة الطريق في التفكير واختيار الصحبة بآلية ممنهجة. نفترض، وليس في ذلك حرج، أن الفلاسفة قاطبة لو أدركوا عصرنا لكانت نصيحتهم للجميع بالعزوف عن متابعة المنابر السياسية المسمومة.

أما عن القراءة، فمن المرجح أن ما يسديه سينيكا لا يختلف عن وصايا معظم من ينخرط في النشاط المعرفي، إذ يؤكد الفيلسوف الروماني على ضرورة المبدأ الانتقائي في القراءة: “عليك أن تلازم عدداً قليلاً من المفكرين المختارين وتتغذى على أعمالهم”. يكتسب هذا المنهج أهمية أكبر في الوقت الراهن، لأنه توجد وفرة من الأسماء وقلة من الأفكار الوازنة.

يُذكر أن جُل الفلاسفة كانت مكتباتهم رشيقة، لم تفتح رفوفها إلا على عناوين محدودة، وهي بمثابة قاعدة لرياضتهم الذهنية. معنى ذلك أن الضياع المعرفي لم يكن من طبائع شخصياتهم. والحال هذه، فإن فصل الزمن الشخصي عن التيار العام لا يتحقق دون وجود منارات فكرية تحمي العقل من التيه.

ومن السلوكيات التي من المهم تجنبها برأي سينيكا هي الشكاوى، لأنه كلما اشتكى المرء، يزداد شعوراً بالإحباط ويخسر فرصة التفكير المنطقي. ومن نافلة القول إن كثيراً من الأشخاص يرتاحون بدور الضحية، ولا يتفوقون سوى في إثارة مشاعر الشفقة لدى الآخر، بل لا يتردد هذا الصنف في البحث عن كيس يتقبل لعناتهم وشكاواهم. وهذه الظاهرة تتفاقم عندما تأخذ الأزمة بتلابيب العالم، سواء كانت أزمة صحية أو سياسية أو أعراضاً لخواء فكري.

يوافق سينيكا سلفه أبيقور في رأيه عن قيمة الصداقة: “لا شيء يثلج الصدر بقدر الصداقة المليئة بالحب والوفاء”. غير أنَّه ينصح سيرينوس بأخذ الحيطة من اختيار الأصدقاء، راجياً منه الابتعاد على وجه الخصوص عن المتشائمين وكثيري النواح، وأولئك الذين يتمسكون بأي ذريعة ليشتكوا.

وهو يفضل الاقتداء بطريقة ديموقريطوس، الذي كلما ظهر في العلن كان يضحك، بدلاً من الذهاب مع هيراقليتوس، فالأخير كان يعتقد بأن كل ما يقوم به الإنسان عبارة عن مآس وحماقات.

يشار إلى أن المثقفين هم فئة أشد شغفاً بإشهار شعار النهايات: نهاية الإنسان، نهاية التاريخ، نهاية الفلسفة، وندب الأزمنة. لا يفارق أحاديثهم هذا. يقول إمبرتو إيكو بهذا الصدد: إن الإعلان عن نهاية الزمن رياضة تتيح للمثقف كسب الأموال.

إذاً، يجب أن تكون حماية زمنك الشخصي من الضياع ضمن أولوياتك، لأن زمنك هو ذهبك الوحيد حسب تعبير أندريه بروتون: “لنستثمر الوقت جيدا، ستكون دائما أوقات فارغة وأوقات غير مستثمرة جيدا“.

8