من عبقرية القدم إلى هندسة العقل

كرة القدم تنتقل من سطوة النجوم إلى سلطة العقول التكتيكية.. المدرب يعيد رسم ملامح اللعبة من دكة البدلاء
الخميس 2026/08/13
هذا عصر المدربين والأفكار

كلمة المفتاح في لعبة كرة القدم وجاذبيتها تدور حول اللاعب الأيقوني، فكانت أسماء اللاعبين تفوق منتخباتهم شهرةً، تماماً مثل عناوين الأفلام التي فاقت مخرجيها شهرةً وذيوعاً.

ومن المحتمل تصاعد نجومية اللاعب إلى درجة يكون فيها اسمه علامةً للبطولات الكبرى، كما حدث ذلك مع دييغو أرماندو مارادونا في مونديال 1986. فكان لاعب الرقم 10 قد هيمن بعطاءاته الفنية على المشهد الكروي، ونادراً ما يُذكر اسم المدرب كارلوس بيلاردو الذي قاد المنتخب الأرجنتيني إلى منصة التتويج العالمي عندما تُستعاد الأمجاد الكروية للألبيسيلستي.

كذلك الأمر بالنسبة إلى اللاعب البرازيلي رونالدو الظاهرة أو روبرتو باجيو. هم كانوا شخصيات رئيسة في تشكيلة المنتخبات، أما بقية اللاعبين والمدرب والجهاز الفني، فأسماؤهم وقعت على حاشية شهرة النجوم.

وعلى مستوى الأندية، فكان التنافس بين النجوم واجهةً لمباراة القمة، فقد انقسم الجمهور لسنوات عديدة بين ليو ميسي وكريستيانو رونالدو، وليس من المستبعد أن تكون الحقبة التي لعب فيها الاثنان في صفوف برشلونة وريال مدريد من أكثر المواسم تنافسية واستقطاباً في تاريخ الليغا.

واللافت أنَّ هذا الصراع قد امتد إلى مستوى التظاهرات العالمية، فكان المنتخب البرتغالي يعتبر نسخةً لريال مدريد، كما أنَّ إسبانيا والأرجنتين كلاهما صورة لبرشلونة. كل ذلك يؤكد الدور البطولي للاعب الأيقوني وتأثيره في سحب الجمهور والمتابعين، ما يعني أنَّ المنتخب أو النادي قد بدا ظلاً للاسم الأبرز.

إدارة الموهبة

هذا أمر يوافق طبيعة كرة القدم إذا فهمتَ بأنَّ اللعبة ليست تكتيكات أو خططاً مدروسة وعلمية فحسب، وإنَّ الموهبة لا تقتصرُ على السرعة والقوة البدنية، بل هذه العناصر كلها لا تعوض فيزياء الشخصية في تكوين اللاعب.

لذلك يقولُ فرناندو سينيوريني إنَّ الأهم في تركيبة اللاعب هو سرعة الدماغ وقوة الدماغ وخفته، ليكون دقيقاً بالتعامل مع الكرة ويحلُّ مواقف معقدة في أجزاءٍ من الثانية.

وهذا ما يحيلُ إلى كلام المدرب الهولندي الشهير رينوس ميتشلز، الذي ساهم في تطريز مفهوم الكرة الشاملة، فبرأيه أنَّ كرة القدم يجبُ أن تلعب بالعقل، أما قدماك فهما آلة لتنفيذ ما يمليه العقل.

وعن دور المدرب في إدارة المواهب الكروية، من المناسب الإشارة إلى تجربة أليكس غارسيا، الذي كان مدرباً لفريق برشلونة درجة أ مع ليو ميسي، وهو يستعيدُ بداية معرفته بالأسطورة الأرجنتينية، موضحاً بأنَّه قدم أسلوب كرة القدم في الشوارع: المراوغة، والخداع، وكل ما قام به مع الموهبة الواعدة ليس أكثر من تعليمها نوع كرة القدم الهجومية الخاصة بهم، وهي تشملُ الاستحواذ على الكرة كثيراً وبسط النفوذ في وسط الملعب.

إذاً يكتسبُ دورُ المدرب أو المدير الفني أهمية أكبر مع تطور كرة القدم، على الرغم من تلميحه الانتقادي لخروج المدرب من موقعه الثانوي واتساع حضوره في تكنوقراطية النظام الكروي.

لا يتجاهلُ الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو ما شهدته تكتيكات اللعبة من التطور والتعقيد، ومن المعلوم أنَّ كرة القدم أصبحت أقلَّ ارتجالاً وأكثر تنظيماً، لاسيما بعد استخدام التقنيات الجديدة لرصد تفصيلات دقيقة وتحليل ما يرشحُ من الحدث في المُستطيل الأخضر.

صحيح أنَّ الجمهور الكروي قد لا يهمهُ ما يتوارى خلف الكواليس من النقاشات بشأنِ التكتيك والبحث عن إمكانية تفعيل خطة ب، لكن في الواقع أن ذلك كله من مكونات كرة القدم الحديثة.

والمُتابعُ للمحطات التي مرتْ بها هذه اللعبة يلاحظُ بوضوح مدى التطور في الكفاءة الإدراكية وحسن التوزيع والاستعداد الذهني وتراجع الأخطاء في المواجهات الكُروية المعاصرة. يقول يوهان كرويف: "إنَّ كرة القدم لعبة الأخطاء، يكونُ الفوز من نصيب من هو أقلُّ خطأً".

اتفقَ جلَّ المحللين الرياضيين على أنَّ تكافؤ مستوى المنتخبات كان ثيمة بارزة لمونديال 2026، ما يعني أنَّ جودة اللاعبين مُتقاربة على مستوى الإمكانية والمرونة مع تحديات المباراة.

وما يحسمُ نتائج المواجهة ليس اللياقة البدنية ولا ترسانة النجوم فحسب، بل إنَّ الاستعداد الذهني يسبق جميع المواصفات التي من المتوقع أنْ ترجح كفة الفوز لدى طرف دون غيره.

ما افتقدت إليه المنتخبات المشاركة من أفريقيا هو التمكن الذهني، لذلك كانت تخسرُ المواجهات في أمتار أخيرة، كما حصل ذلك مع السنغال ومصر والكونغو.

عصر المدرب

بوادر الثورة التدريبية تعودُ إلى الهولندي رينوس ميتشلز، الذي ذاع صيت بصمته التكتيكية 4-4-2 وتبديله إلى 4-3-3 إذا استدعت مقتضيات المباراة تعديل التشكيلة.

ومن المعروف أنَّ المنتخب الهولندي قد أثار إعجاب العالم بعروضه الكروية في مونديال 1974 عندما قاده رينوس إلى المباراة الختامية أمام ألمانيا الغربية.

لا شكَّ أنَّ التطور يتطلب خطاً تراكمياً. ما أبدعه رينوس في طريقة اللعب كان نقلةً لكرة القدم إلى مستوى جديد، وتابعَ جيلٌ من المدربين الخطَّ الذي رسمه ميتشلز، لعلَّ من أبرزهم هو الإيطالي أريغو ساكي ويوهان كرويف.

المدربون
صانعو اللعبة خارج المستطيل

فالأخير قد أضاف كثيراً إلى مفهوم الكرة الشاملة، ليس في بناء هيكلية نادي برشلونة الذي دربه لمدة ثماني سنوات فحسب، بل تأثيره واضحُ في هوية المنتخب الإسباني الذي يجعلُ من الملعب عنقَ زجاجة للفريق المنافس من خلال الاستحواذ وحسن التمركز ومداورة المواقع.

ومن الملاحظ أنَّ الثقافة التدريبية في إسبانيا قد أثمرت نتائج لافتة في الألفية الجديدة. فمنذ عهد لويس أراغونيس مروراً بفيسنتي ديل بوسكي ولويس إنريكي وصولاً إلى مرحلة لويس دي لا فوينتي، قد حافظ ماتادور على نسقه في الهيمنة على المنافسين.

ومن المتوقع أنْ ينتزع المنتخب الإسباني ليس الألقاب والبطولات، إنَّما السيادة الكروية من المدارس الكروية، بما فيها مدرسة أميركا اللاتينية.

فإنَّ من بين ما يدلُّ عليه ذلك التطور هو أنَّ المدير الفني لم يعدْ كومبارس الفريق، بل تُعقدُ عليه مهمة تنظيم الإيقاع ومدبرُ الحلول.

الأمر الذي يؤكد صحة هذا الرأي هو اختيار المدربين الجدد بعد المونديال الأخير لقيادة المنتخبين الفرنسي والألماني، زين الدين زيدان ويورغن غلوب، ما يعني أنَّ بطولة الأمم الأوروبية القادمة ستكون صراعاً بين الرؤوس التدريبية، ومن الآن فصاعداً لا يمكن تحليل المباراة وقراءة أبعادها التكتيكية بعيداً عن شخصية المدرب.

صحيح أنَّ اللاعب الأيقوني يضفي التشويق إلى المباراة ويزيدُ من نسبة الجماهيرية والمشاهدة، لكن المدرب يغامرُ برمي أوراق جديدة في المستطيل الأخضر، باحثاً عن مدارات غير معهودة في اللعبة، وقد تكلفه بعض القرارات ثمناً باهظاً.

من هنا نفهم ما قاله الأسكتلندي جوك ستين: "كل مدرب يموت في وقت ما في كل مباراة".

ماذا سيحصل لو تقيدت كرة القدم بتكتيك الكاتيناشيو الإيطالي وغابت متعة الكرة الشاملة؟ بالطبع كانت تخسر هذه اللعبة كثيراً من شعبيتها.

يقول أريغو ساكي: "إذا أردت تسجيل حضورك في تاريخ كرة القدم، ليس عليك الفوز فقط، بل يجبُ عليك أن تقدمَ لعبة ممتعة".

ما يجبُ الإشارة إليه قبل أن يقفل قوس الحديث، أنَّ كرة القدم تتشابك مع المفاهيم الفكرية والألعاب الذهنية. يشبه إنزو ماريسكا عالم الساحرة المستديرة بلعبة الشطرنج، شارحاً بأن الأهم في اللعبتين هو التمركز ووجود استراتيجية واضحة للعب.

كما أنَّ المدرب، حسب منظوره، يجبُ أن يمتلك عقلية لاعب الشطرنج في حياكة الخطة ودراسة الحركات المضادة واختيار ترتيب القطع.