كرة القدم.. الملعب الذي تتصارع فوقه السياسة والهويات
تمتدُّ أذرع السياسة إلى مجالات عديدة، ولا تقف عند حدود الصراع على النفوذ والخلافات على الحدود أو المخاوف الناجمة من صعود قوة جديدة قد تنافس القطب المهيمن على المحفل الدولي، بل تتشابك السياسة مع الفن والثقافة والأدب، ويطوف شبحها في جميع التجارب الروحية والمادية للإنسان.
وكلما أُعلن عن اسم فائز بجائزة أدبية، يدور الحديث عن دور الحسابات السياسية في قرار اللجنة، كذلك الأمر في السينما؛ فإنَّ حجب الجائزة عن فيلم أو نجم معين يثير سلسلة من الافتراضات الموشومة باللون السياسي.
كرة القدم والسياسة
من المعلوم أنَّ الرياضة بكل أشكالها، ولا سيما كرة القدم، ليست بعيدة عن التوظيف السياسي، بل قد تعمّق اللعبة الخلاف بين الطرفين لدرجة تشتعل فيها نار العنف؛ إذ يشير إدوارد غاليانو إلى الحرب التي اندلعت بين هندوراس وسلفادور نتيجة المشاجرات التي نشبت خلال المباراة القائمة في استادي تيغوسيغالبا وسان سلفادور أثناء التصفيات لنهائيات كأس العالم نسخة 1970.
ولا يغيب الملمح السياسي عن الأحداث والقصص التي يرويها بوثيانو بيرنيكي في كتابه المنشور بعنوان "أغرب الحكايات في تاريخ المونديال"، ويذكر في الفصل الخاص بالنسخة الثانية للمونديال التي أقيمت في إيطاليا بأنَّ تتويج المنتخب الإيطالي باللقب قد خدم النظام الفاشي، ولم يدخر بنيتو موسوليني جهدًا للضغط على "فيفا" حتى لا يتعثر الفريق الإيطالي.
وقد أُجبرت المنتخبات المشاركة في المونديال على تنفيذ التحية الرومانية التي كانت تعتبر في تلك الحقبة إشارة مميزة بالنسبة إلى الحركتين الفاشية والنازية.
إذًا، لم تعد كرة القدم بعيدة عن السياسة، وذلك يعود إلى أن عالم الساحرة المستديرة من أكثر الرياضات شعبية، وتغدو أخبار كرة القدم جزءًا من يوميات المجتمع في موسم البطولات والتظاهرات الكروية. وبالطبع فإنَّ السيطرة على اهتمامات البشر من أولويات السياسة، والحال هذه فمن الطبيعي أن تشوب الرياضة أهداف سياسية.
كما تمثل هذه اللعبة قوة بديلة للمكونات الاجتماعية إلى جانب الأدب والثقافة، وبالتالي من الخطأ النظر إلى كرة القدم على أنَّ قيمتها الوحيدة تتجلى في الترفيه والتسلية.
وقال عميد الدبلوماسية الأميركية هنري كيسنجر إنَّ العالم لن يعترف بأميركا كقوة عظمى إلا عندما تكون الأولى في مجال كرة القدم كما يعرفها العالم، لا كما تعرفها أميركا.
نظريات المؤامرة
كان لكثير من المتابعين وعلماء الاجتماع والأدباء والفلاسفة رأي بشأن كرة القدم، وراجت التوصيفات التي أطلقوها على هذه اللعبة، منها أنَّ كرة القدم حرب مجازية، أو مواجهة بلا رصاص، أو شكل حديث من القبلية.
في الواقع، إنَّ ما يفتحه المستطيل الأخضر من الصراع والتنافس والاحتمالات هو محاكاة للحياة وطبعها الحافل بالمفارقات، فبرأي بيار دو كوبرتان فإنَّ المحاكاة هي جوهر كرة القدم.
ومن هنا لا ينقطع الحدث الكروي وإيحاءاته عن الوقائع التي يشهدها العالم والكيانات البشرية، إذ قد يكون الاهتمام بكرة القدم نابعًا من البحث عن التعويض لواقع دون مستوى الطموح الإنساني.
وذلك ما يؤكده حديث نجيب محفوظ عن علاقته بالكرة في سياق حواره مع رجاء النقاش؛ إذ لفت نظره فوز الفريق المصري على نظيره الإنجليزي في مباراة جمعت بين الطرفين، وصادف أن تابعها محفوظ لأنه كان يعتقد بأنَّ الإنجليز لا ينهزمون أبدًا.
وما إن يخلو بنفسه حتى يكون كل تفكيره في كرة القدم ومشاهير هذه اللعبة في مصر.
ولا تزال أجواء الحرب التي كان مسرحها جزيرة فوكلاند تلقي بثقلها على المواجهات الكروية بين المنتخب الأرجنتيني ومقابله الإنجليزي، فيريد لاعبو التانغو تعويض ما خسره بلدهم بالفوز في الملعب.
فكان رد أحد المتحدثين باسم الحكومة البريطانية على تجدد المطالب الأرجنتينية بـ"مالفيناس" قبل موعد اللقاء الكروي الأخير: إنَّ اللقب قد لا يكون لنا، ولكن جزر فوكلاند لنا بالتأكيد.
هذه المعطيات كلها يُستدل بها على التداخل بين السياسة وكرة القدم. لكن هل يكون في ذلك مستند لوجود ترتيبات مسبقة في المناسبات الكروية وسيناريوهات مطبوخة لفوز منتخب بعينه؟ إذا كانت هذه الفرضيات تبدو غير منطقية ولا تتفق مع وقائع مشهودة، فأين مصدرها؟ ولماذا تنتشر؟
لعل نسخة المونديال الأخيرة من أكثر البطولات إثارة للجدل، ليس في الوسط الرياضي فحسب، إنما المداخلات بشأن نتيجة بعض المباريات وتصنيف المجموعات أخذت منحى مجتمعيًا وقوميًا. وقد يكمن السبب في ازدياد عدد الفرق المنافسة، كما أنَّ العالم عمومًا وجغرافية الشرق الأوسط خصوصًا صارت بيئة متوترة بسبب الحروب التي لا تغادر أفقها.
وزادت مكالمة دونالد ترامب من طينة التسيس بلةً عندما طالب من رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو بوقف العقوبة على اللاعب فولارين بالوغون.
ومن الملاحظ أنَّ تشجيع المنتخبات المشاركة ونسبة شعبيتها صار رهنًا بموقفها في الاستقطاب السياسي والصراع القائم في المنطقة.
هل يُعقل الانجراف إلى التسيس لدرجة يُطالب فيها المنتخب بتقديم صك التأييد أو عدم التأييد لهذا أو ذاك الطرف؟
ومن المعلوم أنَّ هذا النسق من التفكير يفرغ اللعبة من أبعادها الجمالية والإنسانية، وبذلك يكون المستطيل الأخضر مجالًا لإسقاطات شخصية وسياسية.
غير أنَّ الطابع الديناميكي لكرة القدم يعيد الحيوية إلى مفرداتها، وذلك يتجلى في مخالفة نتائج المباراة الأخيرة لجميع التوقعات والنظريات التي شاعت عن حتمية فوز المنتخب الأرجنتيني، كما أظهر الواقع الكروي فعليًا هشاشة التحليلات التي ذهبت إلى أنَّ المنتخب الفرنسي يلعب المباراة الختامية ويكون الماتادور خارج الحسابات.
إذًا تستمد كرة القدم زخمها التشويقي من قلب الطاولة على نظريات المؤامرة التي تسد ثغرة في منهج التفكير، وتحل محل المشروع في نسق العقلية المثقلة بالوهم.
هيمنة كروية
نجاح الأسلوب الإسباني في لعبة كرة القدم لا يقتصر على فوز منتخب لاروخا بمونديال 2026 وانتزاعه اللقب من البطل السابق فحسب، بل بدأ هذا التفوق بهيمنة المدربين الإسبان على الدوريات الأوروبية الكبرى. فأسلوب كرة القدم في البريميرليغ لم يعد كما كان عليه قبل وجود غوارديولا على رأس الجهاز الفني لمانشستر سيتي، كما أنَّ تتويج باريس سان جيرمان مرتين متتاليتين بطلًا قد بدا حلمًا بعيد المنال قبل لويس إنريكي.
ويجب التذكير بأنَّ أول لقب أحرزه المنتخب الإسباني كان فوزه بكأس الأمم الأوروبية، وبعدها صار بطلًا للعالم عام 2010، وتكرر الفوز على المستوى القاري إلى أن أضاف أخيرًا نجمة جديدة إلى قميصه.
كل ذلك ليس وليد صدفة ومفاجآت، بل نتيجة معرفة صحيحة بما يتطلبه اللاعب الإسباني من تحسن في المهارة الذهنية والفنية.
وينسب هذا الاكتشاف إلى المدرب لويس أراغونيس الذي قاد إسبانيا إلى منصة التتويج عام 2008، إذ أدرك أنَّ الفرد الإسباني قد لا يكون أسرع وأقوى جسديًا، وذلك يمكن تعويضه بطريقة اللعب كوحدة واحدة.
ما يمكن قوله إنَّ طريقة لعب المنتخب الإسباني يُضرب بها المثل للنجاح والسيطرة والتركيز، وشاهد العالم بأسره كيف عانى المنتخبان الفرنسي والأرجنتيني، كلاهما، في مواجهة لاروخا من الاختناق الكروي.
كل ذلك يؤكد أنَّ كرة القدم، إلى جانب كونها فنًا ممتعًا وساحرًا، فإنَّ للعلم مقعدًا في تشكيلتها.