هشام ناجح لـ"العرب": لستُ حرا في إبداعي فأنا خاضع لسلطة اللغة
في مسافة خصبة تتمدد بين جغرافيا الداخل المغربي وفضاءات المغترب الفرنسي، يتبدى الحوار مع الروائي هشام ناجح كمنصة لتفكيك البنية السيكولوجية للمبدع في مواجهة النص. إذ لا يقف الكاتب عند حدود استعراض نتاجه الأدبي، بل يغوص في مساءلة أسرار التكوين الأول والجدل القائم بين سلطة اللغة وحرية التجريب الوجودي.
ينتمي هشام ناجح إلى جيل من الكتاب المغاربة الذين تشكلت تجاربهم بين الداخل وأسئلة المهجر، حيث تتقاطع الكتابة مع الذاكرة والهوية والقلق الوجودي. عبر أعماله، من رواية الشجعان إلى رواية، حديث الوجوه المائلة، وصولا إلى مجموعته القصصية، الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر، يواصل بناء عالم سردي خاص، مشحون بالتوترات الإنسانية والتأملات العميقة في مصير الفرد.
دواعي الكتابة
في حوار له مع “العرب” أردنا معرفة متى بدأ يشعر بأن الكتابة ليست مجرد رغبة عابرة، بل قدر شخصي، وكيف وجد هشام ناجح نفسه كاتبا؟
يقول “في البداية دعني أنوه بهذه الحوارات التي تحرك الراقد في كرش أمه، حيث أشكرك قبل أن أنسى حسن صنيعك، فأنا كائن نساء على الدوام. يبدو أن أحد أجدادي البدائيين، وهو حتما من سكان الكهوف الذين انشغلوا بنقش ما يختلجهم تحت وطأة الظلال، كان قد أوحى لجيناته وكروموزوماته بأن تعبرني من خلال تتويج السيرورة التي تضمن التعبيرات، وطفقت ذلك السليل الذي سيواصل الإمعان في التمثلات اللغوية برصد الأمائر التي تجعل من اللغة الكائن القادر على ابتلاعنا. فأنا عبد مشرط الأحناك لسيدتي اللغة، وهذا يقض مضجعي بأنني لست حرا، وفي الوقت نفسه أدعي الحرية، حيث لا سبيل لي إلا السمع والطاعة. إذ إني لم أختر أن أكون كاتبا بقدر ما إن اللغة هي من تمارس سلطتها على كل خانع مشاء يتلو البحار الزاخرات الممعنات في حيز الوجود”.
ويعتبر أن “قدر اللغة هو الأقوى، ولحدود اللحظة لم أجد نفسي كاتبا، بل عبدا ورأسي زبيبة، خاضعا خانعا، في القصور الشاسعات للملكة العظيمة، صاحبة الجلالة والمهابة مولاتي اللغة”.
يستعيد ناجح الدور الذي لعبته القراءة في تشكيل وعيه السردي، وأبرز الكتب ولحظات القراءة التي كانت حاسمة في مساره الأدبي، حيث يقول “حالما صرت مراهقا ناشدت السعي بكل ما أملك من جبروت، مجادلا في الأيديولوجيا، متقلبا في طروحاتها حيث أردد باستمرار عبارة أرسطو: الإنسان بطبعه حيوان سياسي. لكن، سرعان ما سيقع ذلك الشرخ الرهيب الذي سينزف بالخطيئة، حين شرعت في قراءة رواية ‘موسم الهجرة إلى الشمال’، للزعيم الطيب صالح؛ لحظتها عرف العالم طريق الخطيئة الحق، وتخليت عن الأيديولوجيا مغيرا قولة أرسطو، حيث انسقت لرؤية هايدغر أن ‘اللغة مسكن الكائن’، منغمسا في أمصار الأمم وسردياتها ومروياتها. وتأكدت لي الجدوى من صريح الإيمان: إن اللغة وحدها الكفيلة بأن تسفر منزل الحضر عن مكاني ومنزل الخفض عن نفسي”.
وتابع “كما قلت، من يومها عرف العالم طريق الخطيئة، وإن القراءة هي الخطيئة الوحيدة الكفيلة بإدخالك الجنة.. يا داخل الجنة واسيدي عد لي ما فيها الله.. الله. عد لي ما فيها من خطايا القراءة. فلنحمد الخطيئة ما دامت هناك روايات تسعى، عبدت لنا الطريق، وهي لا تعد ولا تحصى”.
ويشير الكاتب المغربي إلى أنه “من خلال رؤيتي المبنية أساسا على الاحتمالات، فقد أضحت الكتابة بالنسبة إليّ تصفية الحسابات مع الذات، لهذا فنحن نكتب للمزيد من الاحتمالات ما دام فهم الذات غير قابل للاستقرار، بحيث لن نقدر على الإحاطة بالمتغير إلا من خلال الكتابة بوصفها سيرورة تستدعي التناقضات أحيانا وفق التصورات الشخصية، التي تحتمل الصواب اليوم وفي الغد قد تلج خانة الخطأ أو غير المعمول به. إننا نكتب الاحتمالات لفهم ذواتنا، وهذا الفهم المحتمل ينعكس على العالم”.
من خلال رؤيتي المبنية أساسا على الاحتمالات فقد أضحت الكتابة بالنسبة إليّ تصفية الحسابات مع الذات
لهشام ناجح رواية بعنوان “الشجعان”، عن هذا العمل المميز سألناه ما الذي أراد مساءلته في الإنسان، وهل تغيرت رؤيته للشجاعة بعد كتابة هذا العمل؟ فقال “بكل بساطة، أردت في روايتي ‘الشجعان’ مساءلة التاريخ بالدرجة الأولى حتى أقف عند السياقات، عابرا إلى النتائج التي يعجز المؤرخ عن أن يبوح بها من فرط تكريس الأنساق الثقافية التي تلجمه. فقد تملكتني الشجاعة في أن أخوض غمار شخصية مباركة بنت حمو البهيشية، الشاعرة، المجاهدة.. أليس هذا كفيلا بأن أكون شجاعا؟ بلى”.
أما روايته “حديث الوجوه المائلة” فهي عمل يوحي بانكسار داخلي للشخصيات، وقد يتساءل القارئ هل ذلك انعكاس لتجربة ذاتية أم قراءة لواقع أوسع؟ لكن ناجح يعتقد “أن من الطبيعي أن نحمل شخوصنا ما لا طاقة لهم به، خاصة حالما نزج بهم ونحن في حالة لا اكتمال. وإن صح التعبير، فقد كتبت رواية ‘حديث الوجوه المائلة’ بمجرد أن وطأت قدماي بلاد الفرنسيس تحت تأثير صدمة الحداثة، خاصة بمنطقة الباسك الفرنسي التي أوحت لي منذ البداية برصد التشابك الاجتماعي الممعن في الحفاظ على الهوية، وكذلك التشابك السياسي الذي يدرج النضال الحي الذي يبعث الأشياء جديدة من بين الأموات. ويشاء القدر أن أكون قريبا من هؤلاء الباسك بمشاركتهم الحياة، لكنهم يحترمون خصوصيتي حول قضية الصحراء المغربية التي أتعارك من أجلها في البارات والتجمعات. لهذا فقد أكون الوجه الظاهر أو الخفي في حديث الوجوه المائلة”.
تحرير الأوهام
في سياق متصل، تبرز المجموعة القصصية لهشام ناجح التي نشرت حديثا، بعنوان “الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر”، والتي تحمل عنوانا دالا. سألناه كيف يشتغل على الرمز داخل القصة القصيرة؟ فأجاب “شكرا مليا على هذا السؤال الذي يطرق باب الذاكرة، حيث يرجرج الاستبطانات الملفوفة بحمى الطفولة من جهة استحضارها. فقد ارتأيت أن أكتب للطفل قصصه التي ظلت ذهنية ترجو الحباء وطفلها لم ييأس، مسعفة رموزها بالشغف المنضوي على حيز التمثلات، متدثرة بعوالمها العالقة؛ لأن ماهية القصة القصيرة، في تصوري، تستوجب فك شفراتها في مهادنة لا تقبل الكشف البين. حتى إن العنوان، ‘الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر’، يكرس هذا الانطباع الطفولي. فحالما كنت أتتبع ملامح رئيس الوزراء البريطاني، أجده غريبا في تعابيره وقسماته. ثمة الملكة إليزابيث وشخوص أخرى كذلك بالمعيار نفسه”.
وأوضح أن “هذه المجموعة، جاءت، بمثابة رد فعل يقبل التمثلات لإعادة ترصيص شخوصي بالشكل الذي أرغب فيه. حيث تخلصت من أوهامي التي لازمتني سنين طويلة.. إنني حاضر بشكل لا يقبل الجدل في هذه المجموعة”.
أما في ما يتعلق بعلاقة الكاتب بالشخصيات ومدى اختلافها بين الرواية والقصة، وأي الجنسين يمنحه مساحة أوسع للتجريب؟ فيقول ناجح “من السذاجة بمكان أن يخلط الكاتب بين شخصيات الرواية والقصة ويضعها في خانة السرد الواحدة؛ لأن – بكل بساطة متناهية – ثمة فرقا بين درجات دواعي الكتابة، خاصة تلك التي تقوم على أساس تقني حول فهم ماهية الكتابة في حد ذاتها، وفرقا بينا بين أجناسها. على الكاتب أن يمتلك المجسات، كالطبيب الحريف، حتى يسهل عليه التشخيص وتحديد الوصفة الشافية. ولا أرغب في الخوض في التعريفات والفروقات بين القصة والرواية، لأن أمرها قد حسم منذ عقود طويلة، وإلا سنكون كتلك الهبلاء التي طلبوا منها أن تزغرد في العرس. وتبقى القصة أفقا رحبا تتجسد داخله المساحة الكبرى من التجريب، لأن طبيعتها تساعد على ذلك. وهذا لا يمنع من أن الرواية تستدعي بطبيعتها أفق التجريب، لكنني أحبذه في القصة”.
أنا عبد مشرط الأحناك لسيدتي اللغة، وهذا يقض مضجعي بأنني لست حرا، وفي الوقت نفسه أدعي الحرية
يعيش ناجح في فرنسا، وبالتالي قد يتساءل قراؤه كيف أثر المهجر على كتابته، وهل منحه مسافة للتأمل أم عمق شعور الاغتراب؟ عن ذلك يقول الكاتب “لعل قارئ أعمالي التي كتبتها في المغرب والنافلة التي دونت في المهجر سيدرك الفرق حتما، وسيرنو بعين العطف إلى الكتابات الأولى التي طفقت متشنجة، ملمومة على نفسها، عكس الكتابات النافلة التي انسجمت مع أهواء الحرية وتخلصت من الشوائب بتفعيل المعاينة التي تسافر بنا إلى حيث لا ضجة. إنك تمشي وروحك تسطع بالبشارة، وكل نأمة هي جمال مبثوث. لقد أدركت أن اللغة تتعثر بتعثر المكان، فأنا متعجل في أن أنعم بالجمال وحده حتى ينعكس على انفعالاتي التي تنتج اللغة دون توجس يرهق الكاتب والشخوص في الآن نفسه. إنني مدين للمهجر الذي أعاد لي الإنسان الحالم، وأبعد عني الخوف الدائم من المجهول. إن الكتابة تحتاج إلى التسويات التي تكرس الفتنة والعنفوان، فيصيح الكاتب وهو يمشي قرب نهر لا دور بمدينة بايون: افتحوا أبواب الجنان حتى ننعم بالنص الملاك”.
وتطرق ناجح إلى الذاكرة المغربية ومدى حضورها في نصوصه رغم البعد الجغرافي، حيث قال “لعل روايتي الأخيرة، ‘الشجعان’، كفيلة بالإجابة عن شدة تمعني في الذاكرة المغربية. إذ تتملكني السعادة حالما أجد نفسي أول من كتب عن فارسة شاعرة تلقي بكلام يفنى له التراب ويشيب له الغراب؛ إنها مباركة بنت حمو البهيشية صاحبة قصيدة الشجعان. لقد قدمت للمغرب هدية ثمينة، وأنا فخور بهذه التجربة التي علمتني أن أجابه التاريخ كيفما كان جبروته”.
ويمتلك ناجح قراءته الخاصة للواقع الثقافي اليوم، سواء في المغرب أو في المهجر، وتقييمه لمدى قدرة الكتابة على التأثير، لكنه يؤكد “ما يهمني دون شك هو الواقع الثقافي المغربي، ما دام الواقع الثقافي في فرنسا مكتفيا بذاته ومنسجما مع متطلباته، على عكس واقع بلدنا السعيد؛ ذلك الوضع الخاص بالمناسبات التي تعتمد سد الثغرات وترسيخ ثقافة الحلول الترقيعية واستفحال دلالة الأسماء نفسها، حتى تولد لنا اليقين بأن الاجتهادات لا تلبي قدر الطموحات. لقد ورثنا الأنساق الثقافية للمخزن؛ مع العلم أن المخزن بجلال قدره لم يعد يؤمن بهذه الأنساق. إذن، ثمة خلل في المثقف نفسه!؟ أما عن الكتابة فهي رديف الجنة الموعودة التي تحول بيننا وبين التخلف؛ فشعب يقرأ ويكتب خير من جيش مرابط على الحدود”.