من غرفة فرجينيا وولف إلى حرملك العربي
حين كتبت فرجينيا وولف عن غرفة تخص المرء وحده، لم تكن تتحدث فقط عن مكان مغلق تستطيع المرأة أن تعمل داخله، وإنما عن امتلاك المساحة والوقت والقدرة على التفكير والكتابة بعيدًا عن القيود التي تفرضها الحياة عليها.
بعد عقود طويلة، انتقلت الفكرة إلى فضاء مختلف هو الإنترنت، حيث لم تعد الغرفة بالضرورة مكانًا ماديًا، وإنما يمكن أن تصبح مساحة رقمية تمنح الإنسان فرصة لأن يقول ما لديه وأن يجد من يصغي إليه.
من هنا تبدأ حكاية حرملك، المنصة الثقافية العربية التي أسستها الكاتبة المصرية المقيمة في الإمارات عايدة محجوب، والتي تقدم نفسها بوصفها منصة وفعل ولادة.
منصة غير تقليدية
تقول محجوب إن فكرة حرملك ارتبطت منذ البداية بفكرة غرفة تخص المرء وحده التي طرحتها وولف، إذ جاءت المنصة أساسًا من حاجة نساء لم يجدن المكان الذي يكتبن فيه.
وتوضح صاحبة المنصة أن الفكرة لم تكن إنشاء مساحة للكاتبات المحترفات، وإنما فتح الباب أمام النساء اللواتي لديهن ما يقلنه، حتى لو لم يعتبرن أنفسهن كاتبات من الأساس.
وهنا تحديدًا تبتعد حرملك عن النموذج التقليدي للمنصة الأدبية التي قد تبدأ من سؤال: من هي الكاتبة؟ وما الذي نشرته من قبل؟ إلى سؤال آخر أكثر بساطة: ماذا لديك لتقولي؟
الكتابة قبل الشهرة
تقدم حرملك محتوى باللغة العربية عبر سرد الحكايات التي تصنع المشهد الإبداعي في الأدب والمجتمع والثقافة والفكر، وتنطلق من تصور يرى أن التفاعل مع الثقافة مشاركة في صنعها، وليس مجرد متابعة لها.
لكن المشروع يركز بصورة خاصة على حضور المرأة في المشهد الأدبي والمجتمعي، ومحاولة إعادة النظر في العلاقة بين المرأة والثقافة والكتابة.
وتقول المنصة في تعريفها إنها انبثقت من حاجة ملحّة للكتابة، ومن رغبة في البوح والتنظيم، وأن يكتب الإنسان نفسه كما هو، وكما يريد أن يكون.
ولا تقدم حرملك نفسها بوصفها طريقًا إلى الشهرة أو النشر أو المجد، بقدر ما تركز على إتاحة مساحة للكتابة نفسها، وعلى ما يمكن أن تمنحه التجربة من فرصة للتعبير واكتشاف الذات.
وتشرح محجوب أن هذا التصور يعني أن قيمة المرأة داخل المشروع لا ترتبط بشهاداتها أو مناصبها أو إنجازاتها الخارجية.
فالمرأة العاملة، والمرأة التي اختارت البقاء في المنزل، والمثقفة، والهاوية، والصاخبة، والصامتة، جميعهن لديهن، وفق فلسفة المنصة، صوت يمكن أن يكتب، وتجربة يمكن أن تتحول إلى حكاية. وبذلك تصبح الكتابة نقطة البداية وليس النتيجة.
لا تحتاج المرأة إلى أن تثبت أولًا أنها كاتبة حتى تحصل على فرصة للكتابة، وإنما يمكن أن تكتشف من خلال الكتابة أن لديها ما يستحق أن يقال.
سبعة أبواب للحكاية
تظهر هذه الفلسفة أيضًا في الأبواب التي اختارت حرملك أن تنظم من خلالها محتواها. فالمنصة تضم سبعة أبواب تحمل أسماء ذات دلالات رمزية، هي: رمادي، ومكاتيب، وسرة، وحمام الثلاثاء، وإرث، وبيان، وسلامليك.
وتستعير هذه الأسماء مفردات من عوالم اجتماعية وثقافية قديمة، وتعيد توظيفها داخل فضاء رقمي معاصر، لتصبح الأبواب جزءًا من هوية المنصة، وليس مجرد تصنيف للمحتوى.
في رمادي تتحرك الكتابة في المناطق الملتبسة والمسكوت عنها، بينما يذهب مكاتيب إلى النصوص التي تحمل روح الرسائل والكتابة للغياب، ويمنح سرة مساحة للتجارب الأدبية والتأملية.
أما حمام الثلاثاء فيقترب من اليوميات والتفاصيل الصغيرة، بينما يرتبط إرث بالحكمة والموروث وما ينتقل من تجربة إلى أخرى عبر الأجيال، ويقدم بيان مساحة للقراءة الثقافية والفنية التي تنظر إلى الحاضر بحثًا عن أسئلة يمكن أن تلهم المستقبل.
وتكشف النصوص المنشورة داخل هذه الأبواب عن اتساع مفهوم الكتابة الذي تتبناه حرملك بين الذاكرة والتجربة الشخصية، والأدب والفن والنقد والقضايا الاجتماعية.
في سرة، مثلًا، تظهر كتابات نسائية ذات طابع شخصي وتأملي، مثل «للذكريات طعم ورائحة» لنور أسبير، التي تستعيد فيها ذاكرة منطقة ريفية وبيت العائلة، وتحول تفاصيل المكان إلى حكاية عن الفقد والحنين والتحولات التي تصيب البشر والأماكن.
وفي رمادي تتحرك الكتابة في المساحات غير الواضحة بين الأبيض والأسود، مثل مقال «جاءنا البيان التالي.. الحقيقة تحت مشرط المونتاج»، الذي يتناول علاقة الإعلام بالحقيقة وآليات صناعة الخبر من خلال قراءة ساخرة لفيلم "جاءنا البيان التالي".
أما مكاتيب فتمنح الرسالة، باعتبارها شكلًا أدبيًا وحميميًا، حضورًا داخل المشروع، فيما يبدو حمام الثلاثاء أقرب إلى مساحة للكتابة الحرة والتجارب التي لا تحتاج إلى القوالب المعتادة.
وبذلك يصبح تقسيم المنصة جزءًا من فكرتها نفسها، فالحكاية لا تأتي في شكل واحد، ولا يشترط أن تكون التجربة أدبية بالمعنى التقليدي حتى تجد طريقها إلى النشر.
أسماء أدبية وأصوات في بداياتها
ولا تقتصر حرملك على إتاحة مساحة للنساء اللواتي يكتبن للمرة الأولى أو لا يعتبرن أنفسهن كاتبات محترفات، إذ تستضيف المنصة أيضًا أسماء لها حضور في المشهد الأدبي العربي.
من بين هذه الأسماء الشاعر والروائي المصري محمد أبو زيد، الذي نشر فيها مقال «ألعاب الكتابة المرحة» ضمن باب سلامليك، والقاص والروائي شريف صالح، الذي نشر قصة «قبلة الموت الحلوة» في الباب نفسه، كما نشرت الروائية والقاصة المصرية نهلة كرم نص «دراما كوين» ضمن باب رمادي.
ويكشف هذا التنوع عن طبيعة المشروع الذي لا يجعل شهرة الكاتب أو عدد كتبه المنشورة معيارًا وحيدًا لتحديد قيمة النص، وإنما يتيح مساحة لكتاب ذوي تجارب مختلفة.
وهكذا يمكن أن يلتقي داخل المنصة الكاتب صاحب المسيرة الأدبية مع امرأة تخوض تجربتها الأولى في الكتابة والنشر.
وبهذا المعنى، لا تلغي حرملك الفارق بين التجارب الأدبية، وإنما تضعها داخل فضاء واحد، حيث لا تكون شهرة صاحب النص هي نقطة البداية، وإنما ما يحمله النص نفسه من فكرة أو تجربة أو حكاية يمكن أن تصل إلى القارئ.
سلامليك.. الغرفة الأخرى
لكن أكثر الأبواب إثارة للاهتمام هو سلامليك، وهو الباب المخصص للرجال.
يحمل الاسم دلالة مقابلة للحرملك في البيوت التقليدية، وهو ما يمنح المشروع مفارقة لافتة.
فالمنصة بدأت من حاجة النساء إلى مساحة خاصة للكتابة، لكنها لم تجعل هذه المساحة تعني إغلاق الباب أمام الرجال، بل أنشأت مساحة أخرى موازية لهم.
وتضم سلامليك نصوصًا لكتاب رجال في مجالات مختلفة، بين الشعر والقصة والمقال والتأملات الفكرية.
ففي أغسطس نشرت المنصة قصيدة «عندما أكتب عن الفرح» للشاعر محمد المعايطة، وقصة «قبلة الموت الحلوة» للكاتب شريف صالح، كما نشرت نص «حتى نعيش اختياراتهم» لمحمد بن صوفان الأحبابي، وقصة «لن يبحر السندباد» لعباد حسين.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في مشروع حرملك. فالمرأة تحتاج إلى مساحتها الخاصة، لا لأنها تريد إلغاء الصوت الآخر، وإنما لأنها تريد أولًا أن تمتلك المساحة التي تستطيع فيها أن تقول ما لديها.
حرملك ليست مجرد منصة لنشر النصوص، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والكتابة
وفي المقابل، يظل الباب مفتوحًا أمام الرجل ليكتب من مساحته هو أيضًا. بهذا المعنى، لا يصبح سلامليك نقيض حرملك، وإنما امتدادًا لفلسفة المنصة التي ترى أن امتلاك المساحة لا يعني بالضرورة إقصاء الآخر.
حين تستعيد الكتابة علاقتها بالحياة
لا تتوقف فلسفة حرملك عند منح المرأة فرصة للنشر، وإنما ترى صاحبة المنصة أن الكتابة يمكن أن تترك أثرًا يتجاوز النص نفسه. وتقول محجوب إن بعض النساء اللواتي كتبن ونشرت نصوصهن على المنصة شعرن بعد ذلك بارتفاع معنوياتهن وثقتهن بأنفسهن، عندما وجدن تفاعلًا من القراء وإعجابًا بما كتبنه.
ومن بين هذه التجارب قصة امرأة مغربية كانت تعمل قاضية ثم توقفت عن العمل وبقيت في المنزل، لكنها كانت تمتلك شغفًا بالتحليل الرياضي.
وعندما وجدت مساحة للكتابة عن هذا الجانب من اهتماماتها، شعرت، بحسب ما ترويه محجوب، بأن شغفها بالحياة عاد إليها من جديد.
ولا تقدم هذه التجربة أثرًا علاجيًا للكتابة بالمعنى المهني، وإنما تكشف عن تصور مختلف لوظيفة النشر الثقافي.
فالمرأة التي اعتادت أن ترى نفسها من خلال وظيفتها أو شهادتها أو دورها الاجتماعي، قد تجد عبر الكتابة فرصة للتعبير عن جانب آخر من اهتماماتها وتجربتها.
وحين يقرأ الآخرون ما كتبته ويتفاعلون معه، فإن التجربة لا تبقى حبيسة صاحبتها، وإنما تحصل على مساحة من الانتباه والاعتراف من جانب القراء.
ومن هذه الزاوية تصبح الكتابة وسيلة للتعبير وإعادة اكتشاف الذات، أكثر من كونها مجرد خطوة نحو النشر.
من الغرفة إلى الفضاء الرقمي
هنا تعود حرملك مرة أخرى إلى سؤال فرجينيا وولف. فالغرفة التي احتاجتها المرأة كي تكتب لم تعد بالضرورة غرفة مادية في زمن أصبحت فيه المساحات الرقمية قادرة على خلق مجتمعات من الكتاب والقراء.
لكن حرملك تحاول أن تضيف إلى هذه المساحة تصورًا آخر. أن تجعل الكتابة متاحة لمن لا ترى نفسها كاتبة أصلًا. وأن تجعل التجربة اليومية والذاكرة والهواية والأسئلة الشخصية مواد قابلة للحكي. وأن تمنح المرأة فرصة لأن تكتب نفسها كما هي، وكما تريد أن تكون.
وفي هذا المعنى لا تبدو حرملك مجرد منصة لنشر النصوص، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والكتابة. فالكتابة ليست بالضرورة طريقًا إلى الشهرة أو المجد. قد تكون أحيانًا طريقًا للتعبير عن الذات والعثور على مساحة لم تكن متاحة من قبل.
لكن يبقى السؤال الأوسع متعلقًا بقدرة هذا النوع من المنصات على الاستمرار في جذب القراء والكتاب، وعلى تحويل إتاحة مساحة للنشر إلى مجتمع ثقافي مستدام في ظل وفرة المحتوى على الإنترنت.
كما يظل التحدي قائمًا أمام المنصات الثقافية الرقمية في كيفية تحقيق التوازن بين إتاحة الكتابة لأصوات جديدة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى تحريري قادر على بناء ثقة القارئ.
وربما هنا تكمن أهمية تجربة حرملك، بوصفها محاولة تستحق المتابعة أكثر من كونها نموذجًا مكتملًا. فهي تنطلق من سؤال قديم طرحته وولف حول امتلاك المرأة مساحة تكتب فيها، وتعيد طرحه بأدوات العصر الرقمي.
وربما لم تعد المرأة في حاجة إلى غرفة مغلقة كي تكتب، لكنها ما زالت في حاجة إلى مساحة تشعر فيها أن صوتها مسموح له بأن يوجد.
وفي المسافة بين غرفة فرجينيا وولف وفضاء حرملك الرقمي تتغير الوسيلة، لكن الحاجة نفسها تبقى: أن يجد الإنسان مكانًا يستطيع فيه أن يكتب نفسه قبل أن يكتب.