من طروادة إلى بغداد.. كيف أعادت الترجمات العربية إحياء ملاحم هوميروس؟

"الإلياذة" و"الأوديسة" بين أمانة النقل وإبداع تأويل المترجمين العرب.. رحلة قرن من الترجمة إلى اللغة العربية.
الخميس 2026/07/30
رحلة أوديسيوس أكثر من مغامرة أسطورية

مع بدء عرض فيلم "الأوديسة" للمخرج البريطاني – الأميركي كريستوفر نولان، تعود واحدة من أعظم ملاحم الأدب الإنساني إلى واجهة الاهتمام العالمي. وبينما يكتشف جيل جديد رحلة أوديسيوس عبر شاشة السينما، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف قرأ العرب هوميروس عبر أكثر من قرن من الترجمة وإعادة التأويل؟

ففي العالم العربي، لم تكن “الإلياذة” و”الأوديسة” مجرد نصين يونانيين انتقلا إلى لغة أخرى، بل تحولتا إلى مشروع ثقافي شارك فيه أدباء ومترجمون سعوا إلى إعادة صياغة هذا الإرث بلغة تجمع بين الأمانة للنص وروح الثقافة العربية، لتنشأ بذلك جسور أدبية امتدت من طروادة إلى بغداد، ومن إيثاكا إلى ضفاف النيل وبلاد الشام.

ترجمات بروح عربية

واحدة من أعظم ملاحم الأدب الإنسانيتعود إلى واجهة الاهتمام العالمي
واحدة من أعظم ملاحم الأدب الإنسانيتعود إلى واجهة الاهتمام العالمي

تعود “الإلياذة” و”الأوديسة” إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وتُنسبان إلى هوميروس، الذي يرى عدد من الباحثين أنه قد يمثل تقليدًا شعريًا أكثر من كونه شخصية تاريخية واحدة.

 وقد أرست الملحمتان أسس الأدب الملحمي في الحضارة الغربية، لكن أصداءهما لم تكن بعيدة عن التراث العربي، الذي عرف هو الآخر نماذج بطولية، كعنترة بن شداد، كما عرف في ملحمة جلجامش أقدم ملحمة مكتملة عرفتها البشرية، تجسد رحلة الإنسان في مواجهة الموت والبحث عن الخلود. وكان العرب قد تعرفوا إلى هوميروس منذ العصر العباسي، إلا أن الترجمات العربية الكاملة لم تبدأ إلا مع النهضة الحديثة.

كانت البداية عام 1904، عندما أصدر المفكر والأديب اللبناني سليمان البستاني أول ترجمة عربية كاملة وشعرية لـ”الإلياذة” بعد سنوات طويلة من العمل. وصدرت الترجمة في أكثر من ألف صفحة، مصحوبة بشروح تاريخية وأدبية ومعجم للأعلام والأماكن.

واعتمد البستاني على ترجمات أوروبية بالإنجليزية والفرنسية والإيطالية، ثم أعاد صياغتها في قالب شعري عربي كلاسيكي حافظ على الروح الملحمية للنص. ولا تزال هذه الترجمة، حتى اليوم، أحد أبرز منجزات النهضة العربية، رغم أن لغتها الكلاسيكية قد تبدو صعبة بالنسبة إلى بعض القراء المعاصرين.

غير أن نقل هوميروس إلى العربية لم يكن مجرد ترجمة حرفية للكلمات، بل كان محاولة لنقل عالم كامل من الأساطير والرموز والآلهة والأوزان الشعرية إلى ثقافة مختلفة، ولهذا اختلفت مناهج المترجمين بين من فضّل الالتزام الحرفي بالنص الأصلي، ومن رأى أن الحفاظ على روح الملحمة أهم من الالتزام الحرفي بتفاصيلها.

ومن أبرز هذه المحاولات ما قدمه الكاتب والمسرحي المصري دريني خشبة، الذي نشر عام 1945 ترجمتين لـ”الإلياذة” و”الأوديسة” اعتمادًا على نصوص إنجليزية، لكنه صاغهما بلغة عربية غنية بإيقاعات الشعر العربي وتناصاته البلاغية، حتى بدا النص، في مواضع كثيرة، أقرب إلى عمل عربي أصيل. وقد أثار هذا النهج نقاشًا بين النقاد حول حدود حرية المترجم، لكنه جعل أعماله من أكثر الترجمات انتشارًا بين القراء.

ومع النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت ترجمات سعت إلى قدر أكبر من الدقة الأكاديمية، منها ترجمة المترجم المصري أمين سلامة لـ”الأوديسة” عام 1961، ثم ترجمة الأكاديمي السوري حنا عبود عام 2007، إضافة إلى ترجمات مباشرة عن اليونانية شارك فيها الباحث المصري أحمد عثمان وفريق من المتخصصين في مصر، وهي أعمال أسهمت في تقريب النص الأصلي إلى القارئ العربي بلغة أكثر التزامًا بالبناء اليوناني.

عودة "الأوديسة"

حح

في السنوات الأخيرة، قدم الشاعر والمترجم العراقي محمد مظلوم ترجمة شعرية حديثة لـ”الأوديسة” صدرت عن دار الجمل، وجاءت بلغة معاصرة تحافظ على النفس الملحمي، وتقترب، في الوقت نفسه، من حساسية الشعر الحديث.

ويقرأ مظلوم رحلة أوديسيوس من منظور يلامس التجربة العراقية الحديثة، حيث يتحول التيه والعودة إلى الوطن إلى تجربة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتستحضر أصداء ملحمة جلجامش بما تحمله هي الأخرى من أسئلة عن الرحلة والموت والخلود.

وربما لهذا السبب تبدو “الأوديسة” اليوم أكثر قربًا إلى القارئ العربي مما تبدو للقارئ الغربي، ففي منطقة عرفت الحروب والهجرة والنزوح والحنين إلى الديار، تتحول رحلة أوديسيوس إلى أكثر من مغامرة أسطورية، لتصبح حكاية الإنسان الذي يواصل البحث عن بيته مهما طال الطريق. ويكتسب هذا المعنى حضورًا خاصًا لدى ملايين العرب المقيمين في المهجر، الذين يعيشون يوميًا تجربة الغربة والشوق إلى الوطن.

ومع عودة “الأوديسة” إلى صالات السينما عبر رؤية كريستوفر نولان، تبدو الفرصة مناسبة أيضًا للعودة إلى تاريخها العربي، فالترجمات التي أنجزها سليمان البستاني، ودريني خشبة، وأمين سلامة، وحنا عبود، وأحمد عثمان، ومحمد مظلوم، لم تنقل نصًا يونانيًا إلى العربية فحسب، بل أعادت إنتاجه داخل ثقافة جديدة، ومنحته حياة أخرى امتدت لأكثر من قرن.

وربما يكون هذا هو سر الملاحم الكبرى؛ فهي لا تبقى حية لأنها تُروى مرة واحدة، بل لأنها تجد في كل عصر قراءً ومترجمين يعيدون اكتشافها ويمنحونها معاني جديدة. وبين شاشة السينما وصفحات الكتب، تواصل رحلة أوديسيوس عبورها من حضارة إلى أخرى، لتؤكد أن الأدب العظيم لا يعرف حدودًا، وأن الإنسان، مهما اختلفت لغته أو موطنه، يبقى مشدودًا إلى الحكايات التي تتحدث عن الرحلة والفقد والأمل والعودة إلى الوطن.

8