"مختارات من الفن المعاصر".. قراءة تشكيلية في قرن من الإبداع المصري

المشهد التشكيلي المصري سردية بصرية ممتدة يعرضها أتيليه جدة
الخميس 2026/01/15
تجربة ثرية تعكس قوة الفن المصري

جدة (السعودية) - يحتضن أتيليه جدة للفنون بالمملكة العربية السعودية، معرضا بعنوان «مختارات من الفن المعاصر»، انطلق مساء الأحد الماضي بحضور المهندس لؤي حكيم والناقد التشكيلي هشام قنديل، في حدث يعيد تقديم المشهد التشكيلي المصري بوصفه سردية بصرية ممتدة، تتقاطع فيها الأزمنة، وتتجاور فيها التجارب، من جيل الرواد والمؤسسين إلى أصوات معاصرة لا تزال تعيد تعريف مفهوم اللوحة والكتلة والفراغ. افتتح المعرض في جدة مساء الأحد.

والمعرض لا يكتفي بعرض أعمال فنية منتقاة، بل يطرح نفسه كوثيقة ثقافية ـ بصرية، تستحضر أكثر من مائة عام من التحولات الجمالية والفكرية في مصر، حيث يتجاور الكلاسيكي مع التجريبي، والتعبيري مع التجريدي، في حوار مفتوح بين الذاكرة والتحديث. هذا التراكم الزمني لا يُقدَّم بوصفه أرشيفًا جامدًا، بل كتاريخ حي، يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والوجدانية التي مر فيها المجتمع المصري، وانعكست بوضوح على بنية العمل الفني، وموضوعاته، وتقنياته.

وتتسم الأعمال المعروضة بتنوع لافت في الوسائط والأساليب، من الرسم والتصوير إلى النحت والمعالجات المختلطة، بما يعكس ثراء التجربة التشكيلية المصرية وقدرتها الدائمة على التجدد. فهناك أعمال تؤكد مركزية الإنسان والهوية، وأخرى تنحاز إلى التجريد بوصفه لغة كونية، وثالثة تنشغل بإعادة تفكيك الموروث البصري وإعادة تركيبه برؤية معاصرة، دون القطيعة مع الجذور.

ويشارك في المعرض نخبة كبيرة من كبار الفنانين المصريين من أجيال مختلفة، من بينهم: أحمد نوار، جورج بهجوري، محمد عبلة، صلاح عناني، نبيل راشد، أحمد عبدالوهاب، فرغلي عبدالحفيظ، محمود شكري، مصطفى الزار، عفت حسني، عبدالوهاب عبدالمحسن، طارق الكومي، سعيد بدر، عادل ثروت، وليد جاهين، حنان الشيخ، حمدي أبو المعاطي، فتحي عفيفي، أحمد عسقلاني، روحـية توفيق، عماد إبراهيم، علا يوسف، رضا شحاتة، وائل حمدان، منى غريب، زينب صبحي، عمار شيحا، هاني فاروق، معاوية هلال، محمود الضويحي، نادر هلال، كمال السماك، ريهام أبوالعزم، محمد ثابت، وغيرهم من الأسماء التي شكّلت وما زالت تشكّل ملامح المشهد التشكيلي المصري.

المعرض وثيقة ثقافية بصرية تستحضر أكثر من مائة عام من التحولات الجمالية والفكرية في مصر

وفي قراءة سردية للمعرض، أوضح الناقد التشكيلي هشام قنديل أن اختيار الأعمال جاء بعناية شديدة، ليكون المعرض مختلفًا في بنيته ومحتواه، جامعًا بين التنوع والاختلاف والتميّز، ومتيحًا مساحة عادلة لمختلف الاتجاهات الفنية، التي يجمع بينها خيط واحد هو الريادة والسبق الفني.

وأكد أن هذه التجارب، على اختلاف مدارسها وخلفياتها الثقافية والاجتماعية، حفرت بعمق في تاريخ التشكيل العربي، وأسهمت في صياغة وعي بصري عربي معاصر.

وأوضح هشام قنديل، وهو مدير أتيليه جدة للفنون، أن المعرض يضم عددا من رواد الحركة التشكيلية المصرية، مؤكدا أن حضور أعمال هذه الكوكبة من التشكيليين الراحلين والمعاصرين، يعد استحضارا لرموز هذه الحركة من المؤسسين والرواد، في حوار مدهش بين القديم والجديد، بما يعد تاريخا ثقافيا واجتماعيا لمسيرة مصر في أكثر من مائة سنة.

وقال: "اخترنا أن يكون هذا المعرض مختلفا ومنتقى بعناية، حافلا بالتنوع والتميز والاختلاف؛ لإتاحة فرصة أكبر لكل الاتجاهات الفنية التي يجمع بينها خيط وحبل عنوانه التميز الشديد إلى درجة الريادة والسبق، لأسماء مثيرة تشارك في احتفاليتنا الكبرى".

وأضاف أن الفنانين العارضين الذين يحتفي المعرض بأعمالهم، ينتمون إلى مدارس واتجاهات ثقافية واجتماعية متنوعة حفرت عميقا في تاريخ التشكيل العربي، مردفا "هذه النخبة لا تعني بالطبع أنها تشمل كل المبدعين على الساحة التشكيلية المصرية، لكن ذلك لا ينفي أيضا كونها تمثل رموزا مهمة جدا لكل اتجاهات التشكيل المصري" .

ويستمر معرض "مختارات من الفن المعاصر" لمدة أسبوعين، ليقدّم لجمهور جدة تجربة فنية ثرية، لا تُشاهد بالعين فقط، بل تُقرأ بوصفها نصًا بصريًا مفتوحًا، يعكس قوة الفن المصري وقدرته على العبور من المحلي إلى الإنساني، ومن اللحظة الراهنة إلى أفق الزمن الطويل.