"عائلة السماحي".. حينما يكون التشكيل عملا عائليا
في مشهد فني نادر، تتجاوز عائلة السماحي حدود الرابطة الأسرية لتتحول إلى ورشة إبداعية ممتدة، حيث يلتقي رائد الفن المعاصر خالد السماحي بزوجته وبناته في معرض مشترك، يأتي كتجربة تقترح قراءة جديدة للفن، لا بوصفه إرثا يُورّث، بل كحوار بصري دائم يبدأ من تفاصيل البيت وينتهي بلوحات تنبض بالحياة.
القاهرة – من النادر بل من الصعب جدا أن تجد أسرة واحدة فيها اثنان من الفنانين التشكيليين، لكننا هنا أمام عائلة كلها يمثل التشكيل الفني صلبها ورؤيتها وماء حياتها. تلك هي عائلة الفنان التشكيلي خالد السماحي وزوجته وبناته. وقد أقاموا معرضا فنيا تشكيليا مشتركا تم افتتاحه الأحد، حيث شهد غاليري ضي الزمالك، مساء الأحد الماضي، افتتاح أول معارضه التشكيلية للعام 2026 تحت عنوان “عائلة السماحي”، ويستمر لمدة أسبوعين.
افتتح المعرض الكاتب الكبير محمد سلماوي، والدكتور حسن عبدالفتاح، والناقد التشكيلي هشام قنديل رئيس مجلس إدارة أتيليه العرب للثقافة والفنون، والدكتور خالد السماحي، والفنانات أمل وفرحة وحبيبة ولينة السماحي.
حضر الافتتاح نقيب التشكيليين الفنان طارق الكومي، والفنان الدكتور محمد عبلة، والفنان الدكتور سامي البلشي، والفنان حكيم جماعين، وعمر طوسون، وراندا إسماعيل، وأسامة ناشد، وعمر الجباخنجي، وسوزان مغربي، وفاتن الشاذلي، وتوفيق هلال، ونادر هلال وأيمن يسري، ومحمد نوار، والدكتور عبدالخالق حسين، ووفاء النشاشيبي، ومحمد ثابت والدكتور رمضان خميس.
في عالم تتداخل فيه الذاكرة والوجدان، ورحلة تمتد عبر عقود من العطاء والإبداع، يحتفي هذا المعرض بمحطة فريدة في مسيرة الفنان التشكيلي المصري الدكتور خالد السماحي المولود في القاهرة عام 1971، وهو أحد أبرز رواد الحركة الفنية المعاصرة في مصر، بنى تجربته على كشف جوهر الإنسان ونفَسه داخل العمل الفني، متحديًا التقليد ومتفاعلًا مع الذات والآخر والواقع من حوله.
تخرج خالد السماحي من كلية الفنون الجميلة جامعة حلوان عام 1993 في قسم التصوير الزيتي، ومنذ ذلك الحين وعمله يستكشف الوجود الإنساني عبر البورتريه والمنظر الطبيعي واللوحات التي تجسد تفاصيل الحياة اليومية، في مزيج بين الواقعية والتعبيرية والبصمة الذاتية التي لا تُخفى على المتلقي. قدم أكثر من ثلاثين معرضًا فرديًا ومشاركات عديدة داخل مصر وخارجها، كما وجدت أعماله مكانها في متاحف ومقتنيات فنية في مصر ودول عربية وأوروبية.
وتخرجت أمل فتحي، زوجة خالد السماحي من كلية الفنون الجميلة جامعة حلوان عام 1993 في قسم التصوير الزيتي وقد شاركت في العديد من المعارض الجماعية، وحصلت على المستويات الأربعة من اللغة المصرية للخط الهيروغليفي وتعمل على نشر الثقافة المصرية وتعليم اللغة المصرية بالخط الهيروغليفي للأطفال عن طريق الفن.
أما حبيبة السماحي، فهي فنانة تشكيلية ومساعدة تدريس، تخرّجت من كلية الفنون الجميلة قسم التصوير الزيتي عام 2023، شاركت في عدد من المعارض الفنية المرموقة بدار الأوبرا وغاليريهات الزمالك. تتسم أعمالها بفهم عميق للشكل واللون والتعبير، متأثرة بالاتجاهين الانطباعي والمعاصر، إلى جانب ممارستها الفنية، تهتم بتعليم وتوجيه الفنانين الشباب، وتتخصص في التصوير الزيتي والتشريح الفني والفن الرقمي.

وتخرجت الفنانة فرحة السماحي من كلية الفنون الجميلة عام 2024، هي تشكيلية متخصصة في النحت الجداري والنصب التذكارية، ولها خبرة واسعة في تنفيذ الأعمال الفنية داخل مصر وخارجها، عملت في مجال المؤثرات الخاصة السينمائية وشاركت في أعمال للسينما والتلفزيون.
والفنانة لينة خالد السماحي، هي أيضا تشكيلية، من مواليد يناير 2011، وطالبة بالمرحلة الثانوية، بدأت رحلتها الفنية في سن مبكرة، وشاركت في عدد من المعارض الجماعية والمسابقات الفنية، بينها مهرجان الربيع بجامعة النيل، ومعارض ومسابقات ياسمين السمرة، إلى جانب مشاركتها في مسابقات دولية وصالون كرنڤال الألوان بقاعـة الأهرام للفن، ومهرجان الصيف الفني بغاليري أوديسي بالزمالك، وحصلت على الجائزة الأولى في مسابقة مهرجان الربيع بجامعة النيل، وتُعد من المواهب الواعدة التي تخطو خطواتها الأولى بثقة وشغف نحو عالم الفن التشكيلي.
ولا يقف معرض “عائلة السماحي” عند القراءة الذاتية لمسيرة فنان فحسب، بل يأخذنا إلى حوارات أسرية مليئة بالإلهام والتبادل الفني، فالفنان خالد السماحي ليس فنانًا منفردًا في عطائه، بل هو شقيق إبداعي لزوجته وبناته الثلاث، اللواتي يشكلن عالما من العلاقات المتبادلة في صناعة العمل الفني، هنا، في فضاء العرض، تتلاقى أعماله مع أعمالهن، فتتجاور الرؤية والتقنية والمشاعر، في حوار بصري يعكس كيف ألهم الفنّان أسرته، وكيف ألهمته هي بدورها.
في هذا السياق، يقترح المعرض قراءة جديدة لمسيرة فنان عاشق للخط واللون والحياة، وفوق كل ذلك هو راو لحكاية إنسانية كاملة حيث لا يبدأ الفن في المرسم فحسب، بل في البيت، في العائلة، في تلك اللحظات التي تتحوّل فيها الإلهامات إلى صورٍ تنبض بحياة. على مدى سنوات، شكّل الفنان عالمه البصري من خلال التجربة، البحث، والتكرار، لتتكوّن مسيرة تحمل بصمته الخاصة. لكن هذا الخط لم يبقَ منفردًا.

داخل البيت، وبين تفاصيل الحياة اليومية، نشأ حوار صامت بينه وبين عائلته: زوجته وبناته الثلاث، حوار لم يكن قائمًا على التعليم أو التلقين، بل على المشاهدة، القرب، والتأثر المتبادل. ألهمهن حضوره الفني، كما أعدن هن تشكيل نظرته، وأسئلته، وحساسيته تجاه الفن.
يجمع المعرض أعمال الفنان ضمن سياقها الزمني، إلى جانب أعمال مشتركة أو متجاورة مع أفراد عائلته، ليكشف كيف يتحوّل الإلهام إلى طريق ذي اتجاهين. هنا، لا يُقدَّم الفن كإرث يُورَّث، بل كمساحة مفتوحة للحوار، حيث يصبح كل عمل شاهدًا على علاقة إنسانية بقدر ما هو تجربة فنية.