محمد سعيد احجيوج لـ"العرب": الكثير من الروايات العربية سجينة للصوت الواحد

سارد وناقد مغربي يقرأ الكتابة بعين السؤال والمعرفة.
الجمعة 2026/04/03
الكتابة العربية.. نقاد غائبون وصوت متكرر

يعود محمد سعيد احجيوج إلى واجهة النقاش النقدي بعمل جديد يثير أسئلة عميقة حول طبيعة التعدد في الرواية العربية. عبر مفهوم لافت، يقارب الكاتب حدود الاختلاف داخل النص، كاشفا عن تداخل الإبداع بالنقد، ومسلطا الضوء على إشكاليات تمس بنية السرد والوعي الثقافي العربي الراهن.

بمناسبة صدور كتابه الجديد، البوليفونية الزائفة في الرواية العربية، يواصل الكاتب والناقد محمد سعيد احجيوج اشتغاله على أسئلة السرد العربي، من خلال قراءة نقدية تركز على مفهوم البوليفونية، ليس بوصفها تعددا جماليا للأصوات فقط، بل باعتبارها اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الرواية العربية على إنتاج الاختلاف داخل النص. في هذا الحوار مع “العرب” نتحدث معه عن معنى البوليفونية الزائفة، وعن حدود التعدد في الرواية العربية، وعن العلاقة بين الكاتب والناقد، وعن الدوافع التي قادته إلى إنجاز هذا الكتاب.

بدأنا حوارنا معه بسؤال حول اهتمامه بالنقد، خاصة وأنه معروف في الوسط الثقافي بالأساس ككاتب مبدع في مجالات إبداعية متعددة. كيف بدأت علاقته بالنقد؟ وهل كان هذا التوجه امتدادا طبيعيا لتجربته في الكتابة، أم أنه جاء بدافع أسئلة فكرية وجمالية فرضت عليه خوض هذا المجال؟

أجاب “ها أنت تقول: كاتب في مجالات إبداعية متعددة، أوليس النقد أيضا كتابة إبداعية؟ حسنا، لندع هذا الإشكال التصنيفي جانبا. لو أردنا العودة إلى الماضي البعيد فقد سبق أن كتبت مقالات ذات طبيعة نقدية، في مجلات إلكترونية ما بين عامي 2004 و2005 (نعم، قبل عشرين عاما مباشرة بعد انقطاعي عن الدراسة في الجامعة). طبعا كانت محاولات ساذجة، لكنها على أي حال محاولات. وكذلك، في الفترة نفسها، كنت مشغولا بالتدوين (من من القراء يا ترى يتذكر المدونات؟)، ولم تكن مدونتي شخصية، لنشر خواطر ذاتية، بل كانت مساحة نقد اجتماعية، مع طبقة من التفكير السياسي. دعنا الآن من الماضي البعيد، ولنعد إلى الوراء بضع سنوات فقط. الباحث الذي يدقق في منشوراتي على فيسبوك منذ سنة 2019 سيجد أن أغلب مباحث كتابي ‘البوليفونية الزائفة في الرواية العربية’ تحدثت عنها هناك أكثر من مرة، وإن كانت بصيغة تناسب النشر على فيسبوك وليس العمق المطلوب في الكتب النقدية”.

ويضيف “يمكن أيضا أن أتخطى كل هذا وأقتبس لك من الكتاب فقرة تكشف رؤيتي الفنية للرواية: الرواية، كما يجب أن نفهمها وندافع عنها، ليست مجرد موضوع للنقد أو مادة خام تنتظر من يحللها ويفسرها، بل هي، في ذاتها وجوهرها، فعل نقدي بامتياز. إنها ممارسة نقدية شاملة ومتعددة الأبعاد، تتجاوز حدود التصنيفات الضيقة لتصبح فضاء مفتوحًا للمساءلة والتفكيك والاستكشاف. أقصد: إنني بالكتابة الروائية نفسها، بذاتها، أمارس النقد والكتابة النقدية، وهذا لا يعني نقد الأوضاع الاجتماعية أو السياسية وحسب، بل حتى الكتابة النقدية نفسها والرواية بالخصوص”.

ويشرح “روايتي ‘أحجية إدمون عمران المالح’ تحركها ثيمة رئيسية هي نقد الجوائز الأدبية، وأعمال روائية بعينها. كذلك الأمر في روايتي ‘ليل طنجة’. والآن، بعد كل هذا، يمكنني أن أقتبس من سؤالك نفسه وأقول إن علاقتي بالنقد هي امتداد طبيعي لتجربتي في الكتابة، وهي أيضا، من قبل ومن بعد، جاءت بدافع أسئلة فكرية وجمالية فرضت عليّ خوض هذا المجال”.

أمراض الرواية العربية

◄ وسائط التعبير الاجتماعي منحت الحمقى إمكانية التعليق على كل شيء، ومات النقد لأن الجوائز فرضت معاييرها
◄ وسائط التعبير الاجتماعي منحت الحمقى إمكانية التعليق على كل شيء، ومات النقد لأن الجوائز فرضت معاييرها

صدر للكاتب مؤخرا كتاب “البوليفونية الزائفة في الرواية العربية”، وهو يوضح “أتحدث في الكتاب عن أمراض مختلفة تعرفها الرواية العربية، والثقافة العربية في مجملها، لكن بالفعل تركيزي الأكبر على ما أسميتُه بالبوليفونية الزائفة، لأنها آفة لا تطبع الرواية وحسب، بصفتها نصا إبداعيا خياليا، بل كل مناحي الحياة العربية. لنجلب مثالا صغيرا من عالم التدبير السياسي. يقال مثلا إن الحياة السياسية تعرف تعددا في التمثيلية بدخول المرأة إلى البرلمان. لكن، دخول المرأة إلى البرلمان خاضع لمحاصصة صرفة. إنها محض تعددية شكلية، أي: بوليفونية زائفة. تعدد صوتي زائف”.

ويشير إلى أنه “في تشريح أسباب هذه البوليفونية الزائفة يحفر الكتاب عميقا ويكشف ما يراه خللا جوهريا في الفكر والثقافة العربيين، الرافضين، جملة وتفصيلا، لفعل التعدد، والقائمين أساسا على سلطة الصوت الواحد، الموقف الواحد، القائد الواحد وإلى غير ذلك من الأحادية المطلقة التي لا تقبل أي خلاف أو جدال. لنأتي بمثال بسيط، بما أننا خرجنا قبل أيام فقط من شهر رمضان: هل يمكن لشخص ما، في المغرب، أن يأكل في العلن خلال نهار رمضان؟ المسلم يرى نفسه صاحب الدين الأحق، والمهتدي الوحيد إلى الجنة، هذا حقه الذي لن ينتزعه منه أحد. لكن، لم لا يتقبل أن يُظهر شخص آخر أنه غير معني بفعل الصوم؟ ثمة دول عربية فيها قطاع واسع من المواطنين يدينون بدين غير الإسلام، لكن تجد المسلم يرفض تماما أن يرى جاره المسيحي يفطر خلال نهار رمضان. ويمكن أن تجد هذا المسلم نفسه، في سياق آخر، يتحدث عن التسامح الديني وتقبل الآخر والزواج بالكتابية، أليس هذا تعدد زائف، بوليفونية زائفة؟ كما قلت في مقدمة الكتاب: إن الحديث عن أمراض الرواية، مثل البوليفونية الزائفة، هو، في عمقه، حديث عن أمراض الوعي نفسه، عن بنية ذهنية تاريخية تعيد إنتاج نفسها في كل مجالات التعبير والمعرفة. الرواية هنا ليست سوى مرآة تعكس طبيعة علاقتنا بالحقيقة، وحدود استعدادنا لمواجهتها. إن هذه البوليفونية الزائفة في الرواية هي انعكاس مباشر لزيف أوسع يسود المشهد الثقافي، زيف يدّعي التعددية بينما يمارس الإقصاء، ويتحدث عن الحوار بينما يفرض الرأي الواحد، ويدّعي الحداثة بينما يعيد إنتاج أكثر الأنماط التقليدية جمودا وانغلاقا”.

دون شك، مصطلح البوليفونية الزائفة يحمل حكما نقديا واضحا، أردنا معرفة هل يعني ذلك أن كثيرا من الروايات العربية تدعي التعدد بينما تظل خاضعة لصوت واحد؟ فقال احجيوج “أما وقد أطلت في جوابي عن السؤالين السابقين سأكتفي هنا بالقول: نعم، كثير من الروايات العربية تدعي التعدد صراحةً بينما هي تظل خاضعة لصوت واحد، هو صوت اللاوعي الثقافي الخاضع لسلطة الأحادية المطلقة”.

سألناه كيف يميز في قراءته بين البوليفونية الحقيقية والبوليفونية الزائفة داخل العمل الروائي؟ فأوضح “نتحدث عن البوليفونية الحقيقية حين يقدم العمل الروائي نفسه من خلال أصوات متعددة تتحاور مع بعض، تتجادل، تتصادم، تتفق حينا وتختلف أحيانا، دون تدخل من الكاتب، وبشكل عضوي يتماشى مع المنطق المفترض للبناء الروائي. وحين نتحدث عن البوليفونية الحقيقية فإننا نتحدث أيضا عن تعدد المستويات اللغوية حيث تحصل كل شخصية على بصمتها الصوتية والأسلوبية التي تميزها عن الشخصيات الأخرى. أما حين تنطق كل شخصيات الرواية باللغة نفسها، بغض النظر عن مستوى هذه اللغة، وحين نجد الكاتب الروائي يسقط مواقفه الذاتية على مجمل شخصيات الرواية، ولا يسمح لأي منها بالنمو بشكل طبيعي ومستقل عنه، فإننا نتحدث آنذاك عن البوليفونية الزائفة”.

وتابع “يجب أن أوضح، البوليفونية ليست شرطا للرواية لتحقق هدفها الجمالي. إنما المشكلة هي حينما يدعي الكاتب صراحة أنه يكتب رواية متعددة الأصوات لكنها أبعد ما يكون عن ذلك، أو حين تتطلب الرواية أن تنفتح على أصوات متعددة لكن كاتبها يخنقها لتخرج بصوت واحد. آنذاك نكون أمام بوليفونية زائفة، وهذه هي المشكلة”.

يلجأ بعض الكتاب إلى تعدد الرواة أو الأصوات في بعض الروايات العربية، وهو اختيار يراه البعض اختيارا جماليا حقيقيا، في حين يعتبره البعض الآخر مجرد تقنية شكلية لإيهام القارئ بالتجديد؟ أما محمد سعيد احجيوج فيرى أن “هذه هي أم الكوارث في الرواية العربية، الأخذ بالقشور، جهلا في بعض الأحيان وكسلا في أحيان أخرى. حقيقة، يصيبني بالجنون الكاتب الذي يقدم لنا روايته عبر رواة متعددين لكنني لا أرى أي فرق بين هؤلاء الرواة سوى اسم الراوي على رأس كل فصل. واليوم تطبّع القارئ على ذلك وصار يعتبر كل رواية تحمل اسم شخصية في عنوان فصولها على أنها رواية متعددة الرواة، ومتعددة الأصوات، وما هي بمتعددة الأصوات ولا حتى متعددة الرواة، طالما أن أسلوب كاتبها، اللغوي والفكري، لا يختلف ولو بكلمة واحدة بين فصول الرواية”.

أردنا معرفة إلى أي حد تأثر احجيوج في كتابه بالتصورات النقدية الحديثة حول الحوارية والبوليفونية، وكيف حاول إعادة قراءتها في سياق الرواية العربية؟ فذكر بأن “البوليفونية، والحوارية، أسس لها الناقد الروسي باختين، وأنا أرى هذا المفهوم جزءا من الحداثة، من جهة أنه يمثل النضج الإنساني في تقبل الآخر والتعايش معه. والرواية العربية، ابنة ثقافتها، بعيدة كل البعد عن تقبل الآخر، محاولة فهمه، أو التحاور معه. ولنا في الوضع المأساوي حاليا أوضح مثال: ثمة حرب مدمرة تزعزع اقتصاد العالم وتطحن الفقراء، لكن التركيز عندنا في جزئية تافهة؛ هذا سني وهذا شيعي، أو هذا عربي وهذا فارسي، عوض أن يكون التركيز على الإنسان، على الضحية الدائمة في كل الحروب. إذا أردنا الزاوية القومية الصرفة فإن العرب لوحدهم غير متكاتفين، إذ ترى بعضهم يهلل لضربات الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران، وبعضهم يهلل لضربات إيران لدول الخليج العربية، وإذا أردنا الزاوية الدينية فالأمر لا يختلف، البعض يهلل لأن إيران المسلمة تضرب اليهود، والبعض يهلل لأن اليهود يضربون إيران الشيعية. ما هذا البؤس؟ لا أحتاج أن أتأثر بالنظريات الغربية ولا أن أحاول تطبيقها على السياق العربي. إننا نعيش وسط قطبية أحادية لا تقبل أي اختلاف، وإذا ما أرادت أن تتجمل أمام العالم بالتعدد فإنها تختار طريق البوليفونية الزائفة، أي الأخذ بالقشور. لم أبتكر جديدا، فقط كتبت عمّا أراه أمامي، وما أعيشه. لكن بطبيعة الحال المصطلح يُسهل التواصل ونظرية باختين في الحوارية سهلت لي مقاربة غياب التعدد في الثقافة العربية وتأطير الأزمة”.

ويضيف أن “الهدف من الكتاب أن يقول، كما قال ذلك الطفل في حكاية أندرسن الشهيرة: الإمبراطور عارٍ. لكنه مع ذلك لا يهدف إلى مجرد الإثارة الرخيصة، إنه يحاول قدر المستطيع أن يكون موضوعيا ومبنيا على تحليل صرف. لكن، رؤيتي النقدية كما عبّرت عنها في مقدمة الكتاب مبنية على فكرة أن النقد لا يمكن أن يكون موضوعيا وإلا فإنه سيكون كاذبا مخادعا. النقد فعل متحيز، لكنه ليس مجرد تحيز تقوده الرغبة في الاختلاف، بل تحيز تدفعه الحاجة إلى التغيير الإيجابي، بدءا بإثارة النقاش حول ما يعتبره الأغلبية مقدسات لا يمكن الاقتراب منها”.

أزمة مزمنة

◄ تركيزي الأكبر على ما أسميته بالبوليفونية الزائفة، لأنها آفة لا تطبع الرواية وحسب، بل كل مناحي الحياة العربية
◄ تركيزي الأكبر على ما أسميته بالبوليفونية الزائفة، لأنها آفة لا تطبع الرواية وحسب، بل كل مناحي الحياة العربية

سألنا احجيوج هل يفكر في مواصلة الاشتغال على قضايا الرواية والسرد، أم أن مشروعه النقدي سيتجه إلى أسئلة فكرية أو أدبية أخرى؟ فكشف أن “الكتاب التالي مباشرة هو كتاب نقدي يحفر في موضوع فكري مختلف، لكن بعده لا شك سأعود إلى قضايا الرواية والسرد عموما”.

أما عن الرواية العربية اليوم وهل تعيش أزمة في بناء الشخصيات، فيرى الكاتب المغربي أن “الكاتب العربي منذ طفولته وهو يعرف أنه توجد حقيقة واحدة لا غير. حقيقة مطلقة لا يأتيها الباطل من خلف أو أمام. سواء كانت هذه الحقيقة ذات سلطة دينية أو سياسية/عسكرية. فكيف عساه يتعلم ممارسة الاختلاف وتقبله؟ نعم، هي أزمة في بناء الشخصيات لأن الكاتب لا يعرف أصلا كيف يستمع إلى الصوت المختلف عنه، فبالأحرى أن يصنعه. طبعا هذا تعميم وثمة دوما حالات فردية استثنائية تفلت من هذه الحتمية وإلا ما كان ممكنا أصلا الحديث في هذا الموضوع، لكن هذه الأزمة في غياب التعدد تغطي على كل شيء آخر”.

وفي مروره على  أبرز الأعمال الروائية التي وجدها أقرب إلى البوليفونية الحقيقية، مقابل أعمال أخرى رآها تقع في البوليفونية الزائفة؟ قال احجيوج “أن يعض الكلب الرجل فهذا ليس خبرا صحفيا، وإنما الخبر هو أن يعض الرجلُ الكلبَ. هذا أول ما يفترض أن يتعلمه الصحفي، كما أن الصحفي غير معني بالإخبار عن القطارات التي تصل في موعدها فذلك هو الأصل والمطلوب منها، إنما هو معني بالإخبار ومحاسبة القطارات التي تصل متأخرة. كذلك الأمر في هذا الكتاب. لا أتذكر رواية بعينها تحقق بشكل سليم تماما مفهوم البوليفونية الحقيقية، ليس لأنها منعدمة، فبالضرورة هناك نماذج متميزة، بل لأن الروايات التي تدعي البوليفونية، وهي أبعد ما يكون عن التعدد، غطت على الأعمال الجيدة. وكما أشرت في الكتاب، مهمة الناقد اليوم، بسبب هيمنة النصوص التافهة والسطحية، ليس أن يبحث عن الأعمال المميزة وأن يعرف بها، لأنه سيفشل في ذلك بسبب عدم تهيؤ القارئ لتقديرها، بل أن يهدم؛ أن يركز حاليا على الهدم والتدمير ليبني قارئا ذا نظرة نقدية، قادرا على التمييز بنفسه، بين الغث والسمين”.

في تشريح أسباب هذه البوليفونية الزائفة يحفر الكتاب عميقا ويكشف ما يراه خللا جوهريا في الفكر والثقافة العربيين، الرافضين، جملة وتفصيلا، لفعل التعدد

وتابع “حين كتبت أول مرة عن البوليفونية الزائفة عاتبني بعض القراء على تعميمي، وطرح آخرون اقتراحات لروايات يرونها تحقق البوليفونية الحقيقية، وإحدى أبرز الروايات التي تكرر اقتراحها هي رواية نجيب محفوظ ‘أفراح القبة’، فذهبت لقراءتها.. ومن سيقرأ كتابي سيجد تحليلي لهذه الرواية وكيف أنها مثال واضح على البوليفونية الزائفة. وحتى لا يبدو كلامي تسويقيا محضا للكتاب سأضيف: المشكلة تكمن في ما سميته ‘اللغة المقدسة’. لغة نجيب محفوظ مميزة، وليست محايدة بالمرة. ونجيب محفوظ على امتداد فصول روايته، مع ما يفترض منها أنها متعددة الرواة، يكتب بمستوى لغوي واحد لا يسمح بالتمايز الصوتي بين الرواة المفترضين، رجالا ونساء، أميين ومثقفين… لا فرق”.

وواصل “ما أريد قوله إن القارئ تطّبع على الرداءة ولم يعد قادرا على التمييز والانتقاء، إلى درجة أنه يطلق أوصافا مثل رواية أجيال، رواية متعددة الرواة بشكل عبثي على أي رواية تقريبا. هل تنقيبي عن روايات البوليفونية الحقيقية، أو روايات الأجيال، سيصلح شيئا؟ لا أعتقد. يتطلب الأمر الهدم، والبناء من الصفر، لعلنا نبني قارئا يحمل بذرة الناقد داخله، ليختار بجدية، ويقيم بدقة، دون أن ينتظر من يرشح له رواية، سواء كان ناقدا أو جائزة أدبية”.

أما عن العلاقة اليوم بين الإبداع الروائي والنقد، فيذكرنا احجيوج “أنه يقال إن النقد مات، ولا نملك إلا الإقرار بذلك. مات لأنه فقد وسائطه التي كان من خلالها يصل إلى القراء (الصحف والمجلات)، ومات لأن وسائط التعبير الاجتماعي، غير الاجتماعية بالمرة، منحت الحمقى إمكانية التعليق على كل شيء، وإبداء الرأي في كل شيء. مات النقد لأن الجوائز فرضت معاييرها، والجامعة صارت مجرد مزرعة لتفريخ الدجاج. ما العلاقة بين الإبداع والنقد اليوم؟ كل في عالمه الخاص يسبح دون اهتمام بما يقوله الآخر. لا الروائي يهتم بما يقوله الناقد الحقيقي، على ندرته، ولا الناقد عموما يهتم، أو يقدر، على متابعة الجديد الروائي”.

9