محمد العزوزي الكاتب الذي يعبر الحدود بين الشعر والسرد

شاعر وكاتب مغربي استطاع من خلال حضوره الأدبي والثقافي أن يكوّن صوتًا شعريًا يلامس القارئ عبر صور شاعرية هادئة.
الثلاثاء 2026/05/12
مشاريع كثيرة ما زالت تختمر في عقل العزوزي (لوحة نور بهجت المصري)

محمد العزوزي شاعر وكاتب مغربي يُعرف بحسّه الإنساني ولغته القريبة من التفاصيل اليومية، حيث تميل نصوصه إلى التأمل في العلاقات والمشاعر والهواجس الداخلية بأسلوب يجمع بين البساطة والعمق. وقد استطاع من خلال حضوره الأدبي والثقافي أن يكوّن صوتًا شعريًا يلامس القارئ عبر صور شاعرية هادئة وأسئلة وجودية تنبع من الواقع الإنساني وتجارب الحياة.

هل يعرف نفسه كشاعر أم ككاتب عابر للأجناس الأدبية؟ عن هذا السؤال يجيب العزوزي في حوار مع “العرب” بالقول “في الحقيقة لا أحب أن أعرف نفسي بمثل هذه الصفات والألقاب التي تبقى من حق القارئ النبيه والجدي. وحده الذي يمكنه أن يحكم بأحقية أي مبدع في حمل اللقب أو الصفة التي يستحقها، وكذلك النقد وأقصد به النقد الحقيقي المبني على الوعي والقراءة والموهبة والذي يكون في مستطاعه التعرف على النص واللا نص بسهولة. بالنسبة إلي كل هذه الصفات تتعايش وتتجاور بداخلي الشاعر الذي يعمق الدهشة باللغة ويدفع بها إلى تخوم الهشاشة والضياع ليولد الإحساس بالجمال والمعنى من اللامعنى حتى وإن اقترب من الضياع والتيه ليوقظ الإنساني في الإنسان والكاتب الذي يمسك بوعي بالسؤال في الكتابة”.

ويعتبر العزوزي أن “كل نص هو تحليق بصيغة أخرى ومتجددة في سماء الإبداع وتوطين للسؤال الإنساني ضمن النص وتقاسم للمحبة عبر أجنحة إبداعية، تدعو إلى التحليق في سماء الإنساني الذي لا يتحقق إلا بالإبداع. بالنسبة إلى سؤالك عن الاختيار بين القصيدة والسرد، أنا لا أضع حدودا بين الأجناس إبداعيا، بل أحاول أن أخلق تأرجحا بين أكثر من جنس إبداعي لأجد الطريق لما أريد أن أقوله بيسر وأجد خيطا ناظما بين العابر واللحظي والمستمر حيث أجد في القصيدة تلك القدرة على التحفيز على القبض على الحالة الذاتية المنفلتة والسرد كتدبير وتحقيق للحالات الإنسانية في أبعادها المتعددة”.

في عمله الأخير “في طريق البحث عن طريق” يوحي العنوان بحالة من القلق الوجودي، سألناه عن الخلفية الفكرية أو الشعورية التي قادته إلى هذا الكتاب؟ فقال “هو استكمال لتجربتي الشذرية التي تجمع بين الشعر والتأمل في أبعاده الفلسفية والوجودية والإنسانية بعد الكتاب الشذري الأول ‘حالات سطو في لاوضوح اللامحتمل’ الذي صدر سنة 2022، يتوزع الكتاب على خمسة نصوص، وكل نص مكون من مقاطع وكتب تقريبا في زمن قريب من الأول، وسبق لي أن نشرت نصوصه بملاحق ثقافية لجرائد مغربية في الشذرة. أحاول أن أصف الوجود الإنساني في أبعاده المختلفة مع ترك الأسئلة مفتوحة على التساؤل”.

أما في “الرجل الذي فقد لحيته”، فالعنوان يحمل بعدا رمزيا لافتا، ويوضح العزوزي أن الكتاب جاء “استكمالا لتجربتي ورؤيتي القصصية بعد تجربة المجموعة الأولى “الطفل الذي مل من تأجيل ولادته” مع اختلاف في نوعية القصص حيث تضمنت المجموعة في الأغلب قصصا قصيرة جدا، وهو محاولة للاشتغال على هذا التنويع القصصي المبني على التكثيف والإيجاز والمفارقة أن المجموعة مساءلة سردية لمجموعة من القيم داخل المجتمع ولسلوكيات اجتماعية وثقافية وسياسية… وذلك لهدم هذه السلوكيات والنماذج التي تروجها وهو ما تمنحني إياه القصة القصيرة جدا كجنس إبداعي مبني على الإيجاز والاقتصاد في الكلمات”.

الكتاب جاء استكمالا لتجربتي ورؤيتي القصصية بعد تجربة المجموعة الأولى “الطفل الذي مل من تأجيل ولادته”
الكتاب جاء استكمالا لتجربتي ورؤيتي القصصية بعد تجربة المجموعة الأولى "الطفل الذي مل من تأجيل ولادته"

وعن الفكرة الأولى للنص، كيف تتشكل، وهل يبدأ بصورة شعرية، أم بمشهد سردي، أم بسؤال فلسفي يقلقه، يقول العزوزي “بالنسبة إلي في الكتابة لا أضرب الموعد معها، لأن الكتابة الإبداعية حالة منفلتة وبنت مشاكسة للقلق، وأقصد به القلق الإبداعي الذي يمثل الجوهر والهوية الشخصية للمبدع، لأن الذي لا يملك القلق لا يمكن أن يكون مبدعا. التشكل يبدأ من القلق أولا ومن التفاعل مع الذات ذاتيا بما تمثله من أحلام وخيبات وألم والواقع حتى في طقوس الكتابة. أنا ابن الفوضى المحفزة ولست من أصحاب النظام والترتيبات لجلسات الكتابة وما يتبعها من طقوس أو صمت”.

وفي التفاتة إلى القراءة ومدى تأثيرها في تشكيل أسلوبه، وأبرز الكتاب الذين يعتبرهم أثروا في تجربته، يرى الكاتب أنه “لا يمكن عزل فعل القراءة عن الكتابة، خصوصا في بداية المحاولة، والتي لن أنكر أنها كانت تفاعلا بدهشة مع أسماء ونصوص أطللنا عليها من نافذة الكتاب المدرسي الذي كان هو النافذة الوحيدة التي رأيت منها الأدب وفيها اكتشفت الشعر والقصة عبر نصوص الشابي وجبران وميخائيل نعيمة ومبارك ربيع وغيرهم، قبل أن أكتشفهم أكثر في أعمالهم الكاملة التي قرأتها لاحقا قبل المرور نحو أسماء أخرى وتجارب إبداعية وفكرية أخرى من كل بقاع العالم”.

ويضيف أن “القراءة مستويات ولا يمكن أن يكون لها نفس التأثير في كل مرحلة من مراحل العمر، لأن ما قرأته بدهشة الطفل الذي كنته والذي لم يكن قد غادر قريته إلا في مرات معدودة لن يكون القراءة التي أقرأها وأنا قارئ دخلت في المئات من القراءات واكتشاف النصوص والتجارب الإبداعية، غير أن التماهي مع القراءة في تجربة الكتابة لا يكون إلا في التجارب التي لم تنضج بعد وما زالت تبحث عن طريقها في الكتابة ولم تصل بعد إلى مرحلة الوعي بالكتابة لتضع رؤيتها وأسلوبها”.

من ناحية أخرى، يرى العزوزي أن “التنوع في الكتابة عنصر صحي للنص والمبدع، شريطة الوعي بالحدود بين الأجناس الإبداعية، والوعي بالكتابة كموهبة ورسالة ورؤية، لأن التنوع يمنح أكثر من صيغة للقول وأكثر من طريقة للمبدع ليوصل أفكاره ورؤاه، وأكثر من زاوية للرؤية، فالذي يمكن أن نقوله بالشعر قد يكون من المستحيل أن نقوله بالقصة أو الرواية أو غيرهما من الأجناس، وقس على ذلك الأجناس الإبداعية”.

أردنا معرفة هل يميل الشاعر إلى التكثيف الشعري حتى في السرد، أم يفصل بين لغة القصيدة ولغة الرواية؟ فقال إن “هناك لغة خاصة لكل جنس إبداعي على حدة، التكثيف عنصر جيد للكتابة الإبداعية كيفما كانت نوعيتها، سواء كانت شعرية أو سردية، أما التقريرية فتفقد العمل الإبداعي إبداعيته. أنا دائما أضع هذا العنصر في الحسبان عندما أكتب. لكن التمكن من الإدارة الجيدة لهذه الآلية الإبداعية يحتاج إلى تجربة ومراس في الكتابة عموما، والإبداعية خصوصا، ومهما كانت موهبة المبدع قوية، فإنها تحتاج إلى تمرن على الأدوات الإنشائية. وهذا لن يتأتى للكاتب والشاعر إلا بالكتابة المستمرة، ودون توقف لأن هذه الممارسة فيها يتشكل الوعي بالكتابة والوعي بقدرات الذات الإبداعية واكتشاف موهبته بنفسه في نفسه”.

أما عن تفاعله مع آراء القراء، فيرى العزوزي أن “القراء والنقاد درجات وطبقات. بالنسبة إلي ردود القراء كانت إيجابية ومنحتني بعض الأفكار والمعلومات حول القارئ ماذا يقرأ؟ ولماذا يقرأ؟ ولمن يقرأ؟ وكيف يقرأ؟ وما هي الفئة التي تقرأ؟ خصوصا أنني أراهن بالأساس على قارئ لم تسبق معرفته لأكون في صورة أوضح، ولأفهم الممارسة القرائية، ومن هو القارئ الحقيقي الذي يحركه الشغف القرائي والرغبة في اكتشاف النصوص بعيدا عن التوجيه الذي تمارسه الفئات المهيمنة ثقافيا والتي تحاول بكل الصيغ إضفاء التكريس على المكرس”.

ويستدرك “نقديا لم يتم التفاعل معي إلا من طرف بعض الأصدقاء الذين تجمعني بهم علاقة خاصة، لأن أعطاب النقد كثيرة إن اعتبرنا ما يكتب نقدا، لأن النقد الحقيقي يحتاج إلى روح المغامرة والاكتشاف والمعرفة وليس تكريس الدجل أو الاقتيات بشكل انتهازي على النصوص والأسماء التي تسلط عليها الأضواء”. 

أما عن مشاريعه المستقبلية فيقول “كثيرة هي المشاريع التي تختمر في الرأس وتعجنها المخلية بهدوء. لكن ما أركز عليه في هذه المرحلة هو النشر؛ أن أنشر مخطوطاتي التي تراكمت طوال سنوات من الكتابة، وبطريقتي الخاصة في النشر دون التعويل على أية جهة كيفما كانت، بغية إيصال صوتي وكلماتي للقارئ مع ترك أبواب الاحتمالات مفتوحة للكتابة وسط هذه الزحمة إذا ألح نداء الكتابة”.

8