محمد أركون.. مفكر على تخوم القطيعة بين التراث والحداثة
في خضمّ الجدل المتواصل حول علاقة العالم الإسلامي بتراثه وحداثته، يبرز اسم محمد أركون بوصفه أحد أبرز المفكرين الذين حاولوا تفكيك هذا الإشكال المركّب. لا يكتفي أركون بطرح الأسئلة، بل يذهب إلى مساءلة البُنى العميقة التي أنتجت الأزمة، كاشفا عن اغتراب مزدوج يطال الفكر العربي والإسلامي، سواء في علاقته بذاته أو في تمثّله داخل الفضاء الغربي.
لا يزال الخلافُ محتدمًا بشأن الآلية المناسبة لفهم التراث وقراءة معطياته اللاهوتية والفلسفية والسياسية، ومن الشطط القول بضرورة استعادة التراث بقضّه وقضيضه، وكل مشروعٍ يدعو إلى ذلك لا يكون له مستقبل، ويضيف عُقدًا إلى سلسلة الأزمات التي تُحاصر التطلع المستقبلي. بالمقابل، فإن خيار الانفصال عن المكوّن التراثي والاندماج مع واقع الحداثة من المؤكد أن يكون له ارتداد غير متوقع نحو مهلك المشروع العقلاني. وبالتالي، ما يتفاقم في معترك المماحكات العبثية ليس إلا المنحى اللاعقلاني والإحباط، الأمر الذي تشهد عليه الوضعية بكل تعقيداتها البنيوية.
إضافة إلى ذلك، فإن الظواهر التي ساد الاعتقاد بأنها واقعة في طبقات الماضي السحيق تفاجئ الجميع بعودتها الشرسة كلما وقفت المنطقة أمام لحظات مفصلية. فبدلًا من المضي متصاعدًا نحو القطيعة عن الرواسب التاريخية، نجد نكوصًا إلى مزيد من الانسداد الفكري. والأدهى في هذه الحالة هو التجاهل للقراءات التي تتخذ مسافة من بؤرة الصراع وتنشد الإبانة عن جذور المعضلة من خلال منهج موضوعي.
وذلك يمكن تفسيره بعدم مرونة الإطار الثقافي والمعرفي مع الآلية التي تمتاز بالخروج عن منطق التبسيط والاجترار. والحال هذه، فمن المتوقع أن يثير أي تفكير نهضوي عاصفة من ردود فعل رافضة، وهذا ما حدث لعدد من الأسماء التنويرية في العالم الإسلامي، لعل من أبرزهم المفكر الفرنسي من أصل جزائري محمد أركون، الذي اتخذ من مفاهيم ومنهجيات جديدة منطلقًا لقراءة جملة من الوقائع التي لا يجد لها الفكر الإسلامي جغرافية بديلة لحركته، ولا سقفًا أوسع من إرغاماتها التاريخية.
أوراق الاعتماد
◄ المختلف في منهج محمد أركون هو الابتعاد عن النبرة التفخيمية في تناوله للعلامات الفارقة في الحضارة المعاصرة
يقوم المشروع المعرفي على عدة مبادئ، من أهمها تحديد الأرضية التي يتموضع عليها، لأن الانزياح عن نطاق المجال الموجّه للبحث والانهمام بمتطلباته يقوّض المنهاج الذي يُعوّل عليه ضمن الرحلة المعرفية والمهمة البحثية. يتسع محترف أركون النقدي للفكر الإسلامي بشموليته وعموميته، وأراد أن يكون خط مشروعه راصدًا لكل ما يعنيه الفكر من المقومات العقلية وملكة الخيال والذاكرة والحقائق السوسيولوجية.
وفي ذلك يختلف مع محمد عابد الجابري، الذي كان تكوين العقل العربي وبنيته مدارًا لحفرياته المعرفية، كما مضى محمد أركون في دراسته لمنظومة الفكر الإسلامي إلى أبعد مما توقف عنده نصر حامد أبو زيد في نقده للخطاب الديني. زد على ما سبق الإشارة إليه أن مؤلف “نزعة الأنسنة في الفكر العربي” يريد الخروج من سقف التسميات الفضفاضة في نظرته إلى التركيبة الثقافية والعرقية للجغرافيا التي امتد على أرجائها الإسلام، لأن لكل شعب من هذه الشعوب التي تحيط بها الحضارة الإسلامية متخيّله الخاص وبناه الأنثروبولوجية الخاصة منذ آلاف السنين.
ويطوّع أركون ما توصّل إليه كلود ليفي – شتراوس عن وجود مستويين من الفكر: الأول متوحش، والثاني مدجّن، لفهم الهندسة الاجتماعية وتمثلات الفاعل الديني والسياسي في ديناميتها العقائدية. لا يتبع الجزء المتوحش من الفكر بالولاء إلى السلطة المركزية، ويستمد فعاليته من مجتمعات قبلية مجزأة والحالة الشفهية والثقافة الشعبية والخط غير الأرثوذكسي، فيما لا يتحرك جزؤه المدجّن خارج تشكيلة الدولة والنصوص المقدسة والثقافة الفصحى والدين الرسمي.
ومن المعلوم أن بناء خطاب يتم توحيد الذاكرة عبره بوسائط متعددة ليس من مواصفات الجغرافيا الإسلامية، بل إن هذا المبدأ هو ما يُعمل به في فرنسا، إذ يتكون المجتمع الفرنسي من أعراق مختلفة كالباسكيين والبريتانيين والكورسيكيين والنورمانديين، لكن كل ذلك يندمج في المؤسسات التي تخدم مفهوم الذاكرة الموحدة للشعب الفرنسي.
هذا لا يتغافل عنه أركون، غير أن ما يهمه أكثر هو متابعة صورة الإسلام في الغرب من موقعه العلمي. يعبّر أركون في كتابه “قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟” عن تمسك التيار الاستشراقي بالمنهج التاريخي دون غيره من المناهج الحديثة في تحليله للمجتمعات الإسلامية، كما ينتقد تجاهل الاستشراق للبعد الروحي في الحراك ومصائر العالم الإسلامي.
يُستشف من آراء أركون بخصوص هذا الموضوع أن التمييز الأكاديمي ظاهرة موجودة في الوسط الأكاديمي الغربي، وهذا ما اختبره مؤلف “العلمنة والدين” بنفسه، إذ يكشف أن هناك أصواتًا ترفض مفردات مشروعه وسعيه الفكري لتسليط الضوء على التطرف العلماني وغلو الحضارة الغربية في تهميش القيم الروحية، وهو ما يُصطلح عليه بـ”العلمانوي”.
يقول محمد أركون إن زملاءه الغربيين ينتقدون منهجه البحثي لأنه يسير على عكس التيار التقليدي في بلده المنشأ والحضارة التي وقفت على عتبة التاريخ، كما يلمّحون إلى أن كل ما يفعله ليس أكثر من تلك التقنيات التي استهلكها الغرب في مجال البحث العلمي وعفّى عليها الزمن. ولا يكتفون بذلك، بل يصل بهم الاستخفاف إلى حد نعت أركون بأنه غارق في المجردات والتجريدات في الفكر والمصطلح، ولا يستسيغ الغرب وجود نزعة الأنسنة في الفكر العربي.
وإن حديث أركون عن هذا الموضوع قد يثير الريبة لدى أقرانه المستشرقين، بأنّه يضمر هدفًا يتمثل في البرهان على تفوق اللاهوتي والفلسفي للإسلام على بقية الأديان. والكلام عن العقل الإسلامي لا يوافق المعجم الغربي، لأن العقل لا يقبل التقسيم إلى المسيحي أو البوذي أو الإسلامي حسب منطقه. غير أن أركون يلفت النظر إلى التناقض الكامن في هذا المنظور، إذ لا يُمنع الحديث عن وجود عقل ماركسي أو ديكارتي أو هيغلي، وهكذا ما هو مسموح للعقل العلمانوي غير مسموح به للعقل الديني.
وما يؤكد ظاهرة التمييز الأكاديمي في الجامعات الغربية هو مشاهدات أركون لازدراء الطلاب القادمين من العالم الثالث، إذ يذكر ما عاينه بنفسه من مناقشات لأطروحات الدكتوراه التي تُمنح للطلاب؛ فبعض الأساتذة يعطونهم الشهادة شفقةً، وغاضّين الطرف عن قيمتها العلمية لأنهم لا ينتمون إلى الحضارة الأوروبية، وبالتالي لا يُجدر بهم التعمق في المناهج العلمية الحديثة.
ما يُفهم من كلام محمد أركون أن الغرب مشارك في استفحال وهم امتلاك المعرفة والجهل المؤسس. ومن مظاهر الاستعلاء الغربي في النظر إلى الأصوات التي نبرتها غير مطابقة لأدبياته الفكرية والفلسفية عدم القبول بنقد المفاهيم الحديثة إذا كان صادرًا من شخص مسلم، لأنه، بحسب زعمهم، لا يفهم معنى الحضارة والحداثة، فكيف يمكن الثقة بنقده؟
هذه الأبعاد التي قد تكون غير معروفة يتناولها أركون بالاستفاضة في كتابه “قضايا في نقد العقل الديني”. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يتم الالتفات إلى هذا المنحى في فكر محمد أركون؟ ولماذا لم يجدوا فيما قدمه إمكانًا للتفكير؟ يعترف أركون بأن كل مفكر كبير يمثل فضيحة لعصره ومتمردًا على القواعد والوثوقيات التي أخذت طابع القداسة، لذلك فمن المتوقع أن تثور ضده القوى المحافظة التي لا تغامر بالبحث عن أفق جديد للتواصل مع المعطيات العقلية الحديثة.
◄ أركون يطوّع ما توصل إليه كلود ليفي – شتراوس عن وجود مستويين من الفكر: الأول متوحش، والثاني مدجن
ولا شك أن العالم الإسلامي يدفع ثمن تخبطه في ملعب الشعارات التي تزيد من سعة الفجوة بينه وبين العقل الاستطلاعي الذي يتحقق من خلاله النهوض من ركام الانحطاط. لا ينتهي اجتهاد أركون بتحديد الأرضية التي يلقي عليها جل اهتمامه، بل يضيف، بموازاة ذلك، مصطلحات وصياغات جديدة إلى طاولة بحثه ومساعيه الفكرية والأكاديمية، ويبلور بهذه الطريقة وعيًا مختلفًا للمكون العقائدي، الذي لم يكن منفصلًا عن متطلبات تاريخية حسب رأيه.
وما يدعو إليه أركون في سياق انهمامه بدراسة مقومات الفكر الإسلامي هو التموضع ضمن السياقات التي نشأت فيها الظواهر النصية، واحتدم فيها الجدل بين الفرق والمذاهب التي تشكلت بعد عصر التدوين. وعلى هذا المنوال يكشف مؤلف “تحرير الوعي الإسلامي” أوراق اعتماده دون مواربة، ولا يرعوي عن القول بغياب المسلمين في الممارسة الحضارية المعاصرة، المتمثلة في الكشوفات العلمية والفتوحات المعرفية التي وفرت للبشرية إمكانات الانطلاقات المتجددة.
التفاوت الحضاري
يعيش العالم الإسلامي أزمة مركبة، برأي محمد أركون، فمن جهة تفصله عن الحراك الفكري المعاصر والحضارة الحديثة، كما هو منقطع، من جهة أخرى، عن ماضيه المشرق الذي كان زاخرًا بالطاقات المعرفية، وبرزت فيه العقول الاستطلاعية الباحثة عن دروب متعددة للتفكير، ولم تكن سجينة الإطار الثقافي الجامد.
ما يتفوق فيه الغرب في العالم اليوم هو وجود ديناميكية فكرية فاتحة منذ القرن الثامن عشر، والإمكانات الناجمة من تلك التربة لنشوء العقل الذي لا يتوقف عند حد معين ولا يجمد على هيئة واحدة. بالمقابل، لا يتجاوز حضور الإسلام الحالي البعد السيميولوجي، الذي يقصد به أركون الزي والشعائر الدينية والمأكولات.
ما يُبعد الفكر الإسلامي عن لحظة التنوير أكثر ليس إلا القراءات الإسقاطية للقيم التي لا تُعزل عن الحداثة والفتوحات العلمية التي كانت بوادرها قد لاحت في عصر التنوير، عندما اعتدلت قامة العلم بعيدًا عن وصاية اللاهوت. لذا، لا يجدي نفعًا المحاولات الرامية إلى إثبات أن ما تمخضت عنه الثورات العلمية موجود في المدونة التراثية، وبالتالي لا يستدعي الأمر سوى البحث عن المتوازيات بين ما هو من مفردات العالم المعاصر وما ينتمي إلى الإبستيميات السابقة.
في الواقع، فإن ذلك لا يُدرج في مختبر العلم، ولا يقع ضمن الجهود المعرفية الكاشفة لمسارات جديدة. المختلف في منهج محمد أركون هو الابتعاد عن النبرة التفخمية في تناوله للعلامات الفارقة في الحضارة المعاصرة، إذ في الوقت الذي يؤكد فيه فرادة الغرب في إحداث القطعية مع ترسبات ماضيه المذهبي والديني والتناحري، يلفت النظر إلى أن أسوأ الجرائم وأبشعها في القرن العشرين كان مسرحها تلك البلدان والجغرافيات التي شهدت أكبر إنجازات العقل وأعظم أنواع التقدم البشري.
كما أن نقده للعالم الإسلامي وغرقه في التخلف لا يعني أنه يلغي أو يتجاهل التماعات قيمة ومنارات مضيئة في الحضارة الإسلامية، بل يرى معادله الموضوعي ليس في ماركس أو نيتشه أو هيغل أو كانط، وإنما في شخصية أبي حيان التوحيدي، ما يعني أنه كان يصطدم بالعقليات الجامدة سواء من قبل أبناء جلدته أو لدى زملائه في الغرب.