لورانس فيشبورن لـ"العرب": الإبداع والفكرة الأصيلة امتياز إنساني لن يهزم

المخرج الأميركي ينتصر للذكاء البشري مستعيدا فلسفة "ماتريكس" بمراكش.
الأربعاء 2025/12/31
التجربة الإنسانية هي الأساس

في زمن الاستهلاك والإبداع الرقمي السهل والسريع، فتح النجم العالمي لورانس فيشبورن قلبه لـ"العرب"، مؤكدا أن الفكرة الإنسانية الأصيلة هي الروح التي تحمي السينما من الفناء. ومن خشبة المسرح إلى أيقونة "مورفيوس"، استعرض النجم الأميركي مسيرته الحافلة، مُشددا على أن الآلة لن تهزم خيال الإنسان، وأن الصدق الإنساني يظل العملة الأبقى.

تفرض التحولات الرقمية المتسارعة أسئلة جوهرية حول مصير السينما، وحدود قدرتها على الصمود أمام سطوة المنصات ومنطق الاستهلاك السريع. وعلى هامش مشاركته في فقرة “حوارات” ضمن فعاليات الدورة الثانية والعشرين من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، يفتح الممثل والمخرج والمنتج الأميركي لورانس فيشبورن هذا النقاش في حديث مع صحيفة “العرب”، مؤكدا أن الفكرة الأصلية، قبل الصورة والتقنية، تظل الأساس الذي يقوم عليه كل عمل إبداعي حقيقي.

وتؤكد رؤية لورانس فيشبورن أن الفكرة الأصلية تشكل المنبع الأول لأي تجربة سينمائية ناجحة، ومنها تتولد القصة، وتتشكل الشخصيات، ويتحدد أفق المعنى. كما أوضح أن السينما لا تبدأ بالكاميرا ولا بالمنصة التي ستعرض عليها، وإنما تبدأ بسؤال إنساني واضح، لأن الفكرة القوية وحدها قادرة على حمل العمل من مرحلة الكتابة إلى فضاء التلقي دون أن تفقد صدقها أو ضرورتها.

وترسّخ القصة، في نظر فيشبورن، موقعها بوصفها القلب النابض للفن السابع، مهما تمددت المنصات الرقمية وتغيرت عادات المشاهدة.

وأكد المخرج الأميركي أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم نفوذها الواسع، لا تستطيع أن تعوّض التجربة السينمائية التي تحوّل الفكرة إلى حكاية مشتركة، يعيشها الجمهور جماعيا، حينما تصبح القصة جسرا إنسانيا يتجاوز اللغة والجغرافيا.

وسائل التواصل الاجتماعي، رغم نفوذها الواسع، لا تستطيع أن تعوّض التجربة السينمائية التي تحوّل الفكرة إلى حكاية مشتركة

وتكشف الفكرة الأصلية منذ بداياتها عن قوة العمل أو هشاشته، لأنها تحدد عمقه الفكري ومساره الدرامي قبل الدخول في تفاصيل الإنتاج. ويعتبر فيشبورن أن الكثير من الأعمال التي تحقق حضورا مؤقتا تعاني من فقر في الفكرة، بينما تنجح الأفلام المؤسسة على فكرة واضحة وعميقة في الصمود، حتى عندما تتغير وسائط العرض أو يُعاد اكتشافها بعد سنوات.

وتحمي الفكرة القوية العمل الإبداعي من السقوط في منطق الاستهلاك السريع الذي تفرضه الخوارزميات، حينما يتحول المحتوى إلى مادة عابرة بلا أثر. وفي هذا السياق أشار فيشبورن إلى أن الاعتماد المفرط على الإبهار البصري دون فكرة صلبة يجعل الفيلم قابلا للنسيان بسرعة، في حين تمنح الفكرة الأصيلة العمل قدرة على البقاء في الذاكرة الجماعية.

وأضاف أن العقل البشري أبدع منذ القدم، مبدعا في ابتكار الأفكار الأصلية التي لا يمكن للآلة محاكاتها بالكامل، فـالذكاء الاصطناعي لن يخلق فكرة أصلية جديدة بمفرده، لأنه يعتمد على تراكم المعلومات والمعطيات السابقة التي جمعها الإنسان. ويشكل هذا الواقع دليلاً على أن الإبداع والفكرة الأصيلة هما امتياز إنساني بامتياز، مرتبط بالخبرات والمشاعر والوعي والخيال الذي يمتلكه الإنسان، وليس معالجة بيانات أو خوارزميات معقدة. ومع كل التقدم التكنولوجي الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي، يبقى العقل البشري المصدر الحقيقي للابتكار، لأنه قادر على الجمع بين الحدس والخيال والمعرفة بطريقة فريدة لا يمكن لآلة تقليدها.

وأبرز فيشبورن أن الممثل شريك أساسي في تحويل الفكرة إلى كيان حي على الشاشة، مشددا على ضرورة أن يكون الممثل متعدد الأوجه، قادرا على الاشتغال على الصوت واللغة والإيقاع الداخلي للشخصية، مع فهم عميق لسياقها الفكري والإنساني، وأكد لـ”العرب” أن الأداء الصادق يبدأ من الإيمان بالفكرة التي يحملها العمل.

واستعاد لورانس بداياته الفنية في مسرح “نيو فيدرال” بنيويورك، حين بدأ التمثيل في سن العاشرة داخل فضاء أسسه فنانون سود شباب سعوا إلى التعبير عن أفكارهم وهويتهم الفنية، معتبرا أن تلك التجربة المسرحية المبكرة علمته أن الفكرة الواضحة هي التي تمنح العرض معناه، قبل أي عناصر تقنية أو إنتاجية.

وتوقف عند تجربة فيلم “ماتريكس” باعتبارها مثالا على قوة الفكرة الأصلية، حينما لم يكن النجاح مرتبطا فقط بالتقنيات البصرية، وإنما بالفكرة الفلسفية التي طرحت أسئلة الوجود والحرية والواقع، مؤكدا أن شخصية مورفيوس لم تكن لتترك أثرها لولا العمق الفكري الذي حمله الفيلم، وهو ما منحه انتشارا عالميا ورسّخ مكانته الفنية.

ماتريكس: فلسفة تتجاوز التقنية
ماتريكس: فلسفة تتجاوز التقنية

وتحدث الفنان الأميركي عن الصعوبات التي واجهها في بداياته داخل صناعة السينما، مشيرا إلى اضطراره أحيانا لإخفاء سنه الحقيقي من أجل الحصول على أدوار، غير أنه أكد أن الالتزام بالفكرة وبأخلاقيات المهنة والعمل الجاد كان السبيل الوحيد لبناء مسار فني متوازن، سمح له بالتنقل بين المسرح والتلفزيون والسينما دون التفريط في قناعاته.

واستعرض الممثل الأميركي مسيرة فنية حافلة، من ظهوره المبكر في “كورنبرِد، إيرل وأنا”، إلى مشاركته في “القيامة الآن” لفرانسيس فورد كوبولا، ثم أعمال بارزة مثل “فتيان في الحي”، و”اللون الأرجواني”، و”النهر الغامض”، و”ملك نيويورك”، معتبرا أن اختياراته كانت دائما مرتبطة بقوة الفكرة قبل حجم الإنتاج.

وتوجت مسيرة لورانس فيشبورن بعدد من الجوائز الرفيعة، من بينها جائزة “توني” وجائزة “إيمي” وترشيحه لجائزة الأوسكار، وهي محطات يرى أنها لم تكن غاية في حد ذاتها، بل نتيجة طبيعية لمسار احترم الفكرة الأصلية وجعلها منطلقا لكل عمل.

وُلِد لورانس فيشبورن في مدينة أوغوستا بولاية جورجيا، ونشأ كابنٍ لهاتي بيل، معلمة الرياضيات والعلوم في مدرسة إعدادية، ولورانس فيشبورن الأب، ضابط إصلاح الأحداث. انتقل مع والدته إلى بروكلين بعد طلاق والديه، وعاش في بيئة مدنية متواضعة، بينما كان يلتقي والده مرة واحدة شهريًا. نشأ وعيه الفني منذ الصغر، وتلقى تعليمه في أكاديمية لينكولن سكوير في نيويورك، التي أُغلِقَت لاحقًا.

وبدأ مساره الفني في سن مبكرة، حيث نال إشادات لأدائه الأول في مسرحية تلفزيونية، ثم شارك في مسلسل درامي، قبل أن يترك بصمة قوية في فيلم جسد فيه دور طفل يشهد أحداث عنف الشرطة. أبدع لاحقًا في فيلم آخر بدور شاب متمرد، وهو الدور الذي منحه الانطلاقة على الشاشة الكبيرة.

على الممثل أن يكون متعدد الأوجه، قادرا على الاشتغال على الصوت واللغة وإيقاع الشخصية، مع فهم سياقها

وخلال بداياته في الثمانينات عمل فيشبورن في التلفزيون والمسرح، حيث شغل وظائف متعددة، بما في ذلك العمل حارس أمن في نوادي موسيقى البانك. وظهر في أفلام متنوعة، وقدم أدوارًا متكررة في برامج الأطفال، كما شارك في حلقات من مسلسلات شهيرة كممثل ضيف. أسهم في تطوير المسرح من خلال أعمال عدة، وظهر في أفلام الرعب والدراما، مؤكدًا قدراته على تنويع الأدوار وتجسيد الشخصيات المختلفة.

وحقق شهرة واسعة في التسعينات من خلال أدوار قوية في أفلام اجتماعية وجريئة، ونال جوائز مرموقة على المسرح والتلفزيون. كتب وأخرج ولعب دور البطولة في مسرحية مهمة، وقدم أدوارًا بارزة في أفلام تناولت قضايا اجتماعية وثقافية، إذ أثبت مكانته كممثل قادر على حمل أعباء الشخصيات المعقدة والبارزة.

وأبدع في الألفينات من خلال أدوار مميزة على الشاشة الكبيرة والصغيرة، حيث قدم أصواتًا لشخصيات في أعمال سينمائية ناجحة، وشارك في أفلام حركة ومغامرات. وتعاون مع ممثلين وممثلات في مشاريع مسرحية وسينمائية، مشيرًا إلى الكيمياء الفريدة بينه وبين زملائه في الأداء. وحصل على تكريمات تقديرية لأعماله الإنسانية والفنية، وعمل كسفير لحقوق الأطفال، مؤكدًا التزامه بالقضايا الاجتماعية من خلال الفن.

وعاد إلى المسرح في عروض هامة، وحصل على جوائز تقديرية عن الأداء الفردي، فيما واصل نشاطه التلفزيوني من خلال مشاركته في مسلسلات درامية وكوميدية، وأسهم كمنتج في أعمال متعددة. وجسد أدوارًا بارزة في أفلام الحركة والخيال العلمي، وأظهر قدراته الإبداعية كممثل ومنتج في مشاريع متنوعة، مع الحفاظ على جاذبية شخصية قوية على الشاشة.

وتزوج فيشبورن عدة مرات، وأنجب أبناء من زيجاته المختلفة، وعاش في هوليوود ونيويورك، وأبدى اهتمامًا بالأدب والثقافة. اكتشف في مرحلة لاحقة أن لديه إخوة غير أشقاء، وهذا أضاف بعدًا جديدًا لفهمه العائلي وجذوره الشخصية، وعكس جوانب من حياته التي شكلت شخصيته وفنه.

9