"عملاق" سيرة ذاتية تروي حكاية صعود الملاكم نسيم حميد
يستعيد فيلم "عملاق" سيرة الملاكم البريطاني من أصول يمنية نسيم حميد، عبر معالجة درامية تمزج بين المجد الرياضي والصراع الإنساني. لا يكتفي العمل برصد مسار بطل استثنائي، بل يغوص في العلاقة المعقدة مع مدربه، كاشفا كيف يصنع النجاح وكيف تزرع بذور الانكسار؟
يستلهم فيلم “عملاق” القصة الحقيقية للملاكم البريطاني ذي الأصول اليمنية الشهير نسيم حميد، أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل والاهتمام في تاريخ الملاكمة الحديثة، وهو من إخراج وتأليف روان آثال، وبطولة أمير المصري في دور نسيم، وبيرس بروسنان في دور مدربه الأسطوري بريندان إنجل.
يتتبع الفيلم قصة صعود نسيم حميد، الملاكم اليمني البريطاني الجنسية، من شيفيلد، الذي كان أيضا بطلا في العالم للناطقين بالعربية، وأول بطل عالمي بريطاني مسلم في الملاكمة، وكان معروفا بثقته في الحلبة وخارجها، والغطرسة التي أصبحت أسلوبه المميز عندما كان يرقص حول خصومه متجنبا ضرباتهم.
كل هذه الصفات قد تجعل السيرة الذاتية مثيرة للاهتمام، لكن فيلم روان أثال يمنحنا منظورا آخر، يتعلق أيضا بمدرب حميد، بريندان إنجل، وهو ملاكم سابق من أصل أيرلندي كان يدير ناديه الخاص في شيفيلد. كان إنجل معروفا بأساليبه غير التقليدية، حيث كان غالبا ما يجمع بين المحترفين والهواة الشباب في الحلبة. اعتنى بالصبي منذ سن السابعة كأب، بعد أن لاحظ حركة قدميه الذكية.
كما يبرز الفيلم التعليقات العنصرية المستمرة التي تلقاها حميد طوال مسيرته، والتي دفعته ليصبح واحدا من أعظم الملاكمين في التاريخ.
تبدأ القصة في شيفيلد في الثمانينات ونشاهد نسيم حميد منذ الطفولة في منزل يمني – بريطاني يواجه عنصرية عابرة حتى ذروة مسيرته عبر الأطلسي، حيث يصبح أول بطل عالمي بريطاني مسلم.
تأتي الدفعة الأعمق من خلال الرابط بين المقاتل الجريء ومدربه الإيرلندي الأصل، يُعلم إنجل الفتى نسيم كيف يحول العداء من حوله إلى قوة تنافسية، وهو درس يبدأ كدرع ثم يتحول إلى غرور يغذيه المال. هذا التحول يكسر علاقة تبدو كأنها علاقة بين أب وابن بديل.
نتعرف إلى إنجل والقرارات التي اتخذها لمصلحة الملاكم نسيم حميد لمساعدته تحت جناحه. تبناه وتصرف تقريبا كأب، حتى إنه أحضره إلى منزله وقضى معه الوقت نفسه مثل أطفاله، مما خلق رابطة لا تنكسر بينهما. لكن لم يكن مقدرا لهما أن يكونا ثنائيا طوال حياتهما، إذ انفصلا في ذروة مسيرة الملاكم.
صعود نسيم حميد إلى النجومية ليس أقل من قصة أسطورية عن شخصية متعجرفة للغاية داخل الحلبة وخارجها هي ما أبقاه متزنا، بشكل ساخر. كان الملاكم يعلم أنه رائع ولم يسمح لأحد أن يقنعه بخلاف ذلك. وكان مدربه يزرع فيه الكراهية لخصمه في الحلبة ويتعمد استفزازه حتى لو لم يقل كلمة.
وأتقن الممثل المصري – البريطاني أمير المصري اللهجة اليوركشايرية، ومن الواضح أنه درس بعناية تعبيرات وجه حميد، حيث كان يتجاوب مع الكاميرا دون عناء، في حين لعب الممثلان الطفلان غيث صالح وعلي صالح، دور حميد في مراحل طفولته، وأبديا إتقانا كبيرا للشخصية.
تعود بنا الكاميرا إلى ثمانينات القرن العشرين، وكيف أحضرت أم شابة أحد أبنائها إلى صالة ألعاب رياضية محلية يديرها ملاكم متقاعد. إنها تريده أن يساعد أولادها على مواجهة المتنمرين العنصريين الذين يصادفهم كل يوم في المدرسة. منذ البداية، يكتشف بريندان أن نسيم لديه موقف يجعله يبرز من جميع المقاتلين الآخرين في صالة الألعاب الرياضية الخاصة به. لديه تفاخر مغرور، يرعاه بريندان، ويعلمه كيفية توظيفه لإغضاب خصومه. هذا يعني أنهم يرتكبون أخطاء، والأخطاء تعني أنهم ضعفاء.
في نهاية المطاف، مع انتقال نسيم من النجاح المحلي إلى المجد الدولي، يبدأ في الاستياء من مدربه. يعتقد أن الرجل الأكبر سنا يأخذ الكثير من الفضل في موهبته، ناهيك عن الكثير من العمولة على أرباحه. في ذلك الحين، انقلبت الثقة بالنفس والغطرسة التي رعاها بريندان بعناية فائقة ضده.
إذا محور فيلم “عملاق” يكمن في العلاقة المعقدة بين نسيم حميد ومدربه بريندان إنجل، التي تعد المحرك الأساسي للسرد. هذه العلاقة تتجاوز إطار مدرب ولاعب لتأخذ أبعادًا أبوية وإنسانية عميقة؛ فبريندان يمثل صوت الانضباط والخبرة والسيطرة على الفوضى التي تصاحب الموهبة الفطرية، بينما يجسد نسيم الحرية والاندفاع والرغبة في كسر القيود. والصدام بين الطرفين لا يُقدَّم كخلاف تقني، بل كصراع إنساني وبحث دؤوب عن السبب الحقيقي وراء نجاح نسيم.
لكن الملاكم نسيم ومكتشفه إنجل لديهما انقسام لاذع، حيث يشعر كل منهما بأن مساهماته الخاصة لم يتم تقديرها وأن مساهمات الآخر قد تم الإفراط فيها. ادعى حميد أن قدراته في الملاكمة كانت نعمة من الله ولا فضل لأحد في نجاحه، في حين يناقشه المدرب إنجل بالقول “صحيح الله منحك الموهبة، ولكني عملت على تطوير تلك الموهبة، وليس من حقك أن تخفي هذه الحقيقية”. تتآكل العلاقة بين حميد وإنجل، تتسع الفجوة، لا يستطيع المدرب تحمل تلميذه بعد الآن ويغادر على الفور. وقد فشل حميد في نزاله الثاني في الولايات المتحدة، هذا السقوط دفعه إلى الاعتزال في سن 28 عاما.

يصور فيلم “عملاق” في البداية أن حميد احتفظ بلقبه كبطل العالم لوزن الريشة في عام 1997 عندما هزم كيفن كيلي في أول معركة له في الولايات المتحدة بالضربة القاضية في ماديسون سكوير غاردن.
في النهاية، وفي مشهد للمدرب إنجل وهو يتابع في بيته مع عائلته نزال الملاكم حميد مع الملاكم الأميركي باريرا وبعد خسارة تلميذه في لاس فيغاس ينزوي المدرب وحده بحجة الذهاب إلى الحمام ويبكي بحرقة، تلحقه زوجته لتخفف من وطأة الخسارة، وتقول “من الصعب أن ترى أحد أولادك يتأذى، أعلم أنه حطم قلبك” يرد بوجع وألم “لقد تعبت عليه، وأعطيته الحب والرعاية، لكنه أنكر ذلك حين اعتقد أنني لم أفعل شيئا من أجله”، ترد عليه “بالعكس هو يعرف وجميعهم يعرفون، كل الأطفال الذين دربتهم أصبحوا أبطالا، كلنا فخورون بك، لقد أنقذت الكثير من الأطفال والشباب وأصبحوا أبطالا للملاكمة في العالم وجميعهم يشكرونك لمنحهم وقتك”.
بعد سنتين على تلك الخسارة، وعند حضوره أحد نزالات الناشئة، يلتقي المدرب إنجل بالملاكم ويبدأ نسيم بالعتاب، لكن المدرب يصرخ بوجهه “عندما حذفتني من عقدك حذفتني من تاريخك، أخبرت الجميع بأن مهاراتك كانت هبة من الله، ولم تكن لي أي علاقة، وأنني مجرد مدرب لياقة، 17 عاما من حياتي أعطيتها لك، 17 عاما دربتك، علمتك، ربيتك في منزلي الخاص مع أبنائي، أخذتك صبيا من الشوارع الخلفية، وحولتك إلى أعظم ملاكم في عصرك، وأكبر نجم على الكوكب وأنت خذلتني وخنتني، لقد حطمتني حين طردتني، كنت كأب لك، وأصبحت أنانيا ومغرورا”، فيرد عليه نسيم “وأنت من نمى هذا الغرور”.
درب بريندان نسيم من سن السابعة إلى سن الرابعة والعشرين، فاز نسيم في 36 من أصل 37 نزالا منها 31 بالضربة القاضية. واعتزل الملاكمة في سن الثامنة والعشرين عاما فقط، وكان أول بطل عالمي بريطاني مسلم. في حين واصل بريندان تدريب الناشئة من الملاكمين وقد نجح في تحويل العديد من الملاكمين من هواة إلى أبطال عالميين. ويعرف إنجل بأنه أحد أعظم المدربين في تاريخ الملاكمة البريطانية والأيرلندية والعالمية، عندما توفى في عام 2018 خرجت مدينة شيفيليد لتوديعه.
ويختم الفيلم بمشاهد من الأرشيف للملاكم نسيم، طوال فترة تدريب بريندان له والجوائز التي حصل عليها، ومشاهد لجنازة المدرب في مدينة شيفليد. في الحقيقة بريندان ونسيم حميد لم يتصالحا أبدا، ومع ذلك عند معرفة نبأ وفاة بريندان، قدم الملاكم نسيم حميد رثاء مؤثرا، يشكره على السنوات التي قضياها معا ولجعله الأمير في الملاكمة.
قد يظن المتفرج أن العملاق هو حميد لكن سرعان ما يتضح أن الفيلم يروي قصة إنجل كمدرب محبوب
ويجمع الفيلم بين قراءتين: إنجل كمهندس معماري يحمي ويشكل المواهب، ونسيم حميد كظاهرة تجلب المدينة والرياضة والجمهور عند قدميه. السيناريو لا ينحاز لأي طرف.
يكافح السيناريو أحيانا ويهمش قصة نسيم الشخصية لصالح وجهة نظر إنجل. هذا النهج، على الرغم من أنه جديد، إلا أنه يترك جوانب معينة من حياة الملاكم متخلفة. ومع ذلك، يستخدم أثال أداة سردية ذكية في ذروتها، والتي على الرغم من أنها محبطة للبعض، إلا أنها تجلب بذكاء الصراعات الأساسية للفيلم إلى الواجهة.
يتعامل الفيلم مع إنجل كبوصلة أخلاقية، ويقدمه بوصفه شخصية تبدو وكأنها “العملاق” الحقيقي الذي لا يعترف بأثره. وعندما يصل حميد إلى ذروته، يفشل ”عملاق” في اتباع نفس المسار، بل يوجه الأضواء إلى المدرب ولهجته غير المقنعة إلى حد ما. وفي اللحظات النادرة التي نرى فيها مشاعر الملاكم تجاه وضع محاصر بالشهرة والجشع والسياسة العائلية، تكون اللحظات عابرة جدا وهناك شعور بخدش أعمق يحتاج إلى حبكة أكثر. كما أن الظهور الوحيد لزوجة نسيم وطفله، على سبيل المثال، يأتي خلال ظهور قصير مدته 20 ثانية خلال نهاية الفيلم.
هكذا يعيد “عملاق” الكاتب والمخرج روان أثال الحياة إلى القصة الحقيقية لبطل العالم الملاكم الأمير نسيم حميد، وفي حين قد يظن المتفرج أن العملاق في العنوان هو حميد، لكن سرعان ما يتضح تماما أن الفيلم يروي قصة إنجل كمدرب محبوب وعمود لمجتمعه في شيفيلد. التزم الفيلم بأسلوب سيرة ذاتية رياضية مألوف، لكن التركيز على العلاقة المعقدة بين المدرب والملاكم يمنحه عمقا. ويعمل الفيلم بشكل أفضل عندما يركز على الصراع بين حميد وإنجل، موضحا كيف يمكن للفخر والولاء والطموح أن يبني الشراكة ويكسرها.
يترك الأمر الكثير للجمهور ليكتشفه عن حميد خارج ما هو معروف علنا، حيث من الواضح أن الفيلم مهتم أكثر بإنجل. ورغم أن الفيلم ليس مفاجئا للغاية، إلا أنه يوجه لكمات قوية كافية لكل من يتركون أثرا.
كما ركز الفيلم على هوية حميد كبطل مسلم وتعبيراته عن الإيمان والصلاة والشكر لله، والسعي اللاحق للثروة الذي يتصدر المشهد، بينما تثبت الدلالات العرقية في المشاهد الأولى تذكيرا بارزا بتكرار التاريخ الخطير الذي يخيم كغيمة سوداء فوق التشابك السياسي الحالي في المملكة المتحدة. ويستكشف الفيلم بذكاء مواضيع الشدائد العرقية والطبيعة المدمرة للشهرة.
