المغرب في مواجهة التضليل: قوة الجدار السيادي وتفكيك المؤامرة الإقليمية

القوائم المنشورة لا تعدو كونها بيانات خدمية ومدنية جرى تجميعها من قطاعات عامة، ثم جرى توظيفها ضمن هندسة تكتيكات الخداع والتضليل الموجه.
الجمعة 2026/08/28
نجاح أمني واستخباري

تتداخل التحولات المتسارعة في بيئة الأمن الدولي الراهنة مع بروز الفضاء السيبراني ساحةً رئيسيةً للتفاعل الجيوسياسي، حيث تتقاطع طموحات القوى الإقليمية مع استراتيجيات الدفاع السيادي للدول. وقد أصبحت الهجمات الرقمية الموجهة وحملات التضليل الممنهجة أدوات بديلة للصراعات التقليدية، ترمي إلى زعزعة استقرار الدول عبر استهداف بياناتها الحيوية ومحاولة تقويض ثقة مواطنيها بمؤسساتهم الرسمية.

وتفرض هذه البيئة الدولية المعقدة على القوى الصاعدة، وفي طليعتها المملكة المغربية، تبني استراتيجيات دفاعية هجينة تجمع بين الصرامة الميدانية واليقظة التكنولوجية العالية، لحماية أمنها القومي وصيانة مكتسباتها الدبلوماسية والسيادية في محيط إقليمي يتسم بالتنافس الشديد والاضطراب المستمر. وهو ما يجعل التماسك بين المجتمع والمؤسسات السيادية خط الدفاع الأول في مواجهة هذه التهديدات العابرة للحدود.

ويتضح، من خلال القراءة المعمقة للموقع الجيوسياسي للمغرب، أن النجاحات الدبلوماسية المتتالية في ملف الوحدة الترابية، وتعاظم الدور المحوري للرباط كشريك استراتيجي للقوى الدولية في حوض البحر الأبيض المتوسط والعمق الأفريقي، عبر المبادرة الملكية الأطلسية، أفرزا حالة من الارتباك لدى الأطراف المناوئة، دفعتها إلى نقل معاركها إلى الحقل الرقمي وتفعيل أدوات التضخيم الخوارزمي الموجه.

وفي هذا الإطار، تتكامل اليقظة التقنية الوطنية مع ضوابط التشريع المغربي، المتمثل في القانون 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، والدور المحوري للمديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، إلى جانب قطب المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN-DGST)، وباقي الأجهزة السيادية للمملكة، لفرض ردع رقمي متكامل يجهض استراتيجيات التلاعب المعرفي والهندسة الاجتماعية في مهدها.

وفي هذا السياق المتوتر والمحكوم بالحروب المعرفية، يتجلى بؤس السرديات المصنوعة في مطابخ التضليل الإقليمي؛ حيث يندرج ادعاء كشف لوائح اسمية يُزعم أنها تضم سبعين ألف عنصر ومتعاون مع المخابرات المغربية في الساحة الأوروبية ضمن خانة الشطط الفكري والتهافت الميداني.

الحضور المغربي الوازن والموثوق، الذي تحظى كفاءته باعتراف وإشادة كبار المسؤولين الأمنيين في القارة الأوروبية، هو ما يسعى الخصوم إلى التشويش

وإن إخضاع هذا الرقم الخيالي لمعايير العقل والمنطق وقواعد الهندسة الاستخباراتية الدولية يثبت انفصاله التام عن الواقع والعمق العملياتي للدول؛ إذ يستحيل، من الناحية اللوجستية والمهنية، إدارة أو تجميع هذا الحشد الضخم في قاعدة بيانات واحدة أو ضمن تصرف عملياتي موحد، دون الاصطدام ببديهيات العمل الاستخباراتي المهني الرصين.

وتتضاعف غرابة هذه الادعاءات وأبعادها التضليلية حين تُقارب بالواقع الميداني والدور التاريخي الراسخ للأجهزة الأمنية المغربية في صيانة الأمن القومي القاري. فبدلاً من هذه الأرقام الخيالية المصنوعة لأغراض التجييش، تنشط المخابرات المغربية في العواصم الغربية والأوروبية وفق شرعية التعاون الاستراتيجي وبروتوكولات التنسيق الاستخباراتي العابر للحدود، حيث شكّلت المعلومات الدقيقة والضربات الاستباقية التي قدمتها الرباط للشركاء الأوروبيين صمام أمان حقيقياً، جنّبت معه العديد من العواصم الغربية حمامات دم ومخططات إرهابية وشيكة كانت تستهدف أمن مواطنيها ومرافقها الحيوية.

إن الحضور المغربي الوازن والموثوق، الذي تحظى كفاءته باعتراف وإشادة كبار المسؤولين الأمنيين في القارة الأوروبية، هو ما يسعى الخصوم إلى التشويش عليه وشيطنته عبر تحويل الشراكة الأمنية المنقذة للأرواح إلى شماعة للشائعات؛ مما يكشف عن حجم التخبط الذي تعيشه الأطراف المناوئة، والتي لجأت إلى المبالغة الفجة والتهويل الرقمي لتعويض عجزها عن استيعاب حجم الصلابة والمناعة البنيوية والسمعة الدولية التي تتمتع بها الأجهزة السيادية للمملكة المغربية.

تهافت الادعاءات الدخيلة

ويأتي بلاغ قطب المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني ليعبر عن جاهزية المنظومة الأمنية المغربية، ويؤشر على مرحلة جديدة من المواجهة الهجينة التي تتجاوز النمط التقليدي نحو استهداف الرأسمال اللامادي للمملكة، والمتمثل في الثقة المؤسساتية.

ويقدم هذا التوضيح الرسمي قراءة تقنية تفكك الادعاءات الواهية وتكشف زيف الأراجيف المتداولة بشأن اختراق القواعد السيادية، والتي حاولت مجموعات قرصنة خارجية، يُشار إلى بعضها مثل تنظيم «جباروت» السيبراني، الترويج لها عبر ادعاء تسريب قوائم اسمية تضم سبعين ألف موظف أمني، في محاولة للربط التعسفي والمكشوف بين المنظومة الدفاعية للمملكة والملفات المرتبطة بضغط الهجرة غير النظامية في واجهة ثغر سبتة المحتل.

وتكشف التحليلات الميدانية أن المعطيات الشخصية المنشورة لا تتجاوز كونها بيانات قديمة جرى تجميعها من قطاعات خدمية ومؤسسات تأمينية وصحية واجتماعية، وتوظيفها بشكل تضليلي لإضفاء صبغة أمنية كاذبة عليها.

كما تفضح العيوب البنيوية للوثائق المصاحبة، من رتب عسكرية دخيلة، وأزياء غريبة عن المنظومة المغربية، وأخطاء لغوية فادحة، غياب أدنى مقومات الحبكة والواقعية.

ويرتبط هذا المسعى اليائس بحسابات إقليمية ضيقة تسعى إلى النيل من السمعة الدولية للمملكة بوصفها قطباً للأمن والاستقرار. غير أن اليقظة القانونية والتقنية، المتمثلة في الفصل التام للأنظمة الحساسة عبر بروتوكول «العزل الفيزيائي التام» (Air-Gapping)، والاعتماد الصارم على آلية «الصوامع المعلوماتية المغلقة» (Information Silos)، تحول دون تحقيق هذه المناورات لأهدافها، وتؤكد متانة الردع السيبراني المغربي في صيانة المصالح العليا للدولة.

التهويل الرقمي المسيّس

تتقاطع هندسة التعاطي الإعلامي لبعض المنصات الإخبارية مع مخططات القرصنة الرقمية المزعومة، لتكشف عن طبيعة التنسيق العملياتي الموجه لتسويق المادة الزائفة عبر ما يُعرف علمياً بـ«التدوير الممنهج للمواد الزائفة».

إذ تتجاوز هذه البيئات النقل الخبري العفوي إلى الاستثمار العمدي في آليات «التضخيم الخوارزمي الموجه»، من خلال التلقف السريع لإشاعة «السبعين ألف اسم» وإعادة تدويرها باعتبارها معطيات قطعية، دون إخضاعها لبروتوكولات التحقق المهنية المعمول بها دولياً، وفي مقدمتها معايير الشبكة الدولية لتدقيق الحقائق (IFCN).

ويمكن تفكيك هذه العملية الهجينة عبر مسار عملياتي متكامل ينطلق إجرائياً من مرحلة التجميع والتزوير، عن طريق دمج قواعد بيانات خدمية وتأمينية قديمة وصياغة رتب وهمية لتصنيع مادة خام تكتسي صبغة أمنية كاذبة. ويتلو ذلك الإطلاق السيبراني المباشر عبر بث تلك المعطيات في حسابات مرتبطة بتنظيم «جباروت» على شبكات الفضاء المظلم، لإيهام المتابعين بحدوث اختراق رقمي سيادي.

ثم يجري تفعيل الضغط الخوارزمي من خلال تشغيل آلاف الحسابات الآلية لتكثيف التفاعل وإجبار خوارزميات المنصات الاجتماعية على رفع المحتوى المصنوع إلى واجهة الأحداث الأكثر تداولاً.

ويمتد هذا التدفق المنظم ليتوج بالتوظيف الإعلامي المسيّس، الذي تتكفل به مكبرات صوت إعلامية تسخر منابرها لخدمة أجندات إقليمية مناوئة، وتتلاقى في أهدافها مع دوائر انفصالية؛ حيث تعمد إلى تأطير الرقم المدعى، سياقياً، لربطه بشكل مفتعل بملفات إدارة الهجرة غير النظامية في واجهة ثغر سبتة المحتل، بغية ممارسة ضغط اتصالي وسياسي على الشركاء الأوروبيين.

ثم ينكشف مرماها النهائي عبر تصعيد الخطاب الرقمي نحو المطالبة بإقالة القيادات الأمنية الرفيعة المستوى، في محاولة لتقويض الثقة المؤسساتية وتفكيك المنظومة الأمنية للمملكة وإضعاف حركيتها الرادعة، خدمةً لأجندات إقليمية ومنظمات إرهابية وانفصالية.

ويسهم هذا التلاحم البنيوي بين التضليل الإعلامي والقرصنة المزعومة في تحويل تلك المنصات ومكبرات الصوت إلى أذرع اتصالية فاعلة ضمن «الحرب المعرفية الهجينة»، حيث يجري توظيف تقنيات التلاعب بالأطر المعرفية وتكرار السرديات الخادعة لزعزعة اليقين وصناعة «قلق أمني مصطنع» يستهدف إثارة ارتياب الشركاء الدوليين والتأثير في الرأي العام.

غير أن هذه المخططات تصطدم في نهايتها بالتحييد السيادي الصارم، المتجلي في بلاغ اليقظة الصادر عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، والذي يفعّل آليات الردع التقني والقانوني، ويدحض هذه الادعاءات، صوناً للرأسمال اللامادي للمملكة، والمتمثل في التماسك المؤسساتي المتين تحت قيادة الملك محمد السادس.

العقيدة الاستخباراتية الدولية

يفضي التحليل العلمي والتقييم الأكاديمي، المستندان إلى أدبيات العقيدة الاستخباراتية الدولية، إلى دحض الأسس البنيوية لهذا الرقم الضخم وإسقاطه من الناحيتين المنطقية والعملياتية. فمن المنظور الهيكلي، يمثل تجميع هذا الحجم من المنتسبين المفترضين فبركة سياقية تتناقض بنيوياً مع طرائق التوزيع الشبكي وقواعد العمل الميداني للأجهزة السيادية.

جرى تفعيل الضغط الخوارزمي من خلال تشغيل آلاف الحسابات الآلية لتكثيف التفاعل وإجبار خوارزميات المنصات الاجتماعية على رفع المحتوى المصنوع إلى واجهة الأحداث

وفي هذا الصدد، تُبطل القواعد الأمنية المعتمدة دولياً، وفي طليعتها وثيقة السياسة الأمنية الصادرة عن مجلس حلف شمال الأطلسي (NAC) تحت الرمز C-M(2002)49 والمؤرخة في 17 يونيو/حزيران 2002، فرضية وجود لوائح موحدة بهذا الكم العددي في ملفات معلوماتية مشتركة؛ نظراً لخضوع الأنظمة والبيانات الإدارية الحساسة عالمياً لمعيار «الحاجة إلى المعرفة» (Need-to-Know)، وهو بروتوكول صارم يحظر، تقنياً، دمج هويات المنتسبين في فضاء رقمي واحد قابل للاختراق البيني، ويفرض عزلاً معلوماتياً صارماً بين مختلف الوحدات العملياتية.

ويأتي كتاب «الحرب الصامتة: فهم عالم الاستخبارات» (Silent Warfare: Understanding the World of Intelligence)، للأكاديميين والأمنيين الأميركيين أبرام شولسكي وغاري شميت، المرتبطين بوزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي الأميركي، كأحد أبرز المراجع الأكاديمية الكلاسيكية التي فككت العقيدة التشغيلية لأجهزة الأمن والاستخبارات المعاصرة.

وتحديداً في فصول مكافحة التجسس والاستخبارات المضادة (Counterintelligence)، يوضح المؤلفان أن التحصين السيادي للأجهزة لا يتأسس على حماية قواعد البيانات بعد تجميعها، بل على منع تجميعها أصلاً عبر آلية «الصوامع المعلوماتية المغلقة» (Information Silos).

وتفرض «التجزئة المقسمة» (Compartmentalization)، الحاكمة في أدبيات الكتاب، عزلاً وظيفياً وأفقياً يمنع، تقنياً، تكوين أي «وعاء رقمي مركزي شامل» يدمج الهويات العملياتية للمنتسبين؛ إذ إن الضابط في وحدة عملياتية محددة لا يملك الصلاحية الأمنية أو التقنية للاطلاع على هوية زميله في وحدة أخرى.

وبناءً على هذه العقيدة الدولية، فإن نفي صحة هذا الاختراق المزعوم يتأسس على غياب الوعاء الرقمي المشترك أصلاً داخل بنية الدولة؛ فمن يستحيل تجميعه هيكلياً، يستحيل انكشافه رقمياً بالصورة التي تروج لها هذه الادعاءات.

وتكشف المعطيات المسرّبة سقوط مروجيها في فخ الخلط المفاهيمي الحاد الذي فككه كتاب «الحرب الصامتة» بين «المعطيات الخدمية والإدارية الخام» (Raw Data) و«المنتج الاستخباراتي والعملياتي المصنف» (Intelligence Product). فالقوائم المنشورة لا تعدو، وفق هذه القراءة، كونها بيانات خدمية ومدنية جرى تجميعها من قطاعات عامة، ثم جرى توظيفها ضمن هندسة تكتيكات الخداع والتضليل الموجه (Deception)، المصممة لصناعة ارتياب مصطنع لدى الشركاء الدوليين والإيحاء بوجود خرق لهياكل التنسيق المشترك.

وتحيّد هذه الحقائق الهيكلية الأثر المرجو من تلك الحملات أمام معايير التحقق الصارمة في البيئة الدولية المعاصرة، التي تعي طبيعة بروتوكولات الحماية المعتمدة في المملكة المغربية، والقائمة على آلية «العزل الفيزيائي التام» (Air-Gapping) لقواعد البيانات الحساسة عن الشبكات المفتوحة؛ مما يعزز حماية الهوية العملياتية للمؤسسة الأمنية ويحرم تلك الحملات الموجهة من القدرة على التأثير في التوازنات الجيوسياسية الإقليمية أو المساس بالرأسمال اللامادي للمملكة، والمتمثل في الثقة المؤسساتية المتينة.

حقيقة الأرقام والتدفقات

ينكشف التضخيم الخيالي والخلل البنيوي الصارخ في ادعاء وجود سبعين ألف اسم فور إخضاعه لنماذج الحوكمة المالية الدولية، ونظرية اقتصاديات الدفاع، ومعايير تنظيم العمليات الاستخباراتية الخارجية العابرة للحدود.

فمن الناحية العملياتية، توضح المقارنة المعيارية والقياس العلمي على قواعد تنظيم العمل السري ونطاق السيطرة الآمنة (Span of Control)، الموثقة في السجلات المهنية لعام 2004 للجان شؤون الاستخبارات الدولية والمنشورة عبر السجل الفيدرالي للحكومة الأميركية GovInfo، أن معايير الأمن تفرض حدوداً مقيدة للتواصل بين ضابط الحالة الميداني (Case Officer) والمتعاونين معه، تفادياً للانكشاف المتسلسل وتأميناً لخطوط الإمداد المعلوماتي.

وبناءً على هذا القياس الرياضي الهيكلي، فإن إدارة وتنفيذ عملية استخباراتية بهذا الحجم، وفق الفرضية المطروحة، تتطلب عملياتياً ولوجستياً تجنيد وتوجيه عدد هائل من ضباط الحالة في الميدان الأجنبي، وما يرافق ذلك من كلفة تشغيلية وتكتيكية سنوية مرتفعة.

ويتطابق هذا الطرح مع الأطروحة الأكاديمية التي صاغها الخبير الدولي والمدير السابق للتحليل في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، مارك لوينثال (Mark Lowenthal)، في مؤلفه المرجعي «الاستخبارات: من الأسرار إلى السياسات» (Intelligence: From Secrets to Policy)، حيث يوضح أن إدارة دورة الموارد الاستخباراتية (Resource Management) تخضع لقيود ميزانياتية ومؤسساتية صارمة، تجعل من الصعب إدارة عمليات واسعة النطاق من دون آثار مالية ولوجستية قابلة للرصد داخل البنى المؤسسية للدول.

وهي ذات الخلاصة الهيكلية التي يناقشها البروفيسور مايكل وارنر (Michael Warner) في دراساته حول حوكمة العقائد الأمنية، مؤكداً ارتباط عمل الأجهزة السيادية، بدرجات متفاوتة، بالنظام المحاسبي واللوجستي الكلي للدولة.

ويأتي الاستشهاد بهذه النماذج القياسية والتقارير الدولية، بما فيها ضوابط صندوق النقد الدولي لعام 2022 (IMF eLibrary)، ومخرجات معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS) الصادرة في مايو/أيار 2015، وتقارير تقييم كلفة الدفاع الصادرة عن مؤسسة RAND Corporation، ليس من باب إسقاطها القسري على المنظومة السيادية للمملكة المغربية، بل باعتبارها أداة للقياس العكسي واختبار الإمكانات العملياتية والمالية للادعاء المطروح.

فإذا كانت الميزانيات الضخمة للقوى الكبرى ومؤسسات الحوكمة النقدية العالمية تؤكد، من الناحية التقنية والمؤسساتية، صعوبة إدارة وتنفيذ عمليات استخباراتية بهذا الحجم، أو تحريك كتل مالية كبيرة عابرة للحدود من دون ترك أثر حسابي مرصود (Financial Footprint) ينعكس في الحسابات الختامية والتوازنات المالية، فإن تمريرها أو تعمية آليات التمويل المرتبطة بها في إطار قانون المالية المغربي يثير، بدوره، إشكالات عملية ومحاسبية جوهرية.

وتتعزز هذه القراءة بالرجوع إلى دراسات «الإنتاج والاستخدام الأمني الموجه» الصادرة عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2021 (IMF Book)، والمحددة لآليات ضبط الشبكات المالية، والقواعد الصارمة لإدارة أموال الطوارئ الموثقة في «دليل القانون العملياتي» الصادر عن كلية القضاة العسكريين بالجيش الأميركي لعام 2024 (TJAGLCS Manual)، فضلاً عن التحليلات المنشورة في منصات ومراكز بحثية حول حكامة موازنات الدفاع والأمن الوطني.

وتشير هذه المرجعيات، بدرجات متفاوتة، إلى أهمية ضوابط مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) وشبكات الامتثال المصرفي في مراقبة التدفقات المالية الكبيرة والمعقدة. وبناءً عليه، فإن الصياغة الميزانياتية للرقم المدعى تفتقر، وفق هذه القراءة، إلى الحد الأدنى من الحصافة الاقتصادية وتنفصل عن أبجديات إدارة الموارد والكتل المالية في العقائد العسكرية والوظائف السيادية، مما يضعف الأثر العملياتي لهذه الإشاعة ويجعلها موضع تشكيك أمام صرامة المنظومة المالية الدولية وضوابط الحكامة الدستورية للمملكة المغربية.

رهانات السيادة المستدامة

توضح القراءة العميقة لأبعاد هذه الحملات وتداعيات المناورات الرقمية المزعومة حجم التحدي الذي تفرضه الهجمات السيبرانية وحملات التضليل على الدول ومؤسساتها. كما تبرز حالة سقوط الإشاعات والوثائق المفبركة أمام متطلبات البرهنة التقنية وضوابط العزل البنيوي للشبكات ومقاييس الحوكمة المالية الدولية.

وتعكس هذه المعطيات، وفق هذا التصور، أهمية العقيدة الأمنية للمملكة وقدرة أجهزتها الاستخباراتية على مواجهة محاولات الاختراق والتشويش المعرفي، من خلال الجمع بين التحصين التقني واليقظة المؤسساتية والاستجابة الاتصالية.

وارتباطاً بفرض الحضور السيادي على الأرض، يكرس البلاغ الصادر عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني نهجاً يقوم على الحزم والردع المباشر، وتجاوز حدود الفعل الدفاعي نحو تفكيك الادعاءات المرتبطة بعمليات الاختراق المزعومة وكشف مراميها في مهدها.

وبناءً على هذه المعطيات، تتأكد أهمية الرهان المغربي على تعزيز مكانته كقطب إقليمي للأمن والاستقرار، اعتماداً على تماسك المؤسسات السيادية وصلابة البنية الوطنية، وتحت قيادة الملك محمد السادس.

وفي هذا السياق، يتحول الاستقرار الوطني والرأسمال اللامادي، وفي مقدمته الثقة في المؤسسات، إلى أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدولة، وجدار دفاع في مواجهة حملات التضليل والاختراق ومحاولات التشويش التي تستهدف صورتها ومصالحها العليا.