من هرمز إلى باب المندب: هل تنفد البدائل؟

ستة أشهر من الحرب استنزفت احتياطيات الطاقة وهددت مسارات التصدير البديلة للنفط.
الخميس 2026/09/24
هشاشة منظومة البدائل وتراجع طاقات الضخ

واشنطن – لم يعد الخطر الذي تواجهه أسواق الطاقة العالمية مرتبطاً بإغلاق مضيق هرمز وحده. فبعد ستة أشهر من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بدأت المسارات التي استخدمتها دول الخليج والأسواق العالمية لامتصاص الصدمة الأولى تتعرض بدورها للضغط، من خط شرق-غرب السعودي إلى الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

وهذه النقلة تفرض سؤالاً مختلفاً عن السؤال الذي شغل الأسواق في الأشهر الأولى للحرب: ليس فقط كيف يمكن تعويض النفط والغاز اللذين لا يعبران هرمز، وإنما كم بقي من البدائل إذا أصبحت مسارات التجاوز نفسها عرضة للهجمات؟

في الأشهر الأولى، أظهر نظام الطاقة العالمي قدرة لافتة على التكيف. فقد لجأت الدول إلى المخزونات الطارئة، ورفعت بعض المنتجين خارج الخليج إنتاجهم، واستُخدمت خطوط الأنابيب التي تتجاوز هرمز، فيما أدى ارتفاع الأسعار إلى تقليص الطلب، خصوصاً في آسيا.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن الطلب العالمي على النفط انخفض 5.3 مليون برميل يومياً على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، وهو أول انخفاض فصلي منذ جائحة كورونا. وفي الوقت نفسه، تراجعت المخزونات العالمية المرصودة بمقدار 507 ملايين برميل خلال الأشهر الستة الماضية، بينما أفرج أعضاء وكالة الطاقة الدولية عن أكثر من 300 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة.

كان ذلك كافياً حتى وقت قريب لاحتواء جزء كبير من أثر اضطراب هرمز. لكن هذه الآلية تحمل حدوداً واضحة. فالاحتياطي الذي يُسحب اليوم لا يمكن استخدامه مرة أخرى غداً، والإنتاج الإضافي يحتاج إلى وقت، وخفض الطلب عبر ارتفاع الأسعار يعني في النهاية ضغطاً على النشاط الاقتصادي.

الأهم أن البدائل الجغرافية بدأت تدخل دائرة الخطر.

يمثل خط شرق-غرب السعودي المثال الأكثر وضوحاً. فالخط الذي يمتد نحو 1200 كيلومتر من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر أصبح خلال الحرب أحد أهم طرق تجاوز مضيق هرمز، وكان ينقل نحو أربعة إلى خمسة ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5 في المئة من الإمدادات العالمية وفق تقديرات رويترز.

لكن هجوماً بطائرات مسيرة في سبتمبر أدى إلى إغلاق الخط مؤقتاً، في وقت كانت فيه السعودية تعتمد عليه لتعويض تعطل حركة النفط عبر هرمز. وأعادت الرياض تشغيله في 22 سبتمبر، إلا أن الضخ استؤنف بطاقة أقل، فيما قد يستغرق الوصول إلى الطاقة الكاملة ستة إلى ثمانية أسابيع بسبب الأضرار التي لحقت بثلاث محطات ضخ.

استمرار الهجمات على المنشآت والممرات يعني أن تكلفة حماية النظام ستزداد، وأن الأسواق ستبقى معرضة لموجات جديدة من الارتفاع

وهنا تكمن المفارقة: المسار الذي صُمم أصلاً كصمام أمان في حال إغلاق هرمز أصبح نفسه جزءاً من معادلة المخاطر.

ولا يعني ذلك أن الطريق السعودي خرج نهائياً من الخدمة، لكنه يكشف هشاشة منظومة البدائل. فمجرد تعرض خط أنابيب استراتيجي لهجوم يجبر المنتجين على إعادة ترتيب شحناتهم، ويزيد الحاجة إلى الناقلات والتأمين والحماية العسكرية، ويرفع تكلفة كل برميل يصل إلى السوق.

وقد لجأت دول المنطقة بالفعل إلى حلول أكثر تعقيداً. وأظهرت بيانات رويترز أن عمليات نقل النفط من ناقلة إلى أخرى في البحر توسعت بصورة كبيرة خلال سبتمبر، في محاولة لإبقاء التدفقات مستمرة رغم اضطراب طرق التصدير التقليدية. لكن هذه العمليات جاءت بتكلفة مرتفعة، مع ارتفاع أسعار الشحن إلى مستويات قياسية.

المشكلة لا تتوقف عند خط الأنابيب السعودي. فباب المندب يمثل الحلقة الجنوبية في شبكة الطاقة والتجارة التي تربط الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس ثم الأسواق الأوروبية.

ومع تصاعد نشاط الحوثيين في الساحل اليمني والتهديدات التي تطال السفن، أصبحت حركة الملاحة في البحر الأحمر أكثر هشاشة. وقد ربطت وكالة الطاقة الدولية جزءاً من تراجع الإمدادات السعودية في الأسابيع الأخيرة بالاضطرابات التي أصابت حركة السفن عبر باب المندب.

وتراجعت حركة السفن عبر هرمز بشدة؛ ففي عطلة نهاية أسبوع واحدة عبر 17 سفينة تحمل سلعاً، مقابل 37 في الأسبوع السابق ونحو 125 سفينة يومياً قبل الحرب. كما تراجعت حركة السفن عبر باب المندب أيضاً، في مؤشر على أن الاضطراب لم يعد محصوراً في نقطة واحدة من شبكة النقل البحري.

وهذا ما يجعل هرمز وباب المندب مرتبطين في الحسابات الاقتصادية. فإغلاق هرمز يضغط على صادرات الخليج، بينما اضطراب باب المندب يعرقل أحد أهم طرق نقل النفط والمنتجات والغاز بين الخليج وأوروبا وآسيا.

إذا اجتمع الخطران معاً، تصبح المشكلة أقل ارتباطاً بحجم الإنتاج العالمي وأكثر ارتباطاً بقدرة النظام على نقل الإنتاج من أماكن وجوده إلى أماكن استهلاكه.

كان انخفاض الأسعار بعد الارتفاعات الأولى للحرب أحد المؤشرات على نجاح الأسواق في التكيف. لكن الاستقرار النسبي لم يكن دليلاً على انتهاء الأزمة.

خط شرق-غرب السعودي  يدخل دائرة الخطر
خط شرق-غرب السعودي يدخل دائرة الخطر

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن أسعار النفط عادت إلى الارتفاع مع استمرار اضطرابات الإمدادات، محذرة من أن استمرار القيود على تدفقات الخليج واستنزاف المخزونات التجارية قد يفرض أسعاراً أعلى وانخفاضاً إضافياً في الطلب حتى تستعيد السوق توازنها.

وهذا يعني أن الأسواق نجحت في شراء الوقت، لكنها لم تحل المشكلة الأساسية.

فزيادة الإنتاج خارج الخليج ساعدت في سد جزء من الفجوة، وتراجع الطلب، خصوصاً في الصين، خفف الضغط، كما أتاحت الاحتياطيات الاستراتيجية كميات إضافية. لكن معظم هذه الإجراءات تعمل كآليات امتصاص مؤقتة، لا كبديل دائم عن عودة تدفقات الخليج إلى طبيعتها.

وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن السعودية والإمارات وحدهما تملكان خطوط أنابيب عاملة يمكنها تجاوز هرمز، بطاقة متاحة تقدر بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يومياً، مقابل تدفقات ضخمة تمر عادة عبر المضيق.

بمعنى آخر، لا توجد شبكة بديلة قادرة ببساطة على استبدال هرمز إذا طال أمد تعطله.

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في وصول سعر النفط إلى مستوى مرتفع، وإنما في انتقال الصدمة إلى قطاعات أخرى.

ارتفاع أسعار الديزل يرفع تكلفة النقل والزراعة والبناء والصناعة، فيما يؤدي ارتفاع أسعار الغاز إلى زيادة تكاليف الكهرباء والتدفئة. كما يمكن أن تنتقل كلفة الطاقة إلى الغذاء من خلال ارتفاع أسعار الأسمدة والنقل.

وهنا تصبح مدة الأزمة عاملاً حاسماً. فالسوق تستطيع التعامل مع اضطراب قصير عبر المخزونات وإعادة توجيه الشحنات، لكنها تواجه اختباراً مختلفاً إذا تحولت الحرب إلى وضع طويل الأمد تتعرض فيه البنية التحتية والممرات البحرية لهجمات متكررة.

وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية بالفعل من أن تأخر عودة التدفقات الطبيعية من الخليج قد يمتد إلى 2027، وأن أي اضطرابات إضافية تمنع التعافي الكامل للإنتاج والصادرات ستكون لها آثار واسعة على الأسواق العالمية.

في هذا السياق، يكتسب النقاش حول المسار الدبلوماسي أهمية تتجاوز العلاقات الأميركية الإيرانية. فقد نشر الدبلوماسي الأميركي المخضرم ريتشارد هاس وكارولين كيسان تحليلاً في مجلة فورين أفيرز حذرا فيه من أن استمرار الوضع الراهن غير قابل للاستدامة، ودعوا إلى مسار تفاوضي ينهي الحرب ويتضمن ترتيبات تضمن بقاء الممرات المائية والبنية التحتية للطاقة مفتوحة.

السؤال الأصعب هو ما إذا كان العالم يستطيع تحمل إغلاق هرمز مع إضعاف البدائل واستنزاف المخزونات وارتفاع كلفة النقل واستمرار التهديدات على البنية التحتية

هذه الدعوة، بوصفها موقفاً تحليلياً لأصحابها، تعكس تحولاً في طبيعة النقاش: أمن الطاقة لم يعد قضية منفصلة عن مسار الحرب، بل أصبح أحد شروط احتواء تداعياتها.

فحتى إذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من حماية بعض الناقلات، وحتى إذا أعادت السعودية تشغيل خط شرق-غرب، فإن استمرار الهجمات على المنشآت والممرات يعني أن تكلفة حماية النظام ستزداد، وأن الأسواق ستبقى معرضة لموجات جديدة من الارتفاع.

ومن هنا تبدو معادلة الأشهر المقبلة أكثر تعقيداً. هرمز ما زال نقطة الاختناق الأكبر، لكن باب المندب وخطوط الأنابيب والمسارات البديلة تحولت إلى نقاط اختناق ثانوية يمكن أن تضاعف أثر الأزمة.

ولذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كان العالم يستطيع تجاوز إغلاق هرمز لفترة محدودة؛ فقد أثبتت الأشهر الماضية أنه يستطيع ذلك إلى حد ما. السؤال الأصعب هو ما إذا كان يستطيع تحمل إغلاق هرمز مع إضعاف البدائل واستنزاف المخزونات وارتفاع كلفة النقل واستمرار التهديدات على البنية التحتية.

عند هذه النقطة، لا يعود أمن الطاقة مجرد ملف اقتصادي، بل يصبح جزءاً من معادلة إنهاء الحرب نفسها. وكلما تقلص عدد مخارج الطاقة المتاحة، تقلصت أيضاً قدرة الأسواق على امتصاص صدمة جديدة.

هرمز لم يعد وحده في قلب الأزمة. الخطر الجديد أن تتحول شبكة البدائل التي أنقذت الأسواق خلال الأشهر الماضية إلى الحلقة الأضعف في الحرب.

2