أوروبا تختبر التنوع: المدرسة في قلب معركة الهجرة

من سقف للطلاب الأجانب إلى حظر النقاب والبرقع، روما تنقل الجدل حول الهجرة والاندماج إلى الفصول الدراسية.
الخميس 2026/09/24
حظر تغطية الوجه بالكامل داخل المدارس

لم تعد المدرسة في أوروبا مجرد مساحة للتعليم والاندماج الاجتماعي، بل تتحول بصورة متزايدة إلى ساحة يختبر فيها المجتمع حدود التنوع وقدرته على التعايش مع موجات الهجرة والاستقرار المتواصلة.

روما ــ في إيطاليا، دفعت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني بهذا النقاش إلى الواجهة من خلال حزمة إجراءات تستهدف تنظيم وجود الطلاب الأجانب في الفصول، وتشديد قواعد الاندماج، وحظر ارتداء البرقع والنقاب في المدارس.

وأعلنت ميلوني أن حكومتها ستطرح على مجلس الوزراء إجراءً يضع حداً أقصى لعدد الطلاب الأجانب في الفصل، إلى جانب إلزام آباء الطلاب الذين يواجهون أبناءهم صعوبات كبيرة في الاندماج المدرسي بتعلم اللغة الإيطالية، وحظر تغطية الوجه بالكامل داخل المدارس. وتقول الحكومة إن الهدف هو تعزيز الاندماج ومنع نشوء بيئات مدرسية تعاني من عزلة لغوية وثقافية.

لكن المقترح يتجاوز في دلالته التفاصيل التعليمية إلى سؤال أوسع: إلى أي حد تستطيع الدول الأوروبية إدارة التنوع المتزايد من دون أن تتحول سياسات الاندماج إلى أدوات لتقييد وجود المهاجرين أو إعادة تعريف المجال العام على أساس ثقافي؟

المدرسة في قلب المعادلة

اختيار المدرسة ساحة لهذه الإجراءات ليس مصادفة. فالتعليم يمثل إحدى أهم القنوات التي تراهن عليها الحكومات الأوروبية لإدماج أبناء المهاجرين، خصوصاً الأجيال التي ولدت في أوروبا أو وصلت إليها في سن مبكرة. وتعتبر المفوضية الأوروبية أن التعليم يلعب دوراً أساسياً في مساعدة المهاجرين واللاجئين على الاستقرار والاندماج، وتدعم الدول الأعضاء في تطوير سياسات تستجيب للفصول التي أصبحت أكثر تنوعاً من حيث اللغة والخلفية الثقافية.

لكن المشكلة تظهر عندما يصبح التفاوت في الأحياء والمدارس أكبر من قدرة النظام التعليمي على التعامل معه. ففي بعض المدن الأوروبية، تتركز الأسر ذات الخلفيات المهاجرة في أحياء بعينها، ما ينعكس على تركيبة المدارس. ومن هنا ينشأ جدل بين مقاربتين: الأولى ترى أن التركيز المرتفع للطلاب المهاجرين قد يصعّب تعليم اللغة وتحقيق الاندماج، والثانية ترى أن معالجة المشكلة عبر الحد من أعداد هؤلاء الطلاب قد تنقل العبء من النظام التعليمي إلى الأسر نفسها.

إلى أي حد تستطيع أوروبا إدارة التنوع المتزايد من دون أن تتحول سياسات الاندماج إلى أدوات لتقييد وجود المهاجرين أو إعادة تعريف المجال العام على أساس ثقافي؟

في الحالة الإيطالية، تبدو هذه المفارقة واضحة. فقاعدة تحديد نسبة الطلاب الأجانب عند 30 في المئة موجودة أصلاً منذ سنوات، لكنها سمحت باستثناءات في حالات عدة، بينها عدم وجود بدائل، أو امتلاك الطلاب اللغة الإيطالية، أو ضرورة الحفاظ على استمرارية الصفوف. وتوضح السلطات الإيطالية أن توزيع الطلاب يهدف إلى تجنب هيمنة الطلاب الأجانب على الفصل، لكن التطبيق ظل مرتبطاً بالظروف الديموغرافية لكل منطقة.

وبالتالي، فإن محاولة جعل السقف أكثر إلزاماً تطرح مشكلة عملية قبل أن تكون سياسية: ماذا يحدث في المناطق التي تتجاوز فيها نسبة الأطفال من أصول مهاجرة هذا الحد بحكم تركيبة السكان؟ وهل سيُنقل الأطفال إلى مدارس أخرى، أم ستُطلب منهم الدراسة بعيداً عن مناطق سكنهم؟

هذه الأسئلة هي التي دفعت بعض الأصوات القانونية والتعليمية إلى التحذير من صعوبة التطبيق. ونقلت تقارير إيطالية عن أستاذ القانون الدستوري سالفاتوري كورييري أن الإجراءات قد تصبح موضع إشكال إذا أدت إلى إبعاد القاصرين وأسرهم عن مناطق إقامتهم، بما قد يتعارض مع الحق في التعليم ومع هدف الاندماج نفسه.

من تنظيم الصف إلى تنظيم الهوية

الأكثر حساسية في المقترح الإيطالي هو الجمع بين سقف الطلاب الأجانب وإجراءات مرتبطة بالهوية والرموز الدينية. فالحكومة لا تتحدث فقط عن توزيع الطلاب أو تعليم اللغة، وإنما تضع أيضاً حظراً على البرقع والنقاب في المدارس.

وتقول ميلوني إن من يأتي إلى إيطاليا ويريد بناء مستقبله فيها عليه تعلم اللغة وفهم الثقافة واحترام القواعد. وتقدم الحكومة هذه السياسة باعتبارها شرطاً للاندماج، لا باعتبارها إجراءً موجهاً إلى ديانة بعينها. لكن الجمع بين تنظيم أعداد الطلاب وحظر تغطية الوجه يجعل القضية جزءاً من نقاش أوسع حول حدود التعددية الثقافية في المجتمع الإيطالي.

ولا تنفرد إيطاليا بهذا النوع من الجدل. فقد فرضت دول أوروبية عدة قيوداً على تغطية الوجه في الأماكن العامة، بينها فرنسا وبلجيكا والدنمارك والنمسا، بينما تبنت دول أخرى قيوداً جزئية تطال أماكن أو مؤسسات محددة. وفي فرنسا، على سبيل المثال، لا تستخدم الدولة نظام الحصص القائمة على الأصل الإثني، بينما تلجأ إلى إعادة رسم مناطق المدارس وإجراءات أخرى للحد من التفاوت بين المؤسسات التعليمية.

الإجراءات قد تصبح موضع إشكال إذا أدت إلى إبعاد القاصرين وأسرهم عن مناطق إقامتهم، بما قد يتعارض مع الحق في التعليم ومع هدف الاندماج نفسه

وفي الدنمارك، اتخذت السلطات إجراءات تستهدف تحقيق قدر أكبر من المزج الاجتماعي في بعض المدارس، بما في ذلك السماح بوضع حدود على أعداد الطلاب من خلفيات معينة في بعض المؤسسات الثانوية، ضمن سياسات تستهدف معالجة التركز الاجتماعي والإثني.

وهكذا لا توجد وصفة أوروبية واحدة. فالدول تختلف في تعريف المشكلة وفي الأدوات التي تستخدمها، لكن القاسم المشترك هو أن الاندماج أصبح قضية داخلية مرتبطة مباشرة بالمدرسة والسكن واللغة والهوية، وليس فقط بملف الحدود والهجرة غير النظامية.

وتكشف الحالة الإيطالية عن سؤال أعمق: هل ارتفاع عدد الطلاب ذوي الخلفيات المهاجرة يمثل في حد ذاته مشكلة، أم أن المشكلة تكمن في قدرة المدارس على توفير الموارد الكافية للتعامل مع هذا التنوع؟

اللغة هي أحد أبرز التحديات. فالطلاب الذين يصلون إلى النظام التعليمي من دون معرفة كافية بلغة البلد يحتاجون إلى برامج إضافية، وقد تحتاج المدارس إلى مدرسين وموارد متخصصة. وتقر المفوضية الأوروبية بأن الفصول متعددة اللغات والثقافات تفرض تحديات خاصة على الأنظمة التعليمية، لكنها تتعامل معها ضمن سياسات أوسع للاندماج والدعم، لا باعتبارها قضية مرتبطة بأعداد الطلاب وحدها.

وهنا يمكن أن يصبح تحديد السقف أداة لمعالجة عرض من أعراض المشكلة بدلاً من معالجة جذورها. فإذا كان التركيز العالي للطلاب الأجانب ناتجاً عن تركز الأسر المهاجرة في أحياء معينة، فإن إعادة توزيع الطلاب قد تخفف الضغط عن مدرسة، لكنها لا تغير بالضرورة واقع الحي أو مستوى الموارد أو الفوارق الاقتصادية.

كما أن وصف الطلاب بأنهم «أجانب» لا يعكس دائماً واقعهم الاجتماعي. فجزء من أبناء المهاجرين ولدوا في البلد نفسه، ويتحدثون لغته، ويخضعون لنظامه التعليمي منذ سنوات. ولهذا فإن السياسات التي تعتمد الجنسية وحدها قد لا تلتقط بصورة دقيقة مستوى الاندماج الفعلي للطلاب.

قوانين وإجراءات ضد الحجاب والنقاب
قوانين وإجراءات ضد الحجاب والنقاب

وتكشف البيانات الإيطالية نفسها عن هذه المفارقة؛ فالطلاب غير الحاصلين على الجنسية الإيطالية يشكلون نحو 12 في المئة من إجمالي الطلاب، وفق البيانات التي استندت إليها التقارير الأخيرة، وهي نسبة وطنية تخفي تفاوتات كبيرة بين المناطق والمدن.

المدرسة كساحة سياسية

لا يمكن فصل الإجراءات التي تطرحها حكومة ميلوني عن السياق السياسي الإيطالي الأوسع. فالهجرة أصبحت واحدة من أكثر الملفات حضوراً في السياسة الإيطالية، وتتنافس القوى اليمينية على طرح سياسات أكثر تشدداً بشأن الحدود والاندماج والهوية.

لكن نقل هذه المعركة إلى المدارس يمنحها حساسية إضافية، لأن النقاش لم يعد يتعلق فقط بمن يدخل البلاد، بل بكيفية نشوء الجيل الجديد داخل المجتمع. وهنا تتقاطع قضايا اللغة والرموز الدينية والمناهج وتركيبة الفصول مع سؤال أكبر يتعلق بشكل المجتمع الأوروبي في السنوات المقبلة.

وتبدو المفارقة أن المدرسة التي يفترض أن تكون إحدى أدوات دمج الأطفال في المجتمع قد تصبح، إذا أسيء تصميم السياسات، مكاناً لإعادة رسم الحدود بينهم على أساس الأصل أو الخلفية. وفي المقابل، فإن تجاهل التركز السكاني والتفاوت اللغوي قد يترك المدارس أمام تحديات حقيقية لا تستطيع معالجتها بالشعارات العامة حول التعددية.

المدرسة التي يفترض أن تكون إحدى أدوات دمج الأطفال في المجتمع قد تصبح مكاناً لإعادة رسم الحدود بينهم على أساس الأصل أو الخلفية

لذلك لا تبدو القضية الإيطالية مجرد خلاف حول نسبة 30 في المئة. إنها اختبار لمعادلة أكثر تعقيداً: كيف يمكن الحفاظ على حق متساو في التعليم، مع منع التركز الاجتماعي الذي قد يعرقل الاندماج، من دون تحويل الطلاب المهاجرين إلى فئة منفصلة داخل النظام التعليمي؟

من إيطاليا إلى فرنسا والدنمارك والنمسا، تختلف السياسات والأدوات، لكن الجدل يكشف تحولاً في الطريقة التي تنظر بها أوروبا إلى ملف الهجرة. فبعد سنوات كان التركيز فيها على استقبال الوافدين وضبط الحدود، باتت المعركة أكثر ارتباطاً بما يحدث بعد الاستقرار: المدرسة، اللغة، السكن، سوق العمل، والهوية العامة.

ولا يعني ذلك أن أوروبا تتجه بالضرورة إلى التخلي عن نموذج التعددية أو الاندماج، فالسياسة الأوروبية الرسمية لا تزال تؤكد أن الاندماج عملية متبادلة تتطلب من المهاجرين المشاركة الفاعلة، ومن المجتمعات المضيفة توفير الظروف التي تسمح لهم بالمشاركة الكاملة.

لكن صعود سياسات أكثر تشدداً يشير إلى أن مساحة الخلاف حول معنى «الاندماج» تتسع. فبينما ترى الحكومات المحافظة أن الاندماج يحتاج إلى قواعد أكثر صرامة بشأن اللغة والرموز الثقافية وتوزيع الطلاب، تخشى قوى سياسية وحقوقية من أن تتحول هذه القواعد إلى قيود على المساواة أو إلى تمييز غير مباشر ضد أبناء المهاجرين.

وفي النهاية، ستحدد طريقة تنفيذ هذه السياسات ما إذا كانت المدرسة ستبقى مساحة للاندماج أم تتحول إلى مرآة للصراع حول الهجرة. فالتنوع الديموغرافي في أوروبا أصبح واقعاً، والسؤال لم يعد ما إذا كان يمكن إيقافه بسهولة، وإنما كيف تستطيع المؤسسات استيعابه وإدارته من دون تفكيك فكرة المساواة التي يفترض أن تقوم عليها المدرسة الأوروبية.

2