"الإرساليّة" لخالد الجابر تفتح أسئلة الهوية والتاريخ في فضاء الخليج

رواية تفتح نقاشا حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة والهويات أشد صلابة والأسئلة أعمق.
الخميس 2026/05/07
كاتب يملك وعيا بسياقات الخليج

مع تدشين روايته الجديدة “الإرساليّة”، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يطرح الدكتور خالد الجابر عملًا سرديًا يقدّم قراءة مغايرة للتاريخ، لا بوصفه أرشيفًا للوقائع الجامدة، بل كمساحة حيّة قابلة لإعادة الفهم والتأويل، ومفتوحة على أسئلة عميقة تتجاوز حدود السرد التقليدي.

تتميّز رواية ”الإرساليّة” بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس فقط لاستعادتها مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية “العين الغربية التي جاءت من بعيد”، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها، وهكذا يتجلّى المعنى الأعمق، إنه من يسعى إلى تغيير الشرق، ينتهي به الأمر وقد غيّره الشرق إلى الأبد.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سردًا يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سردًا يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال،
الرواية تفتح ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سردًا يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال

من حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس “الإرسالية العربية” (Arabian Mission) تقريبا عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقًا إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية.

 هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خاما، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محورًا سرديًا. هذه الشابة التي عبرت البحار لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق وقبلها مصر والمغرب. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، ومؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في المحصّلة، لا تُقاس “الإرساليّة” بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة ويُعاد النظر في ما كان يبدو يقينًا نهائيًا، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلًا لإعادة التشكل لا معطًى مكتملًا.

وفي هذا السياق لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها “مبشّرة”، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بأيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية “الإرساليّة”، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

تظهر بصمةُ الجابر المهنية والأكاديمية في هذا الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية

تظهر بصمةُ الجابر المهنية والأكاديمية في هذا الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذابًا حكائيًا، ومتينًا في إحالاته، ومقنعًا في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

يشار إلى أن د. خالد الجابر يعمل أستاذا مساعدا في الاتصال الدولي، وبرنامج دراسات الخليج في جامعة قطر، وهو أستاذ زائر لجامعة نورث وسترن الأميركية. وكان يشغل سابقاً منصب رئيس التحرير بجريدة “البننسولا” اليومية الصادرة باللغة الإنجليزية.

تحصل على الماجستير في الولايات المتحدة من جامعة فلوريدا، ودرجة الدكتوراه في بريطانيا من جامعة ليستر. عمل سابقا في منصب نائب رئيس التحرير بجريدة “الشرق” اليومية، وشغل منصب مدير إدارة العلاقات العامة والاتصال، في مؤسسة الحي الثقافي كتارا، ومدير مكتب الرصد الصحفي والإعلامي في وزارة الخارجية، ورئيس القسم الدبلوماسي في صحيفة “الوطن”، الدوحة – قطر.

يعتبر الجابر باحثا في الدراسات الخليجية والعربية والدولية التي تركز في بحوثها على وسائل الاتصال الجماهيري وقياس الرأي العام والعلوم السياسية والعلاقات الدولية. وقد نشرت له العديد من الكتب بالعربية والإنجليزية، بالإضافة إلى المؤلفات والدراسات في المجلات الأكاديمية والعلمية بما في ذلك موسوعة الصحافة العالمية، كما شارك في العديد من المؤتمرات الدولية.

وتتركز اهتماماته العلمية في مجموعة واسعة من المجالات كالقانون الدولي والمنظمات الدولية، والشؤون السياسية والأمنية، والاقتصاد السياسي والدبلوماسية العامة، والدراسات التنموية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.

9