"أزرار نابليون".. جزيئات صغيرة صنعت تاريخ العالم
أحيانًا لا يحتاج التاريخ إلى جيش كبير كي يتغير مساره، ولا إلى إمبراطور يقرر خوض حرب جديدة، ولا إلى اكتشاف جغرافي يعيد رسم الخرائط. أحيانًا يكفي شيء أصغر بكثير، شيء لا تراه العين المجردة، ولا يخطر على بال أحد وهو يتابع حركة الإمبراطوريات والحروب والهجرات والتجارة: جُزَيْء.
من هذه الفكرة تنطلق بيني لو كوتور وجاي بورسون في كتابهما «أزرار نابليون.. كيف غيرت 17 جزيئًا التاريخ»، الصادر بالعربية عن دار الرواق للنشر والتوزيع، بترجمة سهيلة رمضان. الكتاب الذي يبدو عنوانه للوهلة الأولى أقرب إلى حكاية تاريخية عن نابليون بونابرت، سرعان ما يكشف عن مشروع مختلف تمامًا، يحاول أن ينظر إلى التاريخ من زاوية الكيمياء وأن يسأل سؤالًا غير مألوف: هل يمكن لجزيء صغير أن يغير مصير إمبراطورية؟ الإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم.
علاقة التاريخ بالكيمياء
ربما تبدأ المفارقة من قصة أزرار نابليون نفسها. فخلال الحملة الفرنسية على روسيا عام 1812، انهار جيش نابليون الذي كان قد بلغ مئات الآلاف من الجنود، ولم يبقَ منه عند الانسحاب سوى جزء صغير. كان البرد والجوع والمرض من أهم أسباب الكارثة، لكن الكتاب يطرح احتمالًا أكثر إثارة يتعلق بالقصدير الذي صُنعت منه أزرار ملابس الجنود.
بين زر صغير في معطف جندي وإمبراطورية تتراجع، وبين حبة فلفل ورحلة بحرية تعيد رسم خريطة العالم، وبين جزيء دوائي وملايين المرضى، توجد مسافات هائلة من الزمن والجغرافيا والسياسة
فعند درجات الحرارة المنخفضة يمكن أن يتغير تركيب القصدير، فيتحول من المعدن اللامع إلى صورة أخرى أكثر هشاشة. ومن هنا تأتي الفكرة التي يحملها عنوان الكتاب: ربما لم يكن الزر مجرد زر، وإنما كان جزءًا صغيرًا من سلسلة طويلة من العوامل التي جعلت الجنود عاجزين عن مواجهة شتاء روسيا القاسي.
القصة نفسها قد تكون قابلة للنقاش، وهو ما لا يخفيه المؤلفان، لكن أهميتها بالنسبة إلى الكتاب لا تتوقف على إثبات أن أزرار نابليون هي التي أسقطت جيشه. الأهم أنها تقدم للقارئ مدخلًا إلى الطريقة التي يريد المؤلفان أن ينظرا بها إلى التاريخ: البحث عن الأشياء الصغيرة التي تقف خلف الأحداث الكبيرة.
المثير في «أزرار نابليون» أن مؤلفيه لا ينطلقان من التاريخ ثم يستعينان بالكيمياء لتفسيره، وإنما يفعلان العكس تقريبًا. إنهما ينظران إلى العالم من خلال الجزيئات، ثم يتتبعان آثارها في السياسة والاقتصاد والاستعمار والحروب والطب والعادات اليومية. وهذه ليست مهمة سهلة.
فالكيمياء بالنسبة إلى كثير من القراء تبدو علمًا بعيدًا عن الأسئلة التي اعتاد المؤرخون طرحها. ما علاقة تركيب جزيء معين بسقوط إمبراطورية؟ وما علاقة مادة كيميائية بالتجارة العالمية؟ وكيف يمكن لمركب موجود في نبات أو دواء أن يصبح جزءًا من قصة الاستعمار أو الحرب؟
يحاول الكتاب أن يجعل هذه الأسئلة مفهومة من خلال الحكاية. ولهذا لا يقدم المؤلفان قائمة علمية جافة من المركبات والصيغ الكيميائية، وإنما ينتقلان بين المختبر والسفينة والمزرعة وساحة الحرب والمستشفى والمصنع. فالجزيئات التي يتناولها الكتاب ترتبط، بحسب المؤلفين، بمجموعة واسعة من التحولات التي غيرت ما نأكله ونرتديه ونشربه، والطريقة التي نسافر بها، والأدوية التي نعالج بها الأمراض، وحتى بعض التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها العالم.
ويؤكد المؤلفان منذ البداية أن اختيار الجزيئات ليس قائمة نهائية أو حقيقة علمية مغلقة، وإنما اختيار يرتبط بما وجداه أكثر إثارة من حيث قصته الكيميائية والتاريخية. كما أن «الجزيئات» في الكتاب ليست دائمًا جزيئات منفردة بالمعنى الحرفي، بل مجموعات من المركبات المتقاربة في خصائصها وأدوارها التاريخية.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الكتاب، لأنه لا يحاول إقناع القارئ بأن التاريخ يمكن اختزاله في الكيمياء، وإنما يفتح نافذة جديدة للنظر إليه.
العادي ليس عاديا
في الفصل الأول، ينتقل الكتاب من القصدير إلى عالم التوابل: الفلفل وجوزة الطيب والقرنفل.
قد تبدو التوابل اليوم جزءًا عاديًا من المطبخ، لكن تاريخها يكشف عن عالم مختلف تمامًا، كانت فيه التوابل سلعة استراتيجية قادرة على تحريك السفن والجيوش والثروات. كان الفلفل من أكثر السلع المطلوبة في أوروبا، وأصبح الوصول إلى مصادره أحد دوافع الرحلات البحرية الكبرى. وهنا تتحول حبة الفلفل إلى مفتاح لفهم جانب من تاريخ الاستكشاف الأوروبي.
الرغبة في الوصول إلى مصادر التوابل دفعت القوى الأوروبية إلى البحث عن طرق بحرية جديدة، وأسهمت في تحريك رحلات غيرت معرفة الإنسان بالعالم. وفي هذا السياق يتوقف الكتاب عند الرحلات البرتغالية، ثم عند كريستوفر كولومبوس وماجلان وغيرهما، ليكشف كيف يمكن لمادة تستخدم في الطعام أن تكون في خلفية حركة جغرافية وسياسية واسعة.
ليست المسألة إذن أن الفلفل «صنع» الاستكشاف وحده، وإنما أن قيمته الاقتصادية جعلته واحدًا من العناصر التي غذت شبكة معقدة من المصالح والطموحات.
وهذا الأسلوب يتكرر في الكتاب: الجزيء ليس بطلًا منفردًا في القصة، لكنه غالبًا ما يكون الحلقة التي تسمح برؤية علاقات أخرى كانت مختبئة خلف الحدث التاريخي.
◄ أهم ميزة في كتاب "أزرار نابليون" أنه يغير زاوية النظر كما يفتح لقارئه بابًا جديدًا لفهم التاريخ والعلم معًا
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مواد ربما تبدو أبعد ما تكون عن الحروب والسياسة، مثل السليلوز والحرير والنايلون والأصباغ.
لكن هذه المواد تقود إلى الثورة الصناعية، وإلى تغيرات عميقة في طريقة إنتاج الملابس واستهلاكها، وإلى ظهور صناعات جديدة.
فالملابس التي نعتبرها اليوم شيئًا يوميًا بسيطًا تخفي وراءها تاريخًا طويلًا من البحث عن المواد الخام وطرق تصنيعها. والانتقال من الألياف الطبيعية إلى مواد صناعية لم يكن مجرد تطور تقني، بل ارتبط بتحولات اقتصادية واجتماعية واسعة.
والأمر نفسه ينطبق على الأصباغ. الألوان التي نراها في الملابس والمنتجات اليومية تحمل تاريخًا من التجارة والبحث العلمي والصناعة. وبعض الأصباغ ارتبط بسلع شديدة الندرة، فيما أدى اكتشاف طرق صناعية لإنتاج ألوان جديدة إلى تغيير أسواق بأكملها.
هنا يبدو الكتاب في أفضل مساراته، عندما يجعل القارئ ينظر إلى شيء مألوف ــ قطعة ملابس أو لونًا أو مادة في منزله ــ باعتباره نتيجة لسلسلة طويلة من الاكتشافات والصراعات الاقتصادية. لكن الجزيئات لم تصنع الحياة فقط، بل ساعدت أيضًا في صناعة الموت.
الطب والعلم والمطبخ
يتناول الكتاب مركبات النيترو وعلاقتها بالمتفجرات، ثم يتتبع تطور المعرفة الكيميائية التي جعلت بعض المواد جزءًا من تاريخ الحروب والصناعات العسكرية.
وهنا تظهر واحدة من أكثر الأفكار إزعاجًا في الكتاب: العلم نفسه لا يحمل بالضرورة اتجاهًا أخلاقيًا واحدًا. المادة التي يمكن أن تستخدم في صناعة متفجر قد تدخل، في سياق آخر، في إنتاج أو تطوير مواد نافعة، والاكتشاف الذي يفتح بابًا أمام تقدم صناعي قد يجد طريقه أيضًا إلى الحرب. إنها واحدة من المعضلات القديمة للعلم الحديث: المعرفة لا تحدد وحدها الطريقة التي سيستخدمها البشر.
في الفصول المتعلقة بالأدوية، يتغير إيقاع الكتاب. فبدلًا من الحديث عن التجارة والحرب والاستكشاف، يدخل القارئ إلى تاريخ الطب. الأسبرين، والمركبات التي أسهمت في ظهور أدوية جديدة، والبنسلين وغيرها، تصبح أمثلة على الطريقة التي يمكن بها لتطور كيميائي صغير أن يغير حياة ملايين البشر.
والكتاب لا يتعامل مع الطب باعتباره سلسلة من الاكتشافات المنفصلة، بل يربطه بتطور المعرفة العلمية، والتجارب، والصناعة، وتغير فهم الإنسان للأمراض.
حتى حبوب منع الحمل تدخل في هذا السياق، باعتبارها مثالًا على اكتشاف كيميائي لم يغير الطب فقط، وإنما كانت له آثار اجتماعية وثقافية عميقة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال الدواء نفسه: ماذا يحدث للمجتمع عندما تتغير قدرة الإنسان على التحكم في جسده وصحته وحياته الأسرية؟
من أكثر أجزاء الكتاب إثارة تلك التي تتناول المورفين والنيكوتين والكافيين، وكذلك المركبات المرتبطة بما يسميه المؤلفان «جزيئات السحر". فالمواد التي ارتبطت عبر التاريخ بالعلاج أو الطقوس أو المتعة يمكن أن تتحول إلى عناصر في الاقتصاد والسياسة والصراع.
ويستعيد الكتاب، في هذا السياق، تاريخ الأفيون وعلاقته بالصراع التجاري والسياسي بين بريطانيا والصين، ليكشف كيف يمكن لمادة كيميائية أن تتجاوز حدود تأثيرها على جسد الإنسان لتصبح جزءًا من علاقات القوة بين الدول.
وهذه واحدة من الأفكار التي تجعل الكتاب يتجاوز كونه كتابًا مبسطًا في الكيمياء. فالجزيء هنا لا يعيش داخل المختبر فقط، وإنما يدخل إلى السوق وإلى السياسة وإلى حياة البشر اليومية.
ربما تكون إحدى أجمل أفكار الكتاب أن التاريخ موجود أيضًا في الأشياء التي نضعها على مائدتنا.
الفلفل والملح والسكر وزيت الزيتون ليست مجرد مكونات للطعام. لكل واحدة منها قصة طويلة من التجارة والعمل والضرائب والحروب والهجرة.
والملح، على سبيل المثال، الذي يبدو اليوم من أرخص الأشياء وأكثرها اعتيادية، كان في أزمنة مختلفة موردًا بالغ الأهمية، وارتبط بالتجارة والضرائب والصراعات.
أما زيت الزيتون، فيقود إلى تاريخ طويل في منطقة المتوسط، حيث ارتبطت شجرة الزيتون بالغذاء والاقتصاد والحياة الاجتماعية.
بهذا المعنى، يقترح الكتاب قراءة مختلفة للمطبخ نفسه: ليس باعتباره مساحة خاصة بعيدة عن التاريخ، وإنما باعتباره أحد الأماكن التي يمكن أن نقرأ فيها حركة الحضارات.
ربما تكون أهم ميزة في «أزرار نابليون» أنه يغير زاوية النظر. القارئ الذي يدخل الكتاب بحثًا عن درس في الكيمياء قد يجد نفسه أمام تاريخ للاستكشاف والاستعمار والصناعة والطب والحرب والتجارة. والقارئ الذي يأتي إليه من بوابة التاريخ سيكتشف أن الأحداث الكبرى التي نقرأ عنها في الكتب لم تكن تتحرك فقط بقرارات الملوك والقادة، وإنما كانت هناك دائمًا مواد وأدوات وتقنيات وموارد تقف في الخلفية.
زاوية نظر جديدة
القصة تقدم للقارئ مدخلًا إلى الطريقة التي يريد المؤلفان أن ينظرا بها إلى التاريخ: البحث عن الأشياء الصغيرة التي تقف خلف الأحداث الكبيرة
وتتكون بنية الكتاب من 17 فصلًا، يبدأ أولها بالفلفل وجوزة الطيب والقرنفل، ثم حمض الأسكوربيك والجلوكوز والسليلوز ومركبات النيترو والحرير والنايلون والفينول والإيزوبرين والأصباغ، قبل الانتقال إلى الأدوية وحبوب منع الحمل ومركبات أخرى مرتبطة بالمخدرات والمنبهات والملح ومركبات الكلور، وصولًا إلى الجزيئات المرتبطة بمواجهة الملاريا.
لكن الكتاب لا ينجح بالدرجة نفسها في كل الفصول. فحين تكون القصة التاريخية في المقدمة، يصبح السرد أكثر حيوية، بينما يمكن أن يشعر القارئ غير المتخصص بأن بعض الشروحات الكيميائية تطيل الطريق قليلًا أمام الحكاية. وهذا أمر مفهوم، لأن المؤلفين يحاولان تحقيق توازن صعب بين تبسيط العلم والحفاظ على دقته.
ومع ذلك، فإن هذه ليست مشكلة جوهرية بالنسبة إلى قارئ عربي يبحث عن كتاب يفتح له بابًا جديدًا إلى التاريخ والعلم معًا.
بعد الانتهاء من «أزرار نابليون»، يصعب النظر إلى الأشياء اليومية بالطريقة نفسها. قد يصبح الملح أكثر من مجرد ملح، واللون أكثر من مجرد لون، والدواء أكثر من قرص، والملابس أكثر من قماش. هذه ربما تكون القيمة الأساسية للكتاب.
إنه لا يقول إن التاريخ صنعته الجزيئات وحدها، ولا يقدم الكيمياء باعتبارها المفتاح الوحيد لفهم الحضارة. لكنه يذكرنا بأن التاريخ شبكة ضخمة من الأسباب والنتائج، وأن ما يبدو هامشيًا من منظور الإنسان قد يصبح حاسمًا عندما ننظر إلى الصورة كاملة.
فبين زر صغير في معطف جندي وإمبراطورية تتراجع، وبين حبة فلفل ورحلة بحرية تعيد رسم خريطة العالم، وبين جزيء دوائي وملايين المرضى، توجد مسافات هائلة من الزمن والجغرافيا والسياسة. «أزرار نابليون» يحاول أن يقطع هذه المسافات.
وربما تكون أجمل مفارقات الكتاب أن عنوانه نفسه يختصر فكرته: التاريخ الكبير قد يبدأ أحيانًا من شيء صغير جدًا.
جزيء لا نراه، زر لا ننتبه إليه، أو مادة نضعها كل يوم على مائدتنا، من دون أن نسأل كيف وصلت إلينا، وكم من الحروب والرحلات والاكتشافات والضحايا والاختراعات كانت وراء وجودها.