من تونس إلى العالم: رحلة جديدة لمقدمة ابن خلدون
مشروع تسجيل "مقدمة ابن خلدون" في سجل ذاكرة العالم لا يمثل مجرد تكريم ثقافي، بل يعيد طرح أسئلة الدولة والمجتمع والسلطة والاقتصاد في حاضرنا. ابن خلدون لم يكن يبحث عن الخلود، بل عن تفسير الظواهر، واليوم يعود نصه ليذكّرنا بأن التفكير النقدي هو أساس فهم التاريخ وصناعة المستقبل.
ابن خلدون لم يبرح مكانه في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس، ولم يغادر قاعدته التي ظل واقفاً عليها يراقب المدينة بعين رجل خبر المدن والدول والناس، لكن شيئاً آخر تحرك هذه المرة: ذكراه.
خرج ابن خلدون من صمته البرونزي في قلب العاصمة، وعاد إلى الواجهة من بوابة مختلفة تماماً؛ لا باعتباره تمثالاً لشخصية تاريخية، ولا اسماً لشارع أو جامعة أو جائزة، وإنما باعتباره مؤسسا لعلم الاجتماع وصاحب نص أصبح الآن جزءاً من "ذاكرة العالم" بعد الإعلان عن ملف لتسجيل "مقدمة ابن خلدون" في سجل اليونسكو ("سجل ذاكرة العالم").
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مناسبة ثقافية أخرى تضاف إلى قائمة المناسبات التي نحتفي فيها بعباقرة الماضي، ثم نعود إلى حياتنا اليومية وكأن شيئاً لم يتغير. لكن ابن خلدون لا يحتمل أن يُعامل بهذه الطريقة. فالمقدمة ليست أثراً محفوظاً في خزانة، ولا كتاباً قديماً نعود إليه لكي نستعيد منه بعض العبارات الجميلة عن العمران والعصبية والدولة. قيمتها الحقيقية أنها نص كتب قبل أكثر من ستة قرون، لكنه لا يزال يزعج الحاضر بأسئلته. وربما لهذا السبب بالذات يأتي الاعتراف به في سجل "ذاكرة العالم" في لحظة تبدو فيها أسئلة الدولة والمجتمع والسلطة والاقتصاد والانقسام أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ثورة ابن خلدون الفكرية
المفارقة أن ابن خلدون لم يكن يبحث عن الخلود. كان يبحث عن تفسير. وهذه نقطة جوهرية في فهم أهمية المقدمة. لقد عاش في عالم مضطرب، بين دول تتغير، وسلالات تصعد وأخرى تنحدر، ومدن تزدهر ثم تفقد مكانتها، وجماعات تنتقل من الهامش إلى المركز ثم تفقد قدرتها على الحفاظ على القوة. ولم يكتف بنقل ما حدث، كما كان يفعل كثير من مؤرخي عصره، وإنما سأل سؤالاً أكثر جرأة: لماذا حدث؟ وما القوانين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجعل الرواية التاريخية قابلة للتصديق أو موضعاً للشك؟
هنا تحديداً تكمن إحدى أهم ثورات ابن خلدون الفكرية. فالتاريخ عنده ليس مجموعة أخبار ينبغي جمعها، بل ظاهرة ينبغي اختبارها. والرواية لا تصبح صحيحة لمجرد أن مؤرخاً سابقاً نقلها. كان ابن خلدون يضع الخبر أمام ميزان العقل والعمران والواقع الاجتماعي، ويسأل إن كان ما يروى ممكناً وفق طبيعة الأشياء وأحوال البشر. وفي ذلك كان يقترب من تأسيس منهج نقدي للتاريخ، يقوم على البحث عن الأسباب والعلاقات، لا على مجرد سرد الوقائع.
ولذلك فإن الاحتفاء بالمقدمة اليوم ينبغي ألا يكون احتفاءً بقدمها، بل بقدرتها على مقاومة القدم. فالنص العظيم ليس الذي يبقى محفوظاً لأنه قديم، وإنما الذي يستطيع أن يعيد إنتاج أسئلته في عصور مختلفة.
حين تحدث ابن خلدون عن "العمران"، لم يكن يتحدث عن مدينة بالمعنى العمراني الضيق، بل عن منظومة الحياة البشرية بكل ما فيها من اقتصاد وسلطة وعادات وثقافة وعلاقات اجتماعية. وحين تحدث عن "العصبية"، لم يكن يقدم وصفة سياسية جاهزة، وإنما كان يحاول فهم القوة التي تجعل الجماعة قادرة على التنظيم والحشد وإقامة السلطة. وحين درس العلاقة بين الاقتصاد والسلطة والترف، كان يلفت النظر إلى أن الدولة لا تعيش بالقوة وحدها، وأن ازدهارها يحمل في داخله أحياناً عناصر الضعف إذا تحول الاستقرار إلى استهلاك، والسلطة إلى امتياز، والثروة إلى انفصال عن المجتمع.
من هنا يبدو ابن خلدون شديد المعاصرة، وإن كان من الخطأ تحويله إلى خبير سياسي معاصر أو استخدام أفكاره باعتبارها قوانين ميكانيكية تفسر كل شيء. المقدمة ولدت في سياق تاريخي واجتماعي محدد، ومفاهيمها لا يمكن فصلها عن عالم القرن الرابع عشر وشمال أفريقيا والشرق الإسلامي. لكن قيمة الفكر ليست في أن يقدم إجابات جاهزة لكل زمان، وإنما في أن يمنحنا أدوات أفضل لطرح الأسئلة.
وهذا بالضبط ما يجعل عودة المقدمة إلى "ذاكرة العالم" أكثر من مجرد اعتراف ثقافي. إنها تذكير بأن العالم العربي لم يكن مستهلكاً للتفكير في التاريخ والمجتمع والدولة، بل كان واحداً من البيئات التي أنتجت مبكراً محاولات عميقة لفهم هذه الظواهر. لقد كتب ابن خلدون بالعربية، في تونس والمغرب والأندلس ومصر، عن موضوعات ستصبح بعد قرون حقولاً مستقلة في التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة. وليس المطلوب أن ننسب إليه علوم العصر الحديث بأثر رجعي، أو أن ندخله قسراً في تصنيفات لم تكن موجودة في زمانه، بل أن نعترف بأن تاريخ التفكير في الإنسان والمجتمع أكثر تنوعاً واتساعاً مما توحي به الرواية الغربية التقليدية عن نشأة العلوم الاجتماعية.
التراث وأسئلة الحاضر
ولعل تونس تملك في هذه اللحظة فرصة خاصة. فابن خلدون ليس شخصية بعيدة عنها؛ إنه جزء من ذاكرتها. هنا ولد، وهنا تشكل جزء من وعيه الأول، ومنها خرج إلى عالم واسع مليء بالصراعات والتحولات. ومن تونس يمكن أن تبدأ قراءة جديدة لابن خلدون لا باعتباره تمثالاً للماضي، وإنما باعتباره جسراً بين الذاكرة والمستقبل.
واللافت أن "ذاكرة العالم" نفسها لا تعني تجميد الوثائق في الماضي، بل حفظ التراث الوثائقي ذي القيمة العالمية وإتاحته للأجيال. وتكشف قائمة تونس في البرنامج أن الذاكرة لا تختزل في الآثار الحجرية، وإنما تشمل الوثائق والمخطوطات والأرشيفات التي تساعد البشرية على فهم تاريخها المتعدد. ومن هذه الزاوية تصبح إضافة المقدمة ذات دلالة رمزية عميقة: العالم لا يحتفي فقط برجل عاش في القرن الرابع عشر، وإنما بنص ساهم في تغيير طريقة النظر إلى الإنسان والتاريخ.
قيمة المقدمة أنها تمنح أدوات لفهم المجتمع والدولة وتكشف أن الاستقرار قد يحمل بذور الضعف إذا انفصلت السلطة عن المجتمع
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه بعد الاحتفال هو: ماذا سنفعل بابن خلدون بعد أن يصبح جزءاً من "ذاكرة العالم"؟ هذه هي المسألة الأصعب.
فيمكن بسهولة أن نعلق صورته في المدارس والجامعات، وننظم الندوات، ونقيم الاحتفالات، ونطبع طبعات فاخرة من المقدمة، ثم نترك الكتاب بعيداً عن الأسئلة التي كان يريد أن يثيرها. ويمكن أيضاً أن نستخدم اسمه كشعار ثقافي من دون أن نستخدم طريقته في التفكير.
ابن خلدون، في هذه الحالة، يتحول إلى ما يشبه كثيراً من رموزنا الكبرى: حاضر في الاحتفال، غائب عن الممارسة.
فما الذي يعنيه أن نقرأ ابن خلدون اليوم في عالم عربي يعاني من أزمات الدولة، ومن انقسام المجتمعات، ومن ضعف المؤسسات، ومن تضخم الاقتصاد الريعي، ومن اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع؟ ماذا يعني أن نقرأه في دول تتنازعها الهويات الفرعية، أو تتنافس فيها مراكز القوة، أو يصبح فيها الولاء للجماعة أقوى من الولاء للمؤسسة؟ وماذا يمكن أن نتعلم من رجل كان يرى أن قيام الدولة لا يعني مجرد امتلاك السلطة، وإنما بناء شروط اجتماعية واقتصادية تسمح لها بالاستمرار؟
ليس من الصعب العثور على عبارات خلدونية يمكن إسقاطها على حاضرنا. الصعب هو أن نتعلم منه المنهج نفسه: أن نتوقف عن الاكتفاء بوصف الأزمات، وأن نسأل عن أسبابها؛ أن نتجاوز الشعارات إلى البنية؛ أن نبحث عن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وبين السلطة والمجتمع، وبين الثروة والقدرة على بناء المؤسسات.
وهذا ربما هو الجانب الأكثر أهمية في ابن خلدون بالنسبة إلى زمننا. فهو لا يعلمنا فقط ماذا نفكر، بل كيف نفكر.
في عالم تتحول فيه المعلومة إلى سيل هائل، وتنتشر فيه الروايات المتناقضة بسرعة غير مسبوقة، تبدو دعوة ابن خلدون إلى فحص الأخبار واختبارها وفق أحوال العمران أكثر راهنية من أي وقت مضى. نحن نعيش في عصر يستطيع فيه خبر غير صحيح أن يسبق الحقيقة، وتستطيع فيه رواية مصممة بعناية أن تتفوق على الوقائع، ويمكن فيه للانفعال الجماعي أن يصنع قناعة قبل أن يبدأ العقل في السؤال. أليس هذا، في جوهره، أحد الأسئلة الخلدونية؟
إن معرفة الواقع لا تبدأ بتصديق ما نريد أن يكون صحيحاً، وإنما بمحاولة فهم ما هو ممكن في الواقع. وهذه الفكرة وحدها تكفي لجعل المقدمة كتاباً معاصراً على نحو مدهش، ليس لأنها تتنبأ بالمستقبل، وإنما لأنها تعلم القارئ مقاومة السهولة.
ثم هناك الاقتصاد. كان ابن خلدون مدركاً للعلاقة العميقة بين العمل والإنتاج والضرائب والإنفاق والسلطة. وقد أدرك أن الدولة حين تثقل كاهل النشاط الاقتصادي يمكن أن تضعف القاعدة التي تعتمد عليها هي نفسها. ولم يكن الاقتصاد عنده منفصلاً عن المجتمع والسياسة، كما تميل بعض القراءات الحديثة إلى الفصل بين الحقول، بل كان جزءاً من دورة متكاملة يتأثر فيها المجتمع بالدولة وتتأثر الدولة بقدرة المجتمع على الإنتاج.
وهنا أيضاً يمكن أن تبدو المقدمة كأنها تفتح نافذة على حاضرنا، شرط ألا نحولها إلى كتاب وصفات.
الأمر نفسه ينطبق على مفهوم العصبية. من السهل جداً استخدام الكلمة لوصف كل انقسام اجتماعي أو كل جماعة سياسية، لكن الأهم هو فهم السؤال الذي كان ابن خلدون يحاول الإجابة عنه: ما الذي يجعل جماعة بشرية قادرة على التضامن والعمل المشترك؟ وما الذي يحدث عندما تفقد السلطة القاعدة الاجتماعية التي تمنحها القدرة على الاستمرار؟
في عالمنا العربي المعاصر، حيث تتعايش الدولة الحديثة مع القبيلة والطائفة والجهة والحزب والشبكات الاقتصادية، يصبح هذا السؤال أكثر تعقيداً، لكنه لا يفقد أهميته. الدولة الحديثة يفترض أن تستبدل الولاءات الجزئية بعلاقة مواطنة ومؤسسات وقانون، لكن الانتقال من المجتمع التقليدي إلى الدولة المؤسسية لا يحدث بمجرد تغيير الدساتير. إنه يحتاج إلى بناء ثقة، وإلى توزيع عادل للفرص، وإلى مؤسسات يشعر الناس بأنها تمثلهم وتحميهم، لا أنها مجرد أدوات بيد من يملك السلطة.
وهنا تصبح قراءة ابن خلدون نوعاً من تمرين العقل السياسي، لا درساً في التاريخ فقط.
لقد اعتدنا أن نبحث في تراثنا عن أمجاد الماضي لكي نشعر بالفخر بالحاضر. وربما حان الوقت لكي نفعل شيئاً أكثر صعوبة: أن نبحث في التراث عن الأسئلة التي تجعلنا أكثر نقداً لحاضرنا. ابن خلدون لا يمنحنا مناسبة للفخر فقط، بل يمنحنا سبباً لإعادة النظر في أنفسنا.
تجاوز منطق الاحتفاء
إن تسجيل المقدمة في "ذاكرة العالم" هو، في أحد معانيه، اعتراف دولي بأن الذاكرة الإنسانية ليست ملكاً لحضارة واحدة. فالفكر الذي أنتجته تونس في القرن الرابع عشر يمكن أن يصبح اليوم جزءاً من التراث الفكري المشترك للبشرية. وهذا مهم في زمن لا تزال فيه صورة التاريخ الفكري العالمي تعاني من اختزال شديد، حيث تبدو بعض الحضارات وكأنها كانت تكتب تاريخها وحدها، بينما كانت حضارات أخرى مجرد متلقٍ لما أنتجه الآخرون.
لكن الاعتراف الدولي لا ينبغي أن يكون نهاية الرحلة، بل بدايتها.
فالمطلوب بعد اليوم ليس المزيد من تماثيل ابن خلدون، وإنما المزيد من الباحثين الذين يقرأونه؛ ليس المزيد من الاحتفالات باسمه، وإنما المزيد من الجامعات التي تدرّس منهجه؛ وليس المزيد من الاقتباسات من المقدمة، وإنما مزيد من الدراسات التي تختبر أفكارها في ضوء علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد الحديثة.
قد يكون من الجميل أن يقف ابن خلدون في شارع الحبيب بورقيبة، وأن يمر الناس من أمامه كل يوم دون أن يعرف بعضهم أن الرجل الذي يراقب العاصمة من فوق قاعدته الحجرية كتب ذات يوم واحداً من أكثر النصوص جرأة في تاريخ التفكير الإنساني. لكن الأجمل أن يتحول ذلك التمثال من مجرد علامة في المدينة إلى سؤال دائم لها.
ماذا يرى ابن خلدون لو كان يستطيع أن ينظر اليوم إلى تونس؟ ماذا كان سيقول عن الدولة والمجتمع والاقتصاد والطبقات والمدينة والسياسة؟ ماذا كان سيكتب لو جلس في مقهى من مقاهي العاصمة، وأخذ يراقب حركة الناس والسلطة والأسواق ووسائل التواصل والهجرة والاحتجاجات والتحولات الاجتماعية؟
ربما كان سيبدأ بالطريقة نفسها التي بدأ بها قبل ستة قرون: بالشك في الرواية السهلة، وبالبحث عن الأسباب العميقة خلف الظواهر.
لهذا يبدو خبر مشروع تسجيل المقدمة في "ذاكرة العالم" أكبر من خبر ثقافي. إنه دعوة إلى استعادة عقل ابن خلدون، لا مجرد الاحتفاء باسمه.
لقد تحركت ذاكرته أخيراً من تونس إلى العالم.
أما التحدي الحقيقي، فهو أن تتحرك أفكاره من الكتب إلى العقول، ومن الجامعات إلى الحياة العامة، ومن الاحتفالات إلى طريقة نظرنا إلى الدولة والمجتمع والتاريخ.
ابن خلدون لم يتحرك من مكانه في شارع الحبيب بورقيبة. الذي تحرك هو العالم من حوله، أو ربما تحركت ذاكرتنا نحوه.
وفي الحالتين، يبقى السؤال نفسه معلقاً في فضاء العاصمة: هل نستطيع، بعد ستة قرون، أن نقرأ المقدمة كما أراد صاحبها أن نقرأ التاريخ؛ لا لكي نعرف ما حدث فقط، بل لكي نفهم لماذا حدث، وكيف يمكن ألا يتكرر؟