من سيدفع ثمن صراع الكبار؟
العالم لا يحتاج إلى حرب باردة جديدة كي يشعر ببرودة العلاقة بين واشنطن وبكين. يكفي أن ينظر إلى الرسوم الجمركية، والقيود على التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والموانئ، والطاقة، ليدرك أن المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم لم تعد خلافاً تجارياً يمكن تسويته حول طاولة مفاوضات، بل أصبحت إعادة رسم بطيئة لقواعد الاقتصاد الدولي نفسه.
ولذلك يأتي اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن في ظرف لا يسمح بالكثير من الأوهام. قبل القمة، عقد مسؤولون اقتصاديون من البلدين اجتماعات تمهيدية في نيويورك، حيث بحث الطرفان التجارة والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية وقضايا اقتصادية وأمنية. واقترحت واشنطن أيضاً آلية لإخطار الطرفين بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عندما تبلغ مستوى يتعلق بالأمن القومي.
المشهد يحمل تناقض شديد الدلالة: دولتان تتنافسان على التكنولوجيا والأسواق والنفوذ، لكنهما مضطرتان في الوقت نفسه إلى الحديث عن آليات لمنع المنافسة نفسها من الانزلاق إلى ما هو أخطر.
وهذا ربما هو الوصف الأدق للعلاقة الأميركية-الصينية اليوم: تنافس لا يستطيع الطرفان إنهاءه، وتعاون لا يستطيعان الاستغناء عنه.
فالقصة لم تعد قصة الرسوم الجمركية وحدها. إنها قصة عالم تشكل خلال عقود حول فكرة أن الإنتاج يمكن أن يكون في مكان، والتمويل في مكان آخر، والتكنولوجيا في مكان ثالث، والمواد الخام في مكان رابع، ثم تصل المنتجات إلى المستهلك في أي مكان تقريباً. كانت تلك الشبكة المعقدة من المصالح إحدى ركائز العولمة الحديثة. أما اليوم، فإنها تتحول تدريجياً إلى ساحة صراع استراتيجي.
واشنطن تريد تقليص المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الصين في قطاعات تعتبرها حساسة للأمن القومي. وبكين تريد الحفاظ على قدرتها الصناعية والتكنولوجية والوصول إلى الأسواق العالمية. وكل طرف ينظر إلى قدرات الطرف الآخر ليس بوصفها ميزة تجارية فقط، بل باعتبارها جزءاً من القوة الوطنية.
هكذا انتقل الخلاف من سؤال بسيط مثل: من يبيع أكثر؟ إلى سؤال أكثر خطورة: من يستطيع أن يتحكم في التكنولوجيا التي سيُبنى عليها الاقتصاد المقبل؟
ولهذا اكتسب الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة موقعاً مركزياً في المحادثات الأخيرة. فالتكنولوجيا لم تعد قطاعاً اقتصادياً منفصلاً عن الأمن. والرقائق الإلكترونية ليست مجرد مكونات صناعية، كما أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطبيقات رقمية. كلاهما يدخل في الاقتصاد والدفاع والطاقة والاتصالات والنقل والقطاع المالي.
العلاقة بين واشنطن وبكين لم تعد خلافًا تجاريًا بسيطًا بل تحولت إلى صراع استراتيجي يعيد رسم قواعد الاقتصاد العالمي ويؤثر على التكنولوجيا والطاقة
الاقتصاد العالمي لا يعمل وفق الحدود السياسية التي تحاول القوى الكبرى إعادة رسمها. عندما تفرض الولايات المتحدة قيوداً على صادرات التكنولوجيا، لا تتوقف آثار القرار عند الشركات الأميركية والصينية. وعندما تغير الصين اتجاهات تجارتها أو تستخدم نفوذها في المعادن الحيوية، تتأثر شركات ومصانع ومستهلكون في دول لا علاقة مباشرة لها بالخلاف.
لهذا فإن العالم الثالث والدول المتوسطة والصغيرة لا تستطيع التعامل مع المواجهة الأميركية-الصينية باعتبارها شأناً بعيداً يخص القوتين العظميين فقط.
هي مواجهة تصل إلى الموانئ، والمصانع، وأسعار الشحن، والمواد الخام، وأسواق العمل، وأسعار الغذاء والطاقة.
والمشكلة أن هذه المواجهة تأتي في وقت شديد الحساسية أصلاً بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
وهنا تظهر الصورة الأكثر أهمية: المواطن العادي لا يرى النزاع الدولي كما يراه الدبلوماسيون.
يراه في محطة الوقود. في فاتورة الكهرباء. في أجرة الحافلة. في سعر الخبز. في تكلفة نقل البضائع. في سعر المنتج المستورد.
في البلدان الغنية تستطيع الحكومات، لفترة ما، امتصاص الصدمة. أما الاقتصادات النامية التي تدخل الأزمة وهي مثقلة بالديون وضعيفة العملات وتعتمد بشدة على استيراد الطاقة، فإن مساحة المناورة تكون أضيق بكثير.
وهنا يصبح الخلاف بين واشنطن وبكين جزءاً من مشكلة أكبر.
فالعالم لا يواجه أزمة واحدة. إنه يواجه أزمات متراكبة: صراعاً جيوسياسياً، واضطراباً في الطاقة، وتوترات تجارية، ومنافسة تكنولوجية، وتضخماً في تكاليف النقل، وضغطاً على العملات، وديوناً متراكمة في الاقتصادات النامية.
كل أزمة بمفردها يمكن التعامل معها. المشكلة تبدأ عندما تتفاعل الأزمات.
إذا ارتفعت أسعار النفط، ترتفع تكلفة النقل. وإذا ارتفعت تكلفة النقل، ترتفع أسعار السلع. وإذا ارتفعت أسعار السلع، تتراجع القوة الشرائية. وإذا تراجعت القوة الشرائية، تزداد الضغوط الاجتماعية. وإذا اضطرت الحكومات إلى زيادة الإنفاق لدعم المواطنين، تتسع الضغوط المالية. وإذا اتسعت الضغوط المالية في بلد يعتمد على استيراد الطاقة، فقد تزداد حاجته إلى الاقتراض.
وهكذا يمكن لممر بحري في الشرق الأوسط أن يصبح عاملاً في اضطراب اجتماعي في دولة بعيدة آلاف الكيلومترات.
هذه هي العولمة في وجهها الأقل رومانسية.
العالم أصبح مترابطاً إلى درجة أن الأزمة لا تحتاج إلى جواز سفر.
المواطن العادي لا يرى النزاع في قاعات التفاوض بل يلمسه في أسعار الوقود والغذاء والنقل حيث يتحول الصراع إلى أزمة يومية ملموسة
لكن اللافت أن القوى الكبرى، في الوقت الذي تتحدث فيه عن ضرورة حماية اقتصاداتها، قد تسهم سياساتها الحمائية في زيادة كلفة هذا الترابط بالنسبة إلى الآخرين.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في الاقتصاد العالمي الجديد: ما قد يبدو منطقياً من منظور الأمن القومي لدولة كبرى قد يبدو مكلفاً جداً من منظور الاقتصاد العالمي.
وهذا ما يجعل القمة الأميركية-الصينية أكثر أهمية من مجرد صورة للرئيسين أمام الكاميرات.
القضية الحقيقية ليست ما إذا كان ترامب وشي يستطيعان الاتفاق على صفقة تجارية واحدة، بل ما إذا كان الطرفان يستطيعان إنشاء مساحة مستقرة داخل علاقة تنافسية.
العلاقة بين الولايات المتحدة والصين ستظل تنافسية مهما حدث.
وهذا أمر يمكن للعالم أن يتعايش معه.
ما يصعب عليه التعايش معه هو أن يصبح هذا التنافس بلا سقف، وبلا قنوات اتصال، وبلا قواعد لإدارة الأزمات.
في نهاية المطاف، لا يدفع ثمن الصراع الاقتصادي في واشنطن وبكين فقط من يجلسون إلى طاولة المفاوضات. قد يتحدث الرؤساء عن الرسوم الجمركية. وقد يتحدث الوزراء عن المعادن النادرة. وقد يتحدث الخبراء عن الذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد.
لكن المواطن يسمع كل ذلك بلغة مختلفة تماماً: كم أصبح سعر الوقود؟
وهذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن واشنطن وبكين، كما ينبغي ألا تغيب عن المؤسسات الدولية: العالم لا يحتاج إلى إزالة المنافسة بين الكبار، لكنه يحتاج إلى منع هذه المنافسة من تحويل الاقتصاد العالمي إلى رهينة لها.
حين يبدأ المواطن في الشارع بالاحتجاج، فإن الصراع الذي بدأ في غرف التفاوض بين القوى الكبرى يكون قد وصل بالفعل إلى المكان الأكثر حساسية: الحياة اليومية.
وهناك، بعيداً عن الأعلام والمراسم وصور الرؤساء، يصبح السؤال الحقيقي بسيطاً جداً: من سيدفع ثمن صراع الكبار؟