ترامب بين حربين: إيران وضغوط الداخل

الرئيس يستطيع إدارة حرب من البيت الأبيض، لكنه لا يستطيع إدارة الطريقة التي يشعر بها المواطن عندما يدفع ثمنها
الثلاثاء 2026/09/22
حين تصبح كلفة الحرب سؤالاً انتخابياً

ليس من الصعب أن يربح الرئيس الأميركي معركة في الخارج، لكن الصعب أن يشرح للناخب في الداخل لماذا أصبح انتصاره أكثر كلفة في محطة الوقود وفي فاتورة البقالة.

رئيس عاد إلى البيت الأبيض بخطاب يعد بإنهاء الحروب وخفض التضخم واستعادة القدرة الشرائية للأميركيين، يجد نفسه الآن أمام حرب طويلة مع إيران، وأسعار طاقة مرتفعة، وضغط تضخمي لم يعد يبدو بالنسبة إلى الناخب مشكلة مجردة في بيانات الاقتصاد، بل شيئاً يراه كل يوم. وفي أحدث الاستطلاعات هبطت نسبة تأييد ترامب إلى 32 في المئة، وهو أدنى مستوى في قياسات الاستطلاع خلال مسيرته الرئاسية، فيما تراجع التأييد له بين الجمهوريين إلى 73 في المئة بعدما كان 82 في المئة قبل أسبوع واحد فقط.

الأرقام وحدها لا تقول إن انهياراً سياسياً قد وقع، ولا تسمح باستنتاج حاسم بشأن نتيجة الانتخابات النصفية المقبلة. لكنها تكشف شيئاً أكثر أهمية بالنسبة إلى رئيس يعتمد بدرجة كبيرة على ولاء قاعدته: بدأت المسافة تتسع بين ما وعد به ترامب وما يختبره الناخب في حياته اليومية. فالمواطن يسأل في النهاية سؤالاً بسيطاً: هل أصبحت حياتي أفضل أم أكثر كلفة؟

حين عاد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، كانت رسالته الاقتصادية واضحة: كبح التضخم وتحسين أوضاع الأميركيين، بالتوازي مع وعد بإنهاء الحروب الخارجية بدلاً من فتح جبهات جديدة. هذه الوعود شكلت جزءاً أساسياً من الصورة التي دخل بها ولايته الثانية؛ ففي الساعات التي أعقبت تنصيبه كان تأييده يبلغ 47 في المئة في ذلك الاستطلاع. أما اليوم، فقد أصبحت المسافة بين تلك اللحظة والواقع السياسي الراهن أكثر وضوحاً.

المشكلة أن الاقتصاد لا يتعامل مع السياسة الخارجية باعتبارها ملفاً منفصلاً. الحرب في إيران لم تبق في الشرق الأوسط. اضطراب أسواق الطاقة انتقل إلى الاقتصاد الأميركي، وارتفعت أسعار البنزين والديزل بصورة حادة، بينما باتت تكلفة الحرب نفسها عبئاً إضافياً على الميزانية الفيدرالية. وقد قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن كلفة الحرب بلغت نحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس، مع توقع ارتفاعها بنحو 3 مليارات دولار شهرياً إذا استمرت العمليات بالمستوى نفسه. كما حذّر من أثر إضافي على التضخم في عام 2027.

وهنا تحديداً تنكسر الحدود بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية. فالرئيس يستطيع أن يقول إن الحرب ضرورية للأمن القومي، وإن إيران تمثل تهديداً لا يمكن تجاهله، وإن الضربات العسكرية حققت أهدافاً استراتيجية. لكن المواطن الذي يدفع أكثر لملء خزان سيارته لا يرى هذه المعادلة بالطريقة نفسها بالضرورة. بالنسبة إليه، السؤال ليس فقط ما إذا كانت العملية العسكرية مبررة استراتيجياً، وإنما ما إذا كان ثمنها قد أصبح جزءاً من حياته اليومية.

رغم ذلك، لا ينبغي قراءة الأرقام باعتبارها انقلاباً في المزاج الجمهوري أو حكماً نهائياً على مستقبل ترامب السياسي. فالقاعدة الجمهورية ما زالت تمنحه نسبة تأييد مرتفعة نسبياً مقارنة بمستوى تأييده الوطني، ولا تزال قضايا أخرى، بينها الهجرة، تحظى بدعم كبير داخل الحزب. لكن التراجع في ملف المعيشة يحمل دلالة مختلفة، لأنه يمس العلاقة الأكثر مباشرة بين الناخب والرئيس: الوعد بأن السلطة ستجعل الحياة اليومية أقل كلفة وأكثر أمناً.

الأرقام تكشف فجوة بين وعود ترامب وواقع الناخبين؛ الشرعية الشعبية لا تُبنى بالخطاب، بل بقدرة السياسات على تحسين الحياة اليومية وخفض تكاليفها.

هذه العلاقة كانت جزءاً من قوة ترامب السياسية منذ عودته إلى المشهد الوطني. فهو لم يقدم نفسه فقط باعتباره رجل سياسة خارجية أو رئيساً يتبنى موقفاً متشدداً من خصوم الولايات المتحدة، بل باعتباره أيضاً السياسي القادر على «إصلاح» الاقتصاد الذي يقول ناخبون كثيرون إنه لم يعد يعمل لصالحهم كما ينبغي.

والأكثر تعقيداً أن الحرب جاءت في لحظة لا تزال فيها الضغوط التضخمية قائمة. في هذه البيئة، تصبح السياسة الخارجية امتداداً للسياسة الاقتصادية. وحين يقول البيت الأبيض إن الحرب تخدم الأمن الأميركي، فإن السؤال المقابل الذي يواجهه الرئيس في الداخل هو: ماذا عن الأمن الاقتصادي؟ وهل يمكن إقناع الناخب بأن ارتفاع تكلفة الطاقة هو ثمن مؤقت لإستراتيجية ضرورية، أم أن الحرب تحولت إلى عبء طويل الأجل لا يتناسب مع الوعود التي سبقتها؟

تزداد صعوبة الإجابة لأن الحرب نفسها لم تعد تبدو قضية بعيدة عن الناخب. فقد أظهر استطلاع لمؤسسة إبسوس أن 34 في المئة فقط يؤيدون الضربات الأميركية على إيران.

وللمرة الأولى منذ بدء الحرب، بدأت بعض الأصوات الجمهورية نفسها تتعامل معها بوصفها مشكلة سياسية داخلية.

وهنا ربما تكمن المشكلة الأعمق أمام ترامب. فالرئيس يستطيع إدارة حرب من البيت الأبيض، لكنه لا يستطيع إدارة الطريقة التي يشعر بها المواطن عندما يدفع ثمنها. ويمكن للإدارة أن تشرح الأرقام الإستراتيجية، وأن تتحدث عن الردع والتهديدات الإقليمية والمصالح الأميركية، لكن الناخب لا يعيش في غرفة العمليات. إنه يعيش في متجر، وعلى طريق سريع، وفي منزل عليه فواتير شهرية. وعندما تصبح الحرب عاملاً في تلك الفواتير، فإنها تدخل تلقائياً إلى السياسة الداخلية.

لهذا تبدو انتخابات التجديد النصفي المقبلة اختباراً مختلفاً عن الانتخابات الرئاسية. لن يكون السؤال المباشر فقط عن ترامب، بل عن قدرة الجمهوريين على الدفاع عن أغلبيتهم في الكونغرس في ظل اقتصاد يضغط على الناخبين وحرب لا تحظى بتأييد واسع.

لكن الأهم من الأرقام الانتخابية نفسها هو التحول في طبيعة السؤال الذي يواجهه ترامب. في بدايات ولايته الثانية كان السؤال يدور كثيراً حول قدرته على فرض أجندته السياسية وإعادة تشكيل واشنطن. أما الآن، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً أصبح أكثر بساطة وأشد قسوة: هل يستطيع الرئيس أن يثبت للأميركيين أن السياسة التي ينتهجها في الخارج لا تجعل حياتهم أكثر كلفة في الداخل؟

تلك هي المفارقة التي لا يمكن لأي خطاب سياسي أن يخفيها طويلاً. فالشرعية الشعبية لا تعني أن يوافق الناخب على كل قرار للرئيس، ولا أن تخلو السياسة من الأزمات والحروب. لكنها تقوم، في نهاية المطاف، على وجود علاقة مفهومة بين الوعود والنتائج.

قد يستطيع ترامب أن يعيد ترتيب رسالته، أو أن يحمّل خصومه السابقين مسؤولية التضخم، وقد تتغير الأرقام مرة أخرى قبل نوفمبر. لكن التحدي الذي تكشفه استطلاعات سبتمبر أعمق من حركة أسبوعية في نسب التأييد. إنه يتعلق بالثقة.

1