التحالفات المتغيرة: الخليج بين واشنطن وشراكات بديلة

كلما زادت القدرات الخليجية على الردع، أصبح الحوار مع إيران أقل ارتباطاً بالخوف وأكثر ارتباطاً بحسابات المصالح.
الأربعاء 2026/09/23
الحرب مع إيران كشفت هشاشة الممرات البحرية

الحروب الفعلية تبدأ بعد أن يتوقف تبادل إطلاق النار وتجلس الدول التي شاركت وتعرضت للهجوم لتسأل نفسها ماذا تعلمت، وما الذي كان يمكن أن تفعله بصورة مختلفة، وما الذي ينبغي ألا يتكرر. وهذا هو الاختبار الذي يقترب منه الخليج اليوم. فالحرب مع إيران لم تكشف فقط هشاشة الممرات البحرية والمنشآت النفطية أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل كشفت أيضاً حدود النظام الأمني الذي اعتمدت عليه المنطقة لعقود. وحين تهتز حركة الملاحة في هرمز، وتتراجع حركة السفن إلى مستويات بعيدة عن معدلات ما قبل الحرب، ثم يظهر خطر جديد في باب المندب، تصبح المسألة أكبر من حماية منشأة أو اعتراض صاروخ. إنها مسألة تصميم نظام أمني يستطيع الخليج أن يعيش معه حتى عندما تتغير حسابات القوى الكبرى.

ولذلك فإن مرحلة ما بعد الحرب، متى بدأت فعلياً، لن تكون عودة إلى الوضع الذي سبقها. فمن الصعب أن تعود العواصم الخليجية إلى افتراض أن أمنها يمكن أن يبقى وظيفة خارجية تُدار أساساً من واشنطن. وفي الوقت نفسه سيكون من غير الواقعي الاعتقاد بأن الخليج يستطيع، في الأمد القريب، الاستغناء عن القوة الأميركية، أو أن إيران يمكن احتواء مخاطرها بمجرد توقيع اتفاق دبلوماسي. الخيار الأكثر تعقيداً، وربما الأكثر واقعية، هو بناء معادلة ثالثة: ردع كافٍ لمنع الاعتداء، وحوار كافٍ لمنع الردع من التحول إلى حرب دائمة، وشبكة شراكات أوسع تجعل أمن الخليج أقل اعتماداً على طرف واحد.

هذه ليست فكرة نظرية. فقد كشفت الحرب مدى سهولة انتقال الصراع من البر إلى البحر. مضيق هرمز، الذي كان يعبره قبل الحرب نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً في المتوسط، شهد في الأيام الأخيرة مرور أعداد ضئيلة للغاية مقارنة بالمستويات السابقة، بينما بقي باب المندب معرضاً للاضطراب مع تصاعد هجمات الحوثيين وتقدمهم على الساحل اليمني. وبذلك أصبح الخليج أمام معادلة أمنية جديدة: حماية الحدود لم تعد تعني فقط حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية، وإنما حماية سلسلة كاملة تبدأ من الميناء وتنتهي بالسوق العالمية.

الخيار الواقعي هو بناء نظام متعدد الطبقات: ردع يمنع الاعتداء، حوار يمنع التصعيد، وشبكة شراكات تجعل أمن الخليج أقل اعتماداً على طرف واحد

الدرس الاستراتيجي الأعمق هو أن دولة حتى وان كانت غنية وقوية اقتصادياً ومتصلة بالعالم، تظل معرضة للخطر إذا كان جزء كبير من تجارتها وطاقة صادراتها يمر عبر ممر جغرافي يمكن تعطيله. لذلك لم يكن غريباً أن تبدأ الإمارات، خلال الحرب، في الاستثمار بصورة أكبر في مسارات بديلة للطاقة والتجارة، بما في ذلك توسيع قدرات الموانئ الشرقية وشبكات خطوط الأنابيب والطرق التجارية. وقد أكد أنور قرقاش إن صادرات الطاقة والتجارة الإماراتية لن تكون “رهينة” للتوترات، في إشارة واضحة إلى أن الأمن الاقتصادي أصبح جزءاً من مفهوم الأمن القومي.

وهذا التحول مهم لأنه يعيد تعريف الردع نفسه. الردع في الخليج لم يعد يعني فقط امتلاك طائرات مقاتلة أو صواريخ دفاعية أو قواعد عسكرية. إنه يعني أيضاً القدرة على امتصاص الضربة، وإعادة تشغيل الموانئ، وتحويل مسارات التجارة، وتوفير مخزونات استراتيجية، وحماية البنية الرقمية، وضمان استمرار صادرات الطاقة حتى عندما يصبح طريق بحري واحد غير آمن. الدولة الأكثر أمناً ليست بالضرورة الدولة التي لا تتعرض للخطر، بل الدولة التي لا يستطيع الخصم تحويل ضربة واحدة إلى شلل اقتصادي.

ومن هنا تأتي أهمية التحول في الشراكات. فالولايات المتحدة ستبقى لاعباً أساسياً في أمن الخليج، بحكم وجودها العسكري وخبرتها الاستخباراتية وقدراتها الجوية والبحرية وشبكة قواعدها وشراكاتها الممتدة منذ عقود. لكن الحرب أظهرت في الوقت نفسه أن الحليف الأميركي قد يضع حدوداً لتدخله عندما يرى أن توسيع الحرب لا يخدم مصالحه المباشرة. وفي الأسابيع الأخيرة، طلبت السعودية دعماً أميركياً مباشراً في مواجهة التصعيد الحوثي، بينما بقي التدخل الأميركي العسكري محدوداً.

هذه ليست بالضرورة دعوة إلى التخلي عن واشنطن. بل هي دعوة إلى قراءة العلاقة معها بطريقة أكثر نضجاً. التحالف القوي ليس هو التحالف الذي يجعل أحد الطرفين عاجزاً من دون الآخر، وإنما الذي يمنح الطرفين خيارات أوسع. وكلما امتلك الخليج قدرات دفاعية وصناعية واستخباراتية وبحرية أكبر، أصبح التعاون مع الولايات المتحدة أكثر توازناً، وليس أقل أهمية.

وفي هذا السياق تبدو اتفاقية الدفاع المشتركة التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في مكة في أغسطس واحدة من العلامات اللافتة على التحول الجاري. الاتفاق ينص على أن أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، ويهدف إلى تعزيز الردع والتعاون الدفاعي. وقد أكدت الدول الثلاث لاحقاً أنها تريد مأسسة التعاون، مع التشديد على التهدئة والحلول السلمية.

السلام والأمن في الخليج يتطلبان دمج الردع العسكري بالقدرات الاقتصادية حماية الموانئ والمضائق وضمان استمرار التجارة والطاقة بعيداً عن رهانات القوى الكبرى.

لا ينبغي المبالغة في معنى هذا الاتفاق، ولا اعتباره بديلاً جاهزاً للتحالفات الخليجية القائمة. لكنه يعكس اتجاهاً مهماً: السعودية، ومعها قوى إقليمية أخرى، تبحث عن توسيع دائرة الأمن خارج العلاقة الثنائية التقليدية مع الولايات المتحدة. تركيا توفر قاعدة صناعية وعسكرية مهمة، وباكستان تملك خبرة عسكرية طويلة وعلاقة دفاعية تاريخية مع السعودية. والمغزى الأوسع ليس إنشاء كتلة عسكرية مغلقة، بل بناء خيارات.

وهنا تبدأ المسألة الإيرانية. فكلما زادت القدرات الخليجية على الردع، أصبح الحوار مع إيران أقل ارتباطاً بالخوف وأكثر ارتباطاً بحسابات المصالح. والعكس صحيح أيضاً: كلما غاب الحوار، يصبح الردع أكثر عرضة لأن يتحول إلى سباق تسلح دائم. ولذلك فإن الفصل بين “الحوار” و”الردع” هو خطأ استراتيجي. الدول تحتاج إلى الاثنين في الوقت نفسه.

لقد بدأت دول الخليج نفسها تتحرك في هذا الاتجاه. ففي الأمم المتحدة طرحت قطر فكرة إطار أمني إقليمي يشمل إيران، بينما تحدثت الإمارات عن ضرورة الحوار العربي ـ الإيراني، وطرحت السعودية فكرة اتفاق عدم اعتداء مع طهران. هذه التحركات لا تعني أن الخلافات الأساسية اختفت، ولا أن الثقة عادت، بل تعكس إدراكاً متزايداً لحقيقة جغرافية بسيطة: إيران ستظل جارة للخليج، سواء تحسنت العلاقات أو ساءت.

والجغرافيا لا يمكن تغييرها بالتحالفات.

المطلوب، إذن، ليس “أمركة” الأمن الخليجي ولا “أيرنة” النظام الإقليمي، ولا حتى بناء تحالف جديد مغلق في مواجهة تحالف آخر. المطلوب نظام متعدد الطبقات: دفاع خليجي مشترك أكثر فعالية، شراكة أميركية مستمرة ولكن أكثر توازناً، علاقات دفاعية واقتصادية مع قوى أخرى، وقنوات اتصال ثابتة مع إيران، وترتيبات بحرية إقليمية تحمي حرية الملاحة، واستثمارات ضخمة في البدائل الاقتصادية التي تقلل كلفة أي أزمة مقبلة.

1